لقاء مع مجلس كنائس الشرق الأوسط، قسم التربية المسيحية، برنامج المرأة
المكان: صيدنايا، دمشق
التاريخ: 5 /10/2006
الدكتورة بثينة شعبان:
صباح الخير،
أولاً أودُّ أن أشكر مجلس كنائس الشرق الأوسط، قسم التربية المسيحية، برنامج المرأة على هذه الفرصة التي أتاحوها لي وأودُّ أن أشكر القائمين على دير القديس كريستوفر، هذا المكان الجميل، لكي أكون معكم هذا الصباح. وحضور نسائي متميز، حين قالوا لي ستكون الحاضرات قلتُ في نفسي هذا يعني أنه لا يوجد حاضرين، خاصة أنكم أتيتم من كل أنحاء القطر فأهلاً وسهلاً بكم.
أولاً أحبُّ أن أقول أنني سعيدة كأمرأة أن أكون بينكم اليوم وأن أشاطركم بعضاً من تجربتي وبعض الخواطر التي تأتيني ولكن أريد أن أبدأ أولاً بالتلاقي مع الآخر. من هو الآخر لتمكين الوحدة الوطنية؟
أريد أن أقول أنني كأمرأة في طفولتي وشبابي كنتُ أشعر أن المرأة هي الآخر وأن المرأة هي التي عليها أن تبذل الجهود لكي تشعر أنها ضمن التيار الأساسي الموجود في الحياة ولمدة عشرات السنوات كان همي هو التلاقي مع الآخر باعتبار الآخر هو الأقوى والمرأة هي الأضعف. لم يكن بالنسبة لي الآخر هو ديناً أو عرقاً أو هويتةً مختلفة بل كان الآخر نظاماً ومجتمعاً ورجلاً يحتاج إلى الكثير من الجهد لكي يعترف أنني مثله أو أنني قادرة أن أكون مثله. ولكن بعد سنواتٍ من العمل والتفكير والنضج شعرتُ أنني لا أريد أن أكون مثله أريد أن أكون أنا، أريد أن أنمي ما لدي من فكر وروح وعقل وقلب ولكن ليس بالضرورة أن أقلّد ما أراه وليس بالضرورة أن أكون نسخة عنه وليس بالضرورة أن أماثله في كل شيء. بدأتُ افكر بميزان الأفضل، من هو الأفضل، من هو الأقل، من هو الأكثر، من أين أتت هذه المفاهيم التي يبدو أن مجتمعنا يعمل بشكلٍ عام وفقها. وحين غادرتُ إلى المملكة البريطانية المتحدة لاستكمال دراستي، أولاً لم يكن أمراً سهلاً في عام 1976 أن تخرج فتاة من القطر وتذهب إلى بريطانيا لاستكمال الدراسة، لأن الدراسة هي أنه كافٍ أن تنال المرأة شهادة جامعية وأن تدرس وكل التعليقات التي أتتني هي متى ستتزوجين وتنجبي أطفالاً إذا كنتِ تريدين إكمال الدراسة وإذا ذهبتِ للدراسة يمكن أن لا تتزوجي فوضع الزواج بميزان المهنة وكأنني إذا ذهبتُ لكي أدرس فإنني سوف أفقد المهنة الأساسية للمرأة والتي هي الزواج وإنجاب الأطفال. الحمد لله كان لدي والد متفتح جداً وأسرة متفتحة جداً بحيث لم يقبلوا بهذا الميزان الاجتماعي الذي كان صارماً جداً خاصة أنني أتيتُ من قرية شرقي حمص اسمها المسعودية. في مجتمع الريف أن تأخذ الفتاة شهادة جامعية فهذا إنجاز كافي للمرأة ولكن حين وصلتُ إلى بريطانيا وجدتُ نفسي أنني الآخر بأكثر من معنى؛ وجدتُ نفسي أنني الآخر لأنني أمرأة عربية وبأن شعري اسود وعيناي سوداوان وأنني لستُ شقراء. مع أنني أتحدثُ الإنكليزية ولكني طبعاً لستُ إنكليزية، أتحدثها بلكنة فتاةٍ أجنبية. ومع الصورة السائدة عن العرب في بريطانيا وجدتُ نفسي وكأن الكل ينظر إلي على أنني أمرأة ثرية جداً قادمة من بلاد النفط، باعتبار العرب كلهم عرب نفط! ذهبتُ مرة لحضور مؤتمر عن الشاعر شيلي والذي هو اختصاصي لشهادة الدكتوراه وقبل نهاية المؤتمر كانوا يتحدثون عن عقد المؤتمر القادم وجدت أن كل الأنظار تتجه إلي ففجأة اكتشفت أنهم يعتقدون أنه يجب علي أن أموّل المؤتمر. بالنسبة لي كان الموضوع صاعقاً لأنني أنا فتاة من أسرة تتألف من تسعة بنات وشباب ونحن عصاميون ووالدي مدرس لغة عربية وجاهدنا جميعاً لكي نكون خريجي جامعات، فبالنسبة لي كان الأمر مضحكاً ومفاجئاً.
بالرغم من كل هذه التراكمات لم أجد أنني الآخر لأنني مسلمة، لم يكن في عين الغرب مهم. صديقتي مسيحية كانت قادمة معي من دمشق، لم يكن يعني الغرب إذا كنتُ مسيحية أو مسلمة، كان الآخر بالنسبة للغرب هو العربي، الذي يتحدث اللغة العربية، الذي شكله عربي. لذلك لم يكن الدين قضية بالنسبة لوجودي في الغرب. كانت الهوية العربية هي التي عرفتني بأنني آخر، وكما قلتُ لكم دُمِجَت هويتي مع هوية بلدانٍ لا نماثلها لا ثروةً ولا نظاماً ولا مجتمعاً ولا بأي شيءٍ آخر.
أنا اختصر كثيراً لأنني عشت في بريطانيا ست سنوات، وفي نهاية فترتي كنتُ أتحدث الإنكليزية كأي إنكليز آخر ولكن مع ذلك ولهجتي توحي من الطبقة العليا لأننا ندرس لغة الطبقة المثقفة في الجامعات ولأنني درستُ الدكتوراه، فلغتي توحي. اللغة في بريطانيا هي مؤشر للطبقة، من يتحدث اللغة الجميلة فهو من الطبقة الوسطى أو العليا، أما الطبقة العاملة فلديها لغة تقريباً صعبة على الفهم، مع أنني كنتُ أتحدث اللغة الإنكليزية بشكلٍ جيد يوحي على الأقل بأنني من الطبقة الوسطى مع ذلك كل من يراني أول سؤال يسألني where're you from? أي من أين أنتِ؟ وذلك فقط لأن شعري أسود، ربما لو كانت عيناي زرقاء وسحنتي بيضاء لما سألني أحد من أين أنتِ. هذا السؤال أشعرني أنني بحاجة أن أعيش في مكان لا يسألني فيه أحد من أين أنتِ ولا أريد لأولادي أني يعيشوا في مكان يسألهم فيه أحد من أين أنتم. هذا السؤال أشعرني أنني الآخر، الآخر غير المقبول، الآخر الذي سيبقى دائماً مهما حصل ومهما فعل دون الآخر، يمكن لساعي البريد- مع الاحترام- وأنا معي دكتوراه في الأدب الإنكليزي من جامعة إنكليزية مع ذلك هو يشعر بتفوق علي لأنه هو إنكليزي وأنا الآخر. فكنتُ أشعر مهما حصلت من شهادات ومن مكانة فإني سوف أبقى الآخر لأني لستُ في بلدي ولأن هذه الحضارة الغربية تعتبر حضارتنا هي الآخر، ولذلك حينما قدمت لي عروض عمل في كندا أو بريطانيا لم أتردد لحظة في رفض أي طلب عمل وقررت أن أعود إلى سوريا مهما كانت المغريات التي يمكن أن ألقاها في الغرب. والحقيقة خلقت لدي نوعاً من عدم الرغبة أن أعيش غريبة في أي مكان، حتى زملائي في الجامعة ذهبوا إلى الإمارات، كما تعرفون أساتذة الجامعة يذهبون إعارة لمدة أربع سنوات من أجل الاستفادة المادية، أنا لم أقدم طلباً في حياتي لإعارة لأي مكان وسفري إلى الولايات المتحدة كان بسبب منح أو جوائز درسية فذهبت لاستكمال أبحاثي ولكني لم أقدم لعمل لأعيش خارج بلدي على الإطلاق. ومن هنا أتى شعوري أن الإنسان العزيز هو الإنسان الذي يعيش في بلده والإنسان العزيز هو الإنسان الذي يملك تربته وأرضه ولا يضطر أن يقول له الآخرون من أين اتيت، وما هي جذورك وماذا تفعل هنا. هذا السؤال مؤلم جداً.
في الحقيقة هذه التجربة خلقت لدي الدافع أن أعرّف الغرب بالمرأة العربية وأعرّف الغرب من هي المرأة العربية ومن هم هؤلاء العرب فمباشرةً بعد أن حصلتُ على شهادة الدكتوراه بدأت مشروع كتاب عن المرأة العربية. كتبتُ كتاباً اسمه"Both Right and Left Handed: Arab Women Talk about their Lives" أي باليمين وباليسار: نساءٍ عربيات يتحدثن عن حياتهن. لم أرغب لهذا الكتاب أن يكون معبّراً عن وجهة نظري فقط فقمتُ بمقابلات لنساء عربيات، درستُ سنتين في الجزائر حين أتيتُ من بريطانيا لأن زوجي كان يدرس بالجزائر. قابلتُ نساء جزائريات وفلسطينيات ولبنانيات وسوريات وقابلتُ نساء من كل الشرائح من الطالبة إلى عضو البرلمان إلى السيدة إلى ربة المنزل إلى العاملة ومن كل الأعمار. وقابلتُ كاتبات وغيرهن. كل هذا حتى أعطي القارئ الغربي من هن النساء العربيات. والحقيقة كان دوري في هذا الكتاب بشكلٍ عام هو دور المكرفون لأني كنتُ أسجل اللقاء ومن ثمّ أفرغه على الورق وأترجمه. الكتاب هو أصوات حقيقية للنساء اللواتي تحدثن لي. بعضهن ظهرن بأسمائهن الحقيقيات، كما رغبن، واللواتي لم يرغبن أن يظهرن بأسمائهن الحقيقيات وضعتُ لهن أسماء مستعارة. أمضيتُ في العمل على هذا الكتاب حوالي أربع سنوات. في الحقيقة هذا الكتاب شكل لي نقلة نفسية في تفكيري، يعني أنا تعلمت الكثير من خلال اللقاء مع هؤلاء النساء. وجدت أن عالم المرأة الداخلي هو عالم غني جداً، هو عالم واسع ورحب ولا يظهر منه على السطح إلا القليل وفي هذا خسارة كبرى لحضارتنا ولأمتنا. شعرت أنه لو فجرت طاقات هؤلاء النساء ربما لتغير وجه المنطقة، ربما لتغير وجه البلدان العربية فلذلك عدتُ إلى شعوري حين كنتُ طفلة أن الآخر هو المرأة وشعرت أن هذا ربما أهم مشكلة تعترضنا في العالم العربي، أن لا يكون الآخر هو المرأة، أن تتمكن المرأة – لا أريد أن أقول تعطى- لأنه لا أحد يعطي أي شيء بل يأخذ، أن تتمكن المرأة أن تحتل المكانة التي تستحقها. وهنا أريد أن أعالج الإشكالية في وصول المرأة في مواقع اتخاذ القرار.
نحن نريد للمرأة أن تلعب دوراً هامة في مجتمع السياسة ولكن لا يمكن للمرأة أن تلعب هذا الدور إذا أرادت فقط أن تقلد الرجل خاصة وأن الأداء الذي نراه يترك الكثير من المجال الذي يمكن تحسينة وأنا أتحدث عن الرجال والنساء ولذلك حين أرى نموذج مارغريت تاتشر والآن النموذج الآخر كونداليزا رايس فأنا لا فرق لدي سواء أكانت كونداليزا رايس أمرأة أو رجلاً لأنها تقوم بما هو محسوب عليها دون أن يكون لها أي لمسة خاصة تعبر عن مقاربة إنسانية مختلفة للمواضيع التي تتعامل معها. وأنا أتحدث عن المرأة بمفهوم المرأة القادرة أن تحافظ على صدقها وعلى جرأتها في مقاربة المواضيع وليس على المرأة التي تريد أن تتبوأ مركزاً وتريد أن تكون في مكان ما لأننا لن نحسن شيئاً إذا كان هذا هو الهدف. يعني في مواقع اتخاذ القرار فإن السباق أبدي بين الرجال على السلطة وعلى الموقع وعلى مراكز القوة. إذا كانت المرأة تريد أن تلج هذا الباب من نفس المنظور فلا أعتقد أنها سوف تحدث سبقاً نوعياً. تحدث المرأة سبقاً نوعياً حين تتمسك بما تراه هي بأنه الأهم.
أنا هنا أركز على موقع الاختلاف؛ الاختلاف بين المرأة والرجل. الله سبحانه وتعالى خلقنا مخلوقين مختلفين لكي يعمر الكون. كان بقدرة الله سبحانه وتعالى أن يخلقنا على شاكلة واحدة، لكنه خلق النساء والرجال من أجل إعمار هذا الكون كما خلقنا قبائل وشعوباً لكي نتعارف ولكي نكمل بعضنا بعضاً.
لذلك أرى أن موضوع الاختلاف هو موضوع أساسي ومن هنا أقول أن موضوع المساواة التي طرحت بين المرأة والرجل في السبعينات كان ينقصها الكثير من التفكير والعمق، يعني أن تقول المرأة أنها لا تريد أن تتزوج لكي تحصل على المساواة أو أنها لا تريد أن تنجب أطفالاً لكي تحصل على المساواة. يعني أنا أدرك أننا نعالج واقعاً وأنا من اللواتي عشتُ وأعيش هذا الواقع ولذلك أسميتُ كتابي باليمين والشمال لأن المرأة تعمل باليمين وباليسار؛ إذا كان الرجل يعمل بيد واحدة فإن المرأة تعمل بيدين، تعمل في البيت وتعمل خارج البيت وفي العمل ومع الأطفال وأنا أدرك أن هذه قضية إشكالية كبرى في حياة المرأة ولكن الحلّ ليس بالعزوف عن الأسرة أو الزواج أو في تقليد الرجل، بل الحلّ هو في تقليد اجتماعي سياسي يجعل من الواجبات الاسرية واجبات اجتماعية تقوم بها المرأة والرجل على حدٍ سواء ولا يعتبر أن المرأة مخلوق لكي تقوم بهذه الواجبات الاجتماعية، وهذا ما تتفق عليه كل الأديان، فكل الأديان تعتبر المرأة مخلوقاً كريماً له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات. نحن في الإسلام مثلاً في عصر النبي محمد (ص) كانت النساء المسلمات يرسلن أطفالهن إلى الصحراء لكي ترضعهن مرضعات، يعني المرأة المسلمة بنت القبيلة المحترمة لا تريد أن تؤذي صدرها بالرضاعة ولذلك نرى أن أفضل قادة العرب قد أرضعتهنّ مرضعات: النبي محمد (ص) أرضعته حليمة السعدية، علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) أرضعته مرضعات، وفي الإسلام إذا أراد الزوج أن يطلب كأس ماء من زوجته يجب أن يكون لديها الرغبة أن تعطيه وأن يشكرها على خدمتها، هي ليست خادمة له بل هي شريكة له في الفكر والقلب والعقل. هذا هو الدين الحقيقي سواء أكان إسلام، أو مسيحية أو يهودية ولكن ما علق بهذا الدين هو عادات اجتماعية كرّسها من يمتلك القوّة لتكريس هذه العادات ولم تحدث حركة حقيقية قادرة على قلب هذا المفهوم بالاتجاه السليم. لذلك أقول أن المرأة يجب أن تحافظ على كيانها، على فكرها، على قلبها بما يتكامل مع الرجل. أنا أتحدث هنا والفضل الأول والأخير بعد الله عزوجل هو لوالدي الذي احتضنني منذ كنتُ طفلة ورباني ودرسني رغم كل الصعوبات كي أكمل تعليمي. وأنا متزوجة والحمد لله لدي زوج يدعمني بما أريده منذ عشرين عاماً ونيف في كل ما أريد أن أقوم به ولدي أبن وابنتان.
أنا أتحدث الآن من منظور صحي في العلاقة بين المرأة والرجل ولكن المنظور الصحي ليس منظوراً خدمياً، هو منظور تكافؤ ولا يمكن للعلاقة أن تكون علاقة محبة حقيقية إذا كان بها أي نوع من الاستعباد أو أي نوع من الخدمية أو أي نوع من الخوف، وهذا ما اريد أن أركّز عليه. الكثير من النساء اللواتي قابلتهن لديهن الكثير من الخوف، الخوف أن أقول هذا، الخوف أن يظهر أسمي، الخوف أن يعرفوا اني تحدثت، الخوف هو عنصر اساسي في شدّ المرأة إلى الوراء وفي عدم تمكينها من أن تأخذ دورها. الخوف مما يمكن أن يحدث إذا قلتُ هذا وذاك وطبعاً أحياناً هذا الأمر مبرر ولكن إذا لم نتخلص من هذا الخوف فإننا لن نتمكن من التقدم إلى الأمام ولا أن نخطو إلى الأمام.
حين كتبتُ كتابي وتحدثتُ عن الخوف أن لا أقوم بواجباتي الزوجية وأنا كنتُ متزوجه حديثاً وسردت في الكتاب قصّة أني كنتُ ألقي محاضرة في الجامعة وفجأة تلعثمت ونسيتُ الجملة التالية لأنني تذكرت أنني لم أخرج اللحمة من الفريزر قبل خروجي للجامعة وسألت نفسي وقتها كيف سأجّهز الغداء وأنا لم أخرج اللحمة من الفريزر. كتبتُ هذه القصة في كتابي فتلقيت عشرات الرسائل من نساء بريطانيات لديهن خوف مماثل من الأخ أو من الأب أو من الزوج أو من المجتمع. لا تظنوا أن المجتمع الغربي مختلف كثيراً عنا بل هو مجتمع إنساني مثله مثلنا وتوجد أفكار كثيرة متقاربة بيننا وبينه. وجدت أن الخوف لدى المرأة أو القياس بالمسطرة الاجتماعية الموجودة هذا مشكلة، يعني دائماً نريد من يكون أول من يعبر الجسر. إذا أردنا أن نغير واقعاً فلا يمكن لنا تغيير هذا الواقع من خلال الالتزام المطلق بهذا الواقع. لكي نغير الواقع فلا بد من أن نحاول أن نفسر ونشرح ونغير تفكير الناس ووعي الناس لهذا الواقع لكي نتمكن من البداية في تغيير هذا الواقع. أنا شخصياً مررت بتجارب كثيرة شعرت بأن الناس قد تلومكِ بالبداية ولكن حين تنجحين وتثبتي موجودية ليس فقط يوافقون على ما قمتِ به بل يقلدونكِ في المستقبل. العنوان لهذا الموضوع هو بسيط جداً، الحقيقة، هو كلمتان اللتان التزم بهما التزاماً شديداً في حياتي المهنية والشخصية والاجتماعية وفي كل مكان هما: الصدق والجرأة. إذا كان الإنسان صادقاً فلا يخشى شيئاً، ليس عليه أن يكذب وليس عليه أن يجمّل الامور وانطلق من منطلق أنني أنسانة وأن الإنسان يخطأ ويصيب وإذا أخطأ ليست نهاية العالم، فيمكن لكل إنسان أن يخطأ وأن يصيب. فلذلك على الإنسان أن يكون صادقاً في كل ما يقوم به وفي كل ما يعمله وفي كل ما يقوله وعليه أن يكون جرئياً أيضاً من أجل الحقّ ومن أجل الصدق. قد تبدو هاتين الكلمتين بسيطتين ولكن صدقوني في عالم السياسة على الأخص هاتان الكلمتان نادرتان ولذلك نرى ما نراه في هذا العالم من قتل ودمار ومصائب لأن الصدق قليل جداً ولأن الجرأة قليلة جداً.
وهنا أريد ان ألامس موضوعاً آخر هو التفكير بالآخر على مستوى ديني أو على مستوى عرقي وأنا أقول أننا كأبناء حضارة عربية في هذه المنطقة لم يكن الآخر بالنسبة لنا في أي يوم ديناً أو عرقاً لأن هذه المنطقة حباها الله بالديانات الثلاث، هي نهضة الديانات الثلاث. وحباها الله بتاريخ من التعايش والمحبة وأنا أعتقد أن المحبة هي أساس هذا الكون. أهم شيء في هذا الكون هو المحبة. المحبة لأخونا الإنسان، المحبة لما نقوم به، المحبة لما نعمله، المحبة لما نقرأه. أنا عندما كنتُ مدرسة كنتُ أقول لطلابي أنه إذا لم تحبوا المادة لن تنجحوا بها، إذا لم تحبوا أن تتلقوا العلم فلن تنجحوا به، إذا لم تحبوا المحاضرة التي القيها، إذا لم تستمتعوا بالمحاضرة التي القيها فلن تستفيدوا، يجب أن تستمتعوا. أنا لستُ هنا لكي أجلدكم بساعة بل لكي تستمتعوا بساعة من الحوار والنقاش حينذاك يمكن أن تتقبلوا المعرفة التي أعطيها لكم. المحبة والسعادة بالمحبة هي أساس كل شيء، هي أساس الكون، هي أساس العلم، هي أساس التعايش، هي أساس المعرفة.
المشكلة التي تواجهها منطقتنا اليوم هي أن الهجمة التي تواجهها منطقتنا تعتبر أن منطقتنا كلها، بكل تاريخها وكل حضارتها وكل محبتها وكل دياناتها، تعتبرها الآخر وتعتبر أن هذا الآخر هو المسؤول عن كل العنف وكل الإرهاب وكل الدمار الذي يجري في العالم وهنا تكمن الإشكالية الكبرى. تخيلوا مثلاً منذ يومين أو ثلاثة وكونداليز رايس في المنطقة وهي تتحدث عن عباس والسنيورة ونوري المالكي، يعني هذا الاستخفاف بشعوب هذه المنطقة شيء غريب. يعني تقول لمحمود عباس أنا معجبة بك ويجب أن تحلّ هذه المشكلة، يعني ماذا عن الخمس أطفال الذين يقتلون يومياً ويستشهدون يومياً في فلسطين. المشكلة أن تفكير البعض للأسف غير الناضج وغير الواعي يشعر أن الأنا قد أرضيت من خلال هذا الكلام ربما غير مدرك أن هذا الكلام معناه استخفاف وتجاهل بحقوق شعوب كاملة في هذه المنطقة. هنا أقول اين الجرأة واين الصدق في التعامل مع هذه القضايا.
أنا كإنسانة مسلمة عشتُ في ريف حمص لدينا نحن في الريف كل قرية من دين مختلف وكل قرية من عرق مختلف، قرية أرمنية وقرية شركسية وقرية علوية وقرية سنية وقرية بدوية وكلنا أحباب وكلنا نذهب إلى نفس المدارس وكلنا نعايد بعضنا بالأعياد وكلنا نفرح بشكلٍ جميل وكلنا نفرح لأفراح بعضنا ونحزن لأحزان بعضنا. أنا برأيي هذه هي الإنسانية المثلى. هذا هو العيش المشترك بشكله الأفضل أو بشكله الأمثل. أنا يمكن أن أجلس مع أي سيدة او آنسة الآن لمدة ساعة وبدون شك سوف أجد أنه لدي معها على الأقل 60% مشترك، على الأقل، من أي دين كانت ومن أي طبقة اجتماعية كانت ومن أي محافظة كانت، هذا لأن الإنساني المشترك بيننا هو الأكثر وهو الاهم وهو الأثرى، ليس لأني أنا ولدت مسلمة والأخرى ولدت مسيحية ونحن لم نجلس ولم نفكر ونختار ونعتقد، نحن ولدنا هكذا. ولدنا وتعلمنا أن نكون محبين لأبناء مجتمعنا، محبين لكل الناس الذين نتعايش معهم، الذي نفرح معهم. لا يوجد فرق بين مسلم ومسيحي في بلداننا. من المعيب أن نتحدث عن الآخر بأنه من الدين الآخر. أنا أجد أن هذا هو نتيجة الهجمة الصهيونية الأمريكية التي تشنها على منطقتنا.
أنا حين أتى الاحتلال الأمريكي إلى منطقتنا وسمعت في الأخبار يقولون في المثلث السني، صدقوني وجعتني أذني، هذه كانت أول عبارة عن التمييز الطائفي في العراق. متى كانت تقصف الكنائس في العراق، تفجر الكنائس في العراق، في تاريخ العراق لم تفجر كنيسة في العراق إلا بعد الاحتلال الأمريكي، في كل تاريخ العراق مع أنه مرّ على العراق الطغاة والحكّام والاحتلال وكل أنواع الاحتلال ولكن تفجير الكنائس جاء مؤشراً خطيراً أن هوية هذه الهجمة هي التفريق بين المسيحيين والسنة والشيعة والأكراد، هي تهجير المسيحيين من العراق، هي تقسيم العراق إلى كنتونات وإلى طوائف.
حزب الله لديه مجاهدون مسيحيون. في الضفة الغربية وفي غزة يستشهد كل يوم مسلمون ومسيحيون. في القدس يهجّر المسيحيون أكثر من ما يهجر أتباع أيّ ديانة أخرى. الهجمة ليست على المسلمين وليست على فئة دون أخرى، الهجمة هي على المنطقة بهويتها. هذه الهوية التي تعايشت وتحابت على مدى قرون هي التي أنتجت الحضارات، الآن يتحدثون معي عن هذا الدير وعن القبور الموجودة في الألف الأول قبل الميلاد. هذا التعايش والغنى التاريخي هو الذي انتج الحضارة، هو الذي انتج الإنسان الحضاري، هو الذي انتج الذكاء، هو الذي انتج الفنون. أما الحضارات التي تبيد من كان قبلها هي التي تفتقر إلى هذا الغنى وإلى هذا التنوع. أنا منذ أسبوعين كنتُ في استراليا وذهبتُ إلى عوائل الأبورجين الذين قتلوا وأبيدوا في أستراليا. في عام 1780 حين وصل الكابتن كوك إلى أستراليا كان عدد سكان الأبورجين في استراليا يصل إلى نصف مليون، في ذلك الوقت لم يكن عدد سكان سوريا نصف مليون، أي أنه اليوم يجب أن يكون عدد الأبورجين 18 مليون، اليوم عدد الأبورجين في استراليا ثلاثمائة ألف لأنهم أبيدوا.
كنتُ ألقي محاضرة في Markvell Council وأتاني شخص برجل واحدة، بترت إحدى ساقيه فأدباً سرتُ نحوه كي لا أتعبه في السير وأسلم عليه، وكان هناك سوريون واستراليون قادمون للمحاضرة التي أريد أن ألقيها في البلدية، في بلدية Markvell فقلتُ له "صباح الخير، كيفك؟" ظننته عربياً وإذ به أبورجين، وبترت ساقه في انتفاضة الأبورجين ضدّ المستعمرين في أستراليا وتحدث كيف كانوا يُضربون بالسياط لكي لا يتحدثوا لغتهم وكيف كانوا يقتلون ويحجزون في معتقلات كما يحجز اليوم الفلسطينييون في غزة ورام الله ونابلس، نفس الطريقة: التركيز على اللغة، على العيش المشترك، على الهوية الثقافية والحضارية. ذهبتُ وزرتُ هذا الرجل في منزله، وزرتُ عائلة أخرى من الأبورجين، تظنون وكأنكم تزورون عائلة عربية، الأبناء مع الأهل مع الجد مع الجدة، مع الإيمان، مع الصلاة، مع الفنون، مع القدسية للارض والمياه. هذه هي المشكلة التي نواجهها اليوم: العرب في هذه المنطقة، مسلمون ومسيحيون هم السكان الأصليون لهذه المنطقة. نحن هنا منذ آلاف السنين والآن هناك مستوطنون قادمون، محتلون، مستعمرون يريدون أن يفرقونا إلى مسلم ومسيحي وسني وشيعي، يريدون أن تبدأ حروب أهلية وللأسف قد بدأت في العراق، وبدأت في فلسطين وللأسف على وشك أن تبدأ في لبنان ويريدون أن يبثوا هذا الشعور بيننا أننا مختلفون وأننا لا نتشاطر القضايا وأننا يجب أن يقف كل منا ضد الآخر.
إذاً أنا أرفض مفهوم الآخر بأي معنىٍ ديني، أو عرقي، في الحقيقة أرفض مفهوم الآخر في الأسرة الإنسانية كلها. أنا حتى لا أريد أن أقول أن الغرب هو الآخر، لا أريد أن يكون هناك الآخر على الإطلاق، نحن أبناء أسرة إنسانية فيجب أن يكون الحقّ والعدالة والكرامة هي الميازين التي نزن بها في هذه الأسرة الإنسانية. أهم شيء هو الكرامة الإنسانية، هو أن نكون ذوي كرامة متساوية، المرأة يجب أن تكون ذات كرامة متساوية. الغرب والشرق والمسيحي والمسلم كله يجب أن يكون متساوٍ بالكرامة الإنسانية، بالقيمة الإنسانية، بالعدالة. حين نحقق هذه العدالة، حين نحقق تكافؤ الفرص أنا أقول أن هذا هو التحرر الحقيقي، أي أن نتحرر ممن هو أهم وممن هو أكثر أو أقل أهمية قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا". أي أن هذه الحياة كلها لتختبرنا أي منا أحسن عملا ولم يشر إلى دينٍ معين أو إلى عرقٍ معين. وأيضاً يقول في آية أخرى "إن أكركم عند الله أتقاكم" والعدل من التقوى، التقوى هي الإيمان بالعدل، الإيمان المطلق بالعدل. الآية الكريمة هذه تقول أن أي إنسان من أي دين، من أي عرق، من أي مكان، الأتقى هو الأفضل بالنسبة لله عزوجل، وكل ما يثار اليوم في منطقتنا هو لنزع هوية هذه المنطقة الحضارية والتاريخية والتي هي إنموذج للعيش المشترك. في دراسة عن كل مناطق العالم وجدوا أن المنطقة العربية والتي يسمونها اليوم الشرق الأوسط وأنا أرفض هذه التسمية لأنها منطقة عربية، وجدوا أن المنطقة العربية هي الأكثر تنوعاً في العالم عرقياً وطائفياً ومذهبياً لماذا؟ لأن التعايش والمحبّة كانت موجودة في هذه المنطقة، أما لو عملت كل طائفة على إبادة الطائفة التي قبلها لما وجدنا هذا التنوع ولما وجدنا هذا التعايش. في عام 628 م. كان الجامع الأموي يذهب إليه المسيحيون والمسلمون ويصلون سوياً لمدة عشرين عاماً، إلى عام 647 م. حين جلس المسلمون والمسيحيون يناقشون فيما إذا كان يجب على هذا الجامع أن يتحول إلى كنيسة أم يبقى جامعاً، وقرروا أن يبقى جامعاً ويبنوا كنيسة بالقرب منه.
في قلعة الحصن كان هناك جامع ثم تحول إلى كنيسة ثم تحول إلى جامع ثم تحول إلى كنيسة وبعد ذلك كتبوا عليه "دار العبادة، كل يعبد الله على شاكلته" أي كلٍ يعبد الله كما يشاء. وأنا أفضل أن أسمي الكنيسة والجامع بـ "دار العبادة" لأن أي إنسان يمكن أن يدخل إلى أي دار عبادة ويشعر أنه قريب من الله ولأن الله سبحانه وتعالى في متناول كل من لديه قلب نظيف، وفي كل مكان وليس ملكاً لأحد، حتى في القرآن الكريم يقول "تراهم ركعاً سجداً مَثَلَهُم في التوراة ومَثَلَهُم في الإنجيل" إذاً الدين الإسلامي أتى ليكمل ما كان في التوراة وما كان في الإنجيل "إنما أتيتُ لأتمم مكارم الأخلاق" والدين هو الأخلاق، وقول الرسول الكريم هذا يدل على الإكمال والإتمام لمكارم الأخلاق وليس ليبدأ من الصفر.
إذاً علينا أن نحاول أن نقف ضدّ مفهوم الآخر بالمعنى السلبي سواء أكان أمرأة أم شرقاً أم عرقاً أم مذهباً وأن نتحول جميعاً إلى دعاة للأسرة الإنسانية وللحقوق المتساوية وللواجبات المتكافئة وأن نكون يقظين في هذه المرحلة لأننا للأسف جميعاً مصنفون بأننا الآخر في هذه المرحلة، ويجب علينا أن نعمل سوياً جميعاً- مسلمين ومسيحيين- لكي نشعر الآخرين أننا لا نعتبرهم آخر، بل نعتبرهم أفراداً في الأسرة الإنسانية. رأيت البارحة رضوى عاشور على تلفزيون الجزيرة تتحدث عن القرن الرابع عشر في أسبانيا كيف كان العرب لا يتجرؤون أن يتحدثوا اللغة العربية وللأسف اليوم إذا سافرتم في طائرة أو في قطار في لندن وتحدثتم العربية سوف ينظر لكم الناس بتخوف لأنكم تتحدثون لغة يسمونها لغة الإرهاب لأنهم صنفونا جميعاً بأننا إرهابيون وهذه مقولة خطيرة جداً ليس على المنطقة فقط وإنما على العالم برمته، وليس لدي شكّ بأنه بالنتيجة سوف ينتصر الحقّ ويزهقّ الباطل لأن الباطل كان زهوقا.
أودُّ أن أشكركم جميعاً وأشكر إصغائكم الكريم.
سؤال: في الحقيقة الأستاذة الدكتورة قد غطت كل المواضيع وأنا أشكرها. في ظل التعددية كيف نستطيع أن نصل إلى عيش مشترك حقيقي بيننا وليس تعايش، لا نعرف الآخر معرفة حقيقية فكيف نصل إلى فكره، وسبق وأشرتِ إلى نقطة مهمة جداً أننا أحياناً نكون أصدقاء ولا نعرف أن صديقتنا التي عشنا معها سنين وأيام من أي دين أبداً. الآن يوجد هجمة كبيرة تستهدف علاقاتنا كما عشناها كأخوة حقيقيين.
د. شعبان:: في الحقيقة هذا سؤال مهم جداً وأنا أؤيدكِ ونحن من جيل متقارب. في الحقيقة السؤال الذي لا يجوز أحد أن يسأله بسوريا أبداً هو "ما هو دينك؟" هذا السؤال برأيي محرم أن يُسأل لأن الإنسان مواطنيته هي الأساس وعمله هي الأساس، ولكن أنا برأيي هو الآن ما نشهده من بوادر تعصب هو نتيجة هذه الهجمة التي تستهدفنا جميعاً وأنا أعتقد أننا جميعاً مسؤولون أن نقف في وجه هذه الهجمة، وسوريا ليست جزيرة معزولة فكل يوم نقرأ في الأخبار ما يجري في فلسطين وما يجري في لبنان وما جرى في العراق والتكريس اللغوي لهذه المفاهيم السيئة والمدمّرة أصلاً لحضارتنا ولمنطقتنا للأسف يؤثر علينا وعلى أطفالنا وعلى تفكير البعض شئنا أم أبينا. أنا أرى أن الجواب الأهم هو في المدرسة وهو في الإعلام ولا أعفي أي إنسان من مسؤوليته ولكن أن يكون لدينا إعلام يقف في وجه هذه الهجمة ويرفض تناقل هذه المصطلحات التي يحاولون تعميمها علينا، ولكن أيضاً كل واحد منا مسؤول حين يرى نشاذاً عن التعايش والعيش المشترك الذي نعرفه أن يحاول أن يقاوم وأن يبقى في أذهاننا لأن الطبيعي هو أن نعيش مع بعض وأن لا نعرف كل إنسان ما هو دينه هذا هو الطبيعي، وألا نقول أن الوقت قد اختلف وأننا الآن نعيش.. أنا أرفض أن أعيش مع هذا الواقع الجديد ويجب أن نرفض أن نعيش مع هذا الواقع الجديد. الآن نحن في رمضان الكثير من أصدقائنا يصومون معنا ويعزموننا على الإفطار ونعزمهم وعلى السحور، هل يوجد أجمل من طريقة العيش هذه؟ الحقيقة لا يوجد أجمل من هكذا طريقة عيش.
التحدي الكبير الآن أمام سوريا هي أن تصمد أمام هذه الهجمة التي في كل مكان تدور حولنا. وإذا نحن صمدنا وحافظنا على محبتنا وتعايشنا نكون قد أنجزنا إنجاز كبير جداً، لكن لا يمكن إنجازه إلا إذا كنا واعين بطبيعة المشكلة وحجمها وكبرها. وأكيد سياسات الدولة تصبّ في هذا الإطار، أكيد.
سؤال: في زمن العولمة والفضاء المفتوح، وفي زمن إزدياد ظاهرة التعصّب والتطرّف والتي هي نتيجة السياسات العالمية غير العادلة، أي دور للأديان ترينه وأي الأخلاقيات التي يمكن للأيام أن تنشرها من أجل استقرار وسلام العالم؟
د. شعبان: أنا أرى دوراً كبيراً للأديان في العالم، حقيقةً، وخاصة بالطريقة التي نتعايش بها نحن في سوريا. في الحقيقة أنا حين عودتي من أستراليا فكرت ربما يجب أن يذهب إلى الغرب رجل دين مسيحي ورجل دين مسلم من سوريا يتحدثون عن سوريا والعيش المشترك، يتحدثون عن واقعنا كما هو، يلفتون نظر العالم إلى الحضارة والتاريخ الذي عشناه لآلاف السنين، حتى قبل أن يتم إخراج اليهوديين نتيجة السياسات الأمريكية، يعني أنا كنت أترجم للرئيس الخالد حافظ الأسد رحمه الله والذي لم يكن يرغب أن يخرج أي مواطن سوري من سوريا ولكن الولايات المتحدة أصرّت أن يخرج اليهود. نحن كنا نذهب إلى الصالحية ونشتري من المحل اليهودي في الصالحية مثلاً مثله مثل غيره، هو مواطن سوري مثله مثل غيره، لم يكن هناك أي مشكلة أبداً. أنا أتذكر هذا الأمر تماماً بالسبعينات. لا يوجد لدينا مشكلة في هذا الأمر ولكن العولمة المصدّرة لنا هي المشكلة لأنه يوجد عولمة وعولمة؛ في فرنسا وأوروبا العولمة هي فتح الحدود وهي أن يعمل الفرنسي مع الهولندي يعمل في فرنسا أو في هولندا مثلما كنا نحن في عشرينات القرن الماضي كدول عربية. بالنسبة لنا العولمة يريدونها لنا بأن يبنوا جدار في فلسطين، جدار بين العراق وسوريا، جدار بين لبنان وسوريا. بالنسبة لنا هذا هو عصر استعماري جديد قادم إلينا بشكل مختلف ولكنه عصر استعماري يحاول أن يفرّق بيننا مذهبياً وطائفياً وعرقياً ويحتاج إلى الكثير من الوعي واليقظة لكي لا نقع في شراك هذا الاستعمار الجديد ولكي نتمسك في سوريا بهويتنا الوطنية التي تمازج بها أبناء الأديان والطوائف كلهم في وحدة وطنية، يجب أن نتمسك بهذه وأن نطلع العالم على هذا الواقع وأن نعززه في الداخل، يعني هذا أمر في غاية الأهمية، تعزيز الوحدة الوطنية في الداخل. قبل عشرين سنة من الآن لم يكن هناك أي داعٍ لهذا الكلام كله، حقيقةً. في السبعينات لم يكن ليخطر على بالنا. كنا نضحك على موضوع الطائفية وكان من المعيب أن يتحدث أحد بهكذا كلام. يجب أن نقول دائماً لمن يتحدث بهكذا موضوع أو يتصرف هكذا طريقة يجب أن نشعره أنه يعمل شيئاً معيباً لوطنيته ومعيباً بأخلاقنا الوطنية.
سؤال: أشكر لكِ هذه المحاضرة الغنية جداً وأهنئكِ على شخصيتك الملفتة والتي يجب أن تحتذى لكل سيدة في المجتمع. إنّ تمثيل المرأة وتنمية قدراتها وبعد أن سارت المرأة شوطاً في هذا المضمار نراها اليوم تواجه تحديات متعددة مثل الإرهاب وتعميم التعددية الدينية وإبراز الصراعات والتي كلها مصطنعة فيما بيننا، لكن التحدي اليوم، برأيي، الذي نواجهه اليوم في بيوتنا وفي شوارعنا وفي مجتمعنا هو التحدي الاستهلاكي، هذه العولمة الاستهلاكية الجديدة التي تعيش بيننا، في بيوتنا وفي شوارعنا وفي مدارسنا وفي كل نواحي الحياة، وهذا ما يدفعنا إلى النضال من جديد وإلى مواجهة هذا التحدي فحبذا لو نسمع منكِ بعض التوجيهات في هذا المضمار لا سيما الموقف من الإعلام بشتى الوسائل. شكراً
د. شعبان: في الحقيقة إن التحدي الاستهلاكي هو تحدي كبير. والمرأة دائماً متهمة أنها دائماً هي رأس الحربة في هذا الموضوع وحتى حين يناقش موضوع الفساد في الأروقة السياسية أحياناً تتجه أصابع اللوم للنساء بالقول أن فلاناً يفعل هذا لأن زوجته تضغط عليه لتلبية متطلباتها الكبيرة، ولأنها تريد أن تكون مثل جارتها وصديقتها وأنها تريد منزلاً أكبر... أحياناً هذا الكلام صحيح. أنا برأيي نحن الآن نواجه الهجمة القادمة من الغرب ليس بمعنى فقط المفهوم الاستعماري وإنما أيضاً بمعنى المفهوم المادي أيضاً؛ بمعنى أن من منزله أكبر هو أهمّ وأفضل ومن لديه مال أكثر هو أهم.. إذا فكرنا نحن كنساء بالماركات مثلاً، دعونا نتحدث بموضوع الماركات، طقم شانيل سعره عشرة آلاف دولار، لماذا سعره عشرة آلاف دولار؟؟ يعني موضوع الماركات هو كذبة كبيرة، حقيقة. الصين اكتشفت أن هذه الماركات هي كذبة كبيرة وبدأت تقلد هذه الماركات. ونهضت الصين بأنها لم تعر أي اهتمام للملكية التي يتحدثون عنها. من قال أنه من الحقّ والعدل أن يلبس إنسان طقماً بعشرة آلاف دولار يستطيع به إنقاذ ألف طفل مثلاً. ممكن أحياناً إنقاذ حياة طفل بمئة دولار، دواء. وأنا برأيي موضوع التحدي الاستهلاكي تتحمل المرأة الكثير من مسؤوليته وهنا يأتي موضوع الثقة بالذات، الثقة بالنفس وبروحانية الإنسان. أنا لا أعتقد أن الإنسان المؤمن الحقيقي يكون استهلاكياً، لا أعتقد هذا. الإيمان دائماً فيه نوع من الزهد، التذكر لعمل الخير، تذكر أن غيرنا أيضاً يحتاج ولسنا نحن فقط. إذا كان أحد ما قد أعطاه الله مالاً وفيراً فإنه بإمكانه كل شهر أن يعمل حساباته ويعطي جزءاً من ماله للمحتاجين.
أنا أعتقد أننا نحن كحضارة شرقية روحانية تلاقي هجمة من حضارة مادية لا تعير قيمة للروح، حقيقةً، وللعائلة وللأسرة. حين يأتي الإسرائيليون ويقتلون هؤلاء الأطفال ويجدون أن هؤلاء الأطفال الفلسطينيين يتماسكون أكثر ويحاولون أن يساعدوا بعضهم البعض ويحاولون العيش فإنهم يستغربون مالذي يمكّن هؤلاء الأطفال من الاستمرار بالعيش!! الذي يمكنهم من الاستمرار بالعيش هو إيمانهم ومحبتهم لبعض، ولأرضهم، ولأسرتهم. يجب علينا أن نتذكر دائماً قول الإمام عليّ كرّم الله وجهه حين قال "أعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً وأعمل لآخرتك كأنك تموت غدا". يجب أن نتذكر أن هذه الدنيا زائلة. دائماً أنا أرى صاحب مال كثير يبخل على نفسه ويموت فأسأل نفسي ماذا استفاد من هذا المال.
الموضوع الاستهلاكي بالغرب وصل لدرجة مزعجة فعلاً. أنا ذهبت في التسعينات إلى صديقة لي في جامعة أمريكية فدعتني أن أنام في منزلها بدل النوم في الفندق. هي وزوجها ليس لديهم أولاد ولديهم أربع برادات وثلاث غسالات ومنزل كبير جداً وثلاث سيارات!! ماذا ستفعل بهم، إنهم عبأ. حقيقة أنا نفسياً لا استطيع أن أتقبل كل هذا. هي تقول أنهم كانوا رخيصين فاشترتهم. بأمريكا الآن التسوق هو المتعة الوحيدة وهو الذي يعطيكِ الثقة بنفسكِ وهو الذي يخرجك من كآبتكِ، هذا نتيجة فراغ حقيقي، فراغ داخلي.
أنا أتذكر أول عودتي إلى سوريا- أحدثكم بهذه القصص كي تروا ماذا يمر على الإنسان من قصص- أول عودتي إلى سوريا أخذت شقة في مساكن برزة بمساحة مئة متر، أحسستُ وكأني ملكتُ الدنيا، يعني شيء ليس قليلاً أن أجد مكاناً أضع فيه كتبي في شقق مسبقة الصنع أمام مركز البحوث. بقيتُ بها خمسة عشرة سنة. أول سكنتي زارتني إحداهن وأرادت أن توصلني ليلاً بسيارتها. فصعدت معي، يرحمها الله الآن هي في ذمة الله، صعدت معي هذه السيدة إلى الشقة وأنا لا أصدق أن لدي طاولة وخمسة كراسي وأن الشقة هي لي، هذه أول مرة يصبح لدي شقة وكنتُ أعتبرها قصر. فنظرت تلك السيدة إلي وسألتني "ليس لديكِ برادي؟؟" ومن بعدها لم أرها، الله يرحمها. قلتُ في نفسي أن من يريد أن يقيمني إذا عندي برادي أو لا فالله معه. هذا الموضوع أن نكون واثقين بالشيء الذي بداخلنا وبأعمالنا وليس بالشيء الاستهلاكي. أهم شيء أن يكون الإنسان نظيفاً. يوجد فرق بين أن يلبس الإنسان ملابس باهظة الثمن وبين أن يكون مرتباً وأنيقاً. يوجد أناس يلبسون ثياباً باهظة الثمن وليست بالضرورة جميلة. من الممكن لشخص أن يلبس بأبسط الأسعار وأن يكون مرتباً ونظيفاً ويكون أرتب بكثير من الإنسان الذي يحاول أن يبرهن أن لديه مالاً بلباسه.
لذلك المرأة الحقيقة تتحمل الجزأ الكبير من الموجة الاستهلاكية. ترون ولداً لديه عشرون حذاء. هذه تربية جداً خطأ. هذا ما يجب أن نعلم أولادنا عليه. إذا كان لديك عشرين حذاء فاذهب ووزع ثمانية عشرة منهم للأيتام والفقراء واترك إثنين عندك. لا يجوز للأهل أن يقبلوا أن ابنهم لديه كل هذا العدد ويوجد أيتام وفقراء في البلد، لا يجوز. نحن الكبار مسؤولون وتحديداً المرأة. التربية هي للمرأة تحديداً ومسؤوليتها. يجب أن نقف في وجه هذه الموجة الاستهلاكية لأنها موجة مادية ضدّ الروح وضدّ الإيمان، حقيقةً.
سؤال: (غير واضح)
د. شعبان: سأبدأ من النقطة الثانية ومن ثم أعود للأولى. الآن أنتِ تعرفيه أكثر وتحبينه أكثر لأنكِ بصغركِ لم تكن تعرفين من هو، ليس لأنك في صغركِ سألت هل هذا مسلم أو مسيحي أو إذا هذا كان بروتستانت لا أتحدث إليه. هذا ما تحدثتُ عنه أنا. أنتِ الآن مصرّة تعرفي بمحبة لأنكِ نضجتِ وربيتِ بجو لم تعرفي من أي طائفة هذا أو ذاك، لو أنكِ ربيتِ بجو ليس فيه محبّة لما كنتِ تتعرفين عليهم بمحبّة. أما وقت الذي يذهب فيه ابني إلى المدرسة ويسأله أحدهم هل أنت سني أو مسيحي وابني لا يعرف ماذا يعني هذا فهنا الخطأ. الآن أنتِ تتعرفين بنضج ووعي ومحبّة لأنكِ ربيتِ بجو محبّة. يجب أن يربى كل أبناؤنا بجو لا يعرفون من هو. لذلك يجب أن توافقيني أن هذا السؤال يجب أن لا يُسأل. عندما تتعرفين بوعي وبمحبة ونضج يختلف الأمر عن التعرّف نتعرف ونحن صغار وفي مدارسنا. من الخطأ أن يُسأل من أنت ومن أي فئة أنت، أو أن يتم التعامل مع شخص ما بطريقة حسب فئته. هذا موضوع جداً خطير ويولد نقمة. هذا السؤال يجب أن لا يُسأل. أنا معكِ هجرة العقول هي أمر جداً صعب وجداً خطير وصدقيني أنا من الأصوات العالية جداً أننا يجب أن نعالج الوضع من جذوره قضية الرواتب وقضية المهن وأن لا نسمح لهؤلاء الشباب أن يذهبوا لأن كل إنسان سوري أنا أعتبره ثروة. هذه ليست أنانية ولكن نحن عمرنا عشرات الآلاف من السنين وأبناؤنا ممتازون جداً. عندما يذهبون للخارج فإنهم يبدعون ويخدمون البلدان الأخرى بدل خدمة بلادنا. ليس بيدي أخذ كل القرارات لأن هذه قرارات بلد أيضاً، لكن صدقيني أنا صوت صادق وجريء بالنسبة لكل المواضيع بالحكومة■
كل الشكر لكم مرة أخرى