بدعوة من الهيئة السورية لشؤون الأسرة بمناسبة يوم المرأة العالمي فندق الشام دمشق

 

8 آذار 2006

الدكتورة بثينة شعبان:

  السلام عليكم ورحمة الله. أولاً اسمحوا لي أن أشكر الأخت الدكتورة منى غانم، رئيسة هيئة الأسرة السورية، التي أتاحت لي الفرصة للقاء بكم والتحدّث إليكم في هذا المساء ولإعطائي الفرصة لأقول لكم "كل عام و أنتم بخير"، "كل عام و النساء جميعاً بألف خير".

     أودُّ أن أبدأ بعبارة قالتها اليوم الأخت الدكتورة منى غانم  وسأحاول أن أربط بين هذه العبارة و بين عنوان اليوم العالمي للمرأة: المرأة في صنع القرار لأني أحاول أن ألقي بعض الإضاءات على أهمية دور المرأة في صنع القرار من منظورٍ وطني هام للوطن وللإنسانية، خاصة ً  وأن الموقف من المرأة الآن بدأ يُستخدم في الكثير من المحافل الدولية كمؤشرٍ لمواقف الدول من الإنسان أو من حقوق الإنسان. طبعاً نحن ندرك أنها كلمة حقّ يُرادُ بها باطل وأن من يتحدثون عن أهمية دور المرأة هم أنفسهم لم يعطوا المرأة الدور الذي تستحقّه في بلدانهم ولكن للأسف وبما أن الإعلام هو من صنعهم فنحنُ نأخذُ بالمفاهيم التي يصنعونها و يصدرونها لنا، ويأخذ البعض عندنا بالدفاع عنها أو تقليدها.

     كنتُ أقرأ اليوم ما كتبته الجرائد الدولية عن المرأة في مراكز صنع القرار فرأيتُ أن واقع المرأة متشابه في معظم دول العالم، يختلفُ بنسبٍ صغيرةٍ جداً؛ مثلاً أعضاء مجلس العموم في كندا هي 20% من النساء، وفي الكونغرس الأمريكي هي 16% من النساء. في فرنسا هي 12.8 % - وهي تقريباً نفس النسبة الموجودة في البرلمان السوري-. ولكن حين نسمع الحديث في الغرب عن المرأة وحرية المرأة وما توصلت إليه المرأة في الغرب يُخالُ للبعض أننا في عالمين مختلفين، أو نكادُ نصدّق أننا في ركبٍ متخلفٍ جداً عمّا يحدث في الغرب. ولهذا الأمر سببان أثنان؛ الأول هو أننا فعلاً نحن لم ندرس تاريخنا بعمق ولا نعرف مساهمة المرأة بعمق، سواء المرأة المسلمة أو المرأة العربية، وقليلون هم المدركون لأبعاد مساهمة المرأة في التاريخ العربي و الإسلامي والمحيطون به، ونحنُ لا ندرس ذلك بشكلٍ كافٍ في مناهجنا التربوية والتعليمية. السبب الآخر هو أن بعضاً من نسائنا العربيات أو المسلمات واللواتي لا يشعرن بالثقة الكافية بأنفسهن وبمواطنيتهن يذهبنّ إلى الغرب ليتملقنّ الغرب بمفاهيم ترضي الغرب وتشعره أننا متخلفون عنه. وأنا أتحدث وقد شاركتُ بمؤتمرات اضطررتُ إلى شبه مواجهة مع نساءٍ عربياتٍ معروفات بدأنّ بانتقاد الدين الإسلامي الحنيف ليبررنّ للغرب بأنهنّ نساء تحرريات وتقدميات، وهذه أيضاً مصيبة أخرى أن يتبنى الغرب أصواتاً تنتقد حضارتنا وتراثنا وديننا باسم التحرر والتقدم وباسم إعطاء المرأة حقوقها، و هذه مسؤليتنا أيضاً فنحن يجب أن نأخذ زمام المبادرة وأن نتحدث عن أنفسنا وأن نوصل صوتنا للغرب بالطريقة اللائقة، ولكن لا يمكن لنا أن نوصل هذا الصوت مالم نعمل على تصنيعه بالطريقة السليمة هنا في بلادنا وفي أدبنا وفي تاريخنا وتراثنا وما لم نفرز بين العادات السلبية من إرثنا والتي لا علاقة لها بالدين و الأخلاق وبين ديننا الحنيف وما أعطاه وما قدمه فعلاً للمرأة. إذاً هذه مسؤولية ملقاة على عاتقنا جميعاً ويجب أن نقوم بها. أنا لا أتحدث هذا لأقول أن وضع المرأة مثالي في أية دولة عربية أو إسلامية ولا كي أقول أن المرأة السورية وصلت كل ما تبتغيه، لا،  على الإطلاق،  فنحن في مسارٍ متجددٍ متطور، لكني أستطيع أن أقول أنني أرغب وأعمل كي تأخذ المرأة العربية دوراً ضمن تاريخنا وتراثنا وحضارتنا وديننا لأني لا أرى في التطبيق السليم لهذه الحضارة والدين أي انتقاصٍ من حقّ المرأة أو أي نقصٍ في أي دور ترغب أن تقوم به.

    الأمر الآخر الذي أودُّ أن أتحدث به هو أنه أحياناً تصل إلينا عاداتٍ وإعلامٍ يتعلق بالمرأة هو بالفعل ينتقص من قيمة المرأة، يصل إلينا تحت اسم "الحداثة"  ويتم تبنيه. أنا أشعر بالخجل أننا نضطر أن نتعامل مع هكذا إعلام لا علاقة له لا بالثقافة ولا بالحضارة ولا بحقوق المرأة.

      الشيء الآخر الذي أريد أن أذكره هنا هو أن إحدى المشاكل الأساسية أن المرأة حين تصل إلى مواقع صنع القرار وبعض الصعوبات التي تتجاوزها، وأنا أتفق مع الدكتورة منى أن المرأة لا تعلم كيف تروج لنفسها والتركيبة السياسية في معظم دول العالم هي تركيبة رجالية ولأن للمرأة خصوصيتها فلا تستطيع هي أن تقوم بالدور الذي يقوم به الرجل كي تصل موقعاً سياسياً معيناً، والمرأة التي وصلت في سوريا وصلت لأن القيادة قدّرت أن المرأة يجب أن تكون هنا وليس لأن المرأة ذهبت وعملت لوبي لنفسها. إن الفضل هو للقيادة السياسية في الحقيقية في هذا. لكن كيف يمكن لنا أن نجعل النظام السياسي قادراً على أن  تكون المرأة فاعلة فيه وأن تكون المرأة قادرة على الترويج للنساء الأخريات كي يكنّ ضمن هذا النظام. المشكلة حين تصل المرأة إلى مراكز اتخاذ القرار فإذا نجحت فهي أمرأة استثنائية لا مثيل لها وإذا فشلت فهي أمرأة تمثـّل كلّ النساء!!  أما الرجل إذا فشل فهو يمثـّل نفسه فقط وإذا نجح فهو يمثـّل كلّ الرجال!! وهذه الحقيقة معادلة صعبة جداً على المرأة وأنا حقيقة ً لا أخفيكم سراً بأنني ومنذ أن أصبحت أستاذة في الجامعة وكاتبة أشعر بثقل المسؤولية لأني أعلم أن أي شيء أفعله سوف يؤخذ على أنه مثال للمرأة، على أنني إذا فشلت فإني أشعر بمسؤوليتي تجاه النساء الأخريات، وفي الكثير من الأحيان أكابر على ألمِ شخصي وعلى جهدِ شخصي لكي لا تشعر المرأة بعدي أني وقفتُ هنا، لكي لا أغلق الباب أمام نساء الجيل اللواتي يرغبن بالقدوم بعدي. كما أن أيّ شيءٍ  في الحياة الشخصية للمرأة ينعكس فوراً على حياتها السياسية  وعلى  حياتها المهنية، بينما لا يضير الرجل أي شيءٍ في العالم.

    كلّ هذه المعادلات هي معادلات لا بدّ من أن نبحث بها ولا بدّ أن نفكر بها إذا أردنا أن نبني وطناً حصيناً ومتيناً. وأنا لا أعلم مثلاً لماذا نحن نقول أن نسبة النساء في البرلمان السوري هي 12%  مثل نسبة النساء في فرنسا، لماذا لا تكون عندنا مثلاً أربعين بالمئة  وفي فرنسا 12%؟؟  لماذا تكون فرنسا أولاً ونحن ثانياً؟؟  نحن مؤهلون بثقافتنا وديننا وحضارتنا أن نكون أولاً، وليكونوا هم ثانياً وثالثاً ورابعاً، ولا يجب أن ننتظر أن نكون خامساً وسادساً ولا أن نقتنع أن نكون خامساً وسادساً، خاصة وأن الوضع التعليمي والوضع الثقافي والوضع المهني للمرأة في  سوريا حقيقة ً  يؤهلها أن تكون موجودة بزخمِ كبير في مواقع صنع القرار. وأشارت الدكتورة منى إلى كلمة هامة جداً هي "الإخلاص والجرأة والصراحة"  وصدقوني أن هذه الصفات هي قليلة جداً بين النساء والرجال، ليس بين النساء فقط.

     ولذلك أنا أعتقد أن المرأة الآن في العالم العربي مؤهلة أن تأخذ دوراً هاماً جداً في مسيرة هذا العالم، لماذا؟؟  لأنه ليس لدى المرأة الكثير أن تخسره، لأنها بشكل طبيعي هي مهمّشة لذلك إن لم تنجح فلن تخسر الكثير. ليست في مواقع هامة. لأن المرأة بطبيعتها لها علاقة بالتفاصيل فهي تربي الولد وهي تفاوض الجارة والزوج وبيت الإحمى. المرأة بطبيعتها مفاوضة وهي بطبيعتها قائدة. لنجلس ونفكر بهذا. أنا عندما أجلس وأفكـّر بأمي وجدتي، وكل شخص منا –رجلاً كان أم أمرأة- يجلس ويفكر بأمه وبجدته على أنها قائدة للمجتمع الذي تعيش به. الأمر الآخر هو أن المرأة ربما ليست حريصة جداً على المنصب، أو على الأقل أتمنى أن لا تكون حريصة جداً على المنصب وأن تعتبر المنصب مسؤولية وليس ميزة، وهذا بالضبط ما يحتاجه العالم العربي وما تحتاجه سوريا اليوم وهو أن نعتبر أن الموقع هو مسؤولية، وأن لا يفكر أي أحد منا أن يقول ماذا استطيع أن أفعل لأني لستُ وزيرة ولستُ  سفيرة، كل إنسان يستطيع أن يفعل شيئاً وكل إنسان يستطيع أن يساهم، وأنا أذكر هذا المثل وإن كان شخصياً: أنا ولمدة عشر سنوات عملتُ مترجمة، ولي الشرف الكبير في هذا، للسيد الرئيس الراحل حافظ الأسد رحمه الله، الكثيرون يقولون لي أنت أستاذة جامعية وكذا وتعملين مترجمة!  وأنا أقول لكم أني كنت أشعر أني احتل أهم موقع في العالم لأني كنتُ سعيدة وفخورة وكنتُ أتعلم كل يوم؛ الإنسان هو الذي يضفي القيمة على الشيء الذي يصنعه وعلى الموقع الذي يحتله. الموقع لا يعطي قيمة لإنسان. هناك أناس في مواقع عالية جداً حينما يذهبون إلى بلدانٍ أخرى يواجهون بالمظاهرات ولا يحميهم الموقع من غضب الناس ضدهم.

    إذاً أنا أرى أن على المرأة اليوم سواء في المجال التعليمي أو في المجال السياسي أو في أي موقع قرار، و موقع القرار ليس فقط في المكان الأعلى للقرار، موقع القرار سواء أكانت مديرة مدرسة أو رئيس جمعية أو في أي مكان فيه قرار هو أمر مهم. يعني  أن تضرب المرأة مثلاً في مواقع القرار، ونحن مررنا بمراحل في الستينيات والسبعينيات حيث أتتنا من الغرب موجات عن المساواة وأنا قلت في أكثر من مناسبة أنني شخصياً لم استخدم مبدأ المساواة بل استخدمتُ مبدأ تكافؤ الفرص لأنه لا يمكن لإنسانٍ أن يتساوى مع الآخر ولا أريد أن أكون مساوية للرجل في أي شيء، أريد مكافئة للفرص، أريد للمرأة أن تحتل الموقع الذي هي جديرة أن تحتله بغض النظر عن أنها إمرأة أو رجل.

     الآن هناك موجة في الغرب للعودة إلى المنزل. أنا اليوم قرأت في جريدة إنكليزية أن ستة ملايين أمرأة في الولايات المتحدة تركوا العمل وعادوا إلى تربية الأطفال. وأنا أقول أننا قادرون أن نوازن بين وضع المرأة الأم ووضع المرأة العاملة، وليست مبالغة أن أقول أن سوريا هي من أوائل الدول التي انتبهت إلى هذا الأمر بإنشاء الحضانات ورياض الأطفال ومساعدة المرأة العاملة وإنشاء حضانات في مراكز دور العمل. طبعاً بحاجة  إلى دعم وإلى تحديث وإلى تطوير، هذا صحيح، لكن الوعي بأهمية المرأة العاملة موجود، والوعي بأهمية الأسرة موجود، والوعي بأهمية الانتماء إلى الأسرة موجود. إذاً لا بدّ لنا أن نستمر في هذا الطريق، وأعتقد أننا اليوم تجاوزنا مقولة أن المرأة العاملة يتضرر أطفالها فنحن في عمر نستطيع أن نعطي شاهداً. المهم بالنسبة للأولاد هو الوقت النوعي الذي تعطيه المرأة أو الرجل للطفل والنموذج والمثل الذي يعطيه الأب أو الأم للطفل وليس الـ 24 ساعة التي يمكن أن تمضيها المرأة مع الطفل.

   في هذا الإطار أتمنى أن تضرب الدول العربية والمسلمة بشكل عام أنموذجاً  للغرب عن كيفية الاحتفاظ بالأسرة من جهة وكيفية أن تكون المرأة عاملة وفاعلة في مجتمعها من جهةٍ أخرى، وأعتقد أننا قادرون على فعل ذلك.

     أريد أن اختتم بتجربة شخصية، من كثرة ما قرأت في العالم الغربي عن الاستهانة بحقوق المرأة وأنها لا تستطيع أن تذهب إلى الحجّ إلا إذا كان لديها محرم وأنا ذهبت هذا العام إلى الحجّ والحمد لله وأستطيع أن أقول أني لم أرى المرأة  في أي مكان في العالم مكرّمة كما رأيتها في الحجّ، فلذلك أعتقد أن علينا أن نعيش أخلاقنا وعاداتنا بعمق وأن نواجه العالم الغربي بها وأن نصنع المستقبل الذي نرتأيه نحن. حين نفعل ذلك نقدم خدمة عليا لوطننا. حين نفعل ذلك نستطيع أن نتمتع بالصدق والجرأة الكاملين. لا أودُّ أن أطيل لأني أعلم أنه لديكم برنامج كبير ولكنني أريد أن أختتم بالتحيّة إلى المرأة العربية في فلسطين أولاً التي تضحي بأولادها يومياً وقد رأيتم كيف يستشهد الأطفال الفلسطينيين كل يوم وأنا أنظر إلى هذه المرأة بإكبارٍ وإعجاب وأرجو الله أن يمكنها من الصمود حتى النصر والتحرير وأحيي المرأة العربية السورية الصامدة في الجولان والمرأة العربية الصامدة في العراق وأقول أن المرأة هي حاضنة التاريخ وهي حاضنة اللغة وهي حاضنة الثقافة ولذلك تقع على عاتقها الاستمرار باحتضان هذه الثقافة  إلى أن تشهد هذه الأمة يوماً عزيزاً كريماً ليس ببعيد بإذن الله.

شكراً لكم وكل عام وأنتم بألف خير