محاضرة حول العولمة واستهداف الثقافة العربية
د. بثينة شعبان
مكتبة الأسد/ دمشق
5 آب 2006
د. شعبان: أشكر لكم حضوركم هنا في مكتبة الأسد في هذه الظروف الصعبة. الموضوع الذي سأحاوركم به اليوم، الحقيقة هذه لن تكون محاضرة وإنما حوار، هو، الحقيقة هناك خطأ في العنوان، عنوان المحاضرة هذه هو "العولمة واستهداف الثقافة العربية" وليس العولمة واستهداف الثقافة الفكرية. ما سوف أتحدث به هو أين العرب من العولمة وما هو تأثير العولمة على العرب وماهي العقبات التي تحول دون المساهمة الجدية للعرب في هذا العالم وكيف لنا أن نغير من واقعنا هنا وأن نغير من موقعنا في الحركة العالمية الدولية سواء أكانت ثقافية أو سياسية.
كلكم يعلم أنه راج مفهوم العولمة في السنوات الأخيرة على أنها التيار الكاسح الذي سوف يجعل من العالم قرية صغيرة لا يترك بها مجالاً للتميز حتى أننا أصبحنا نظن أننا سوف نصبح كل منا من الآخر ولا يميز بيننا بشيء. ومع دخول عصر التقانة في الفترة الماضية ظنّ البشر أنه ربما لن يضطر أحد إلى السفر لمعالجة قضاياه وأن التقنيات الحديثة سوف تغني عن ذلك وتتذكرون جميعاً أنه حينما وجهت الانتقادات إلى وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أنه لا يسافر لمتابعة القضايا في الشرق الأوسط والعالم فقال لقد تغير العالم وأصبحت التقنيات الحديثة تغني عن السفر واصبحنا قادرين أن نتحدث مع أي كان من واشنطن.
أريد ان أواجه هذه المفاهيم جميعاً وأريد أن نعرف جميعاً أين نحن من هذه المفاهيم. هل صحيح أن العولمة سوف تجعلنا جميعاً نتحدث لغة واحدة ونتعاطى مع ثقافة واحدة ونؤمن بشيءٍ واحد ونكون متشابهين في جميع المجالات والأشكال؟ وما أثر هذا على اللغات المحلية مثلاً والثقافات المحلية مثلا؟ هل هذا سوف يعزز من هذه الثقافات أم سوف يضعف من هذه الثقافات ومن هذه اللغات؟؟ هذا الموضوع واسعٌ جداً وأنا اهتمامي الوحيد هنا هو العرب وكيف سوف يواجهون هذا التحدي.
إذا اخذنا موضوع اللغة مثلاً فبإمكاننا القول مثلاً أن العولمة عنت لبعض العرب للأسف الإنجرار لتعلم اللغات الأجنبية على حساب اللغة العربية. وأنا كتبتُ منذ سنوات ضرورة تعليم الأطفال اللغات الأجنبية وهم في سن الحضانة ورياض الأطفال ولكني أيضاً مع تعليم القرآن الكريم في سن الحضانة ورياض الأطفال لأن القرآن الكريم يعلم الأطفال اللغة العربية بالإضافة إلى فقهه وأن القرآن الكريم يعلم الأطفال اللغة العربية بشكلٍ لا يمكن للأطفال تعلمه إذا ما تجاوزوا سن الصغر. وبدأنا نرى ممثلين لبلدان بعض دولنا العربية يفتخرون أن أبناءهم يتحدثون اللغة الإنكليزية أو الفرنسية وحين أسألهم هل يتحدثون العربية يقولون "يلطش تلطيش" ولا يرون في هذا ضيراً مع أن هذا ليس من دفع العالم بأسره إلى ذلك، فمن ذهب منكم إلى إيطاليا او المانيا فإنه سيجد أنه من الصعب من يجد من يتحدث إليه باللغة الإنكليزية أو بأي لغة اخرى فكلهم يصرّون على التحدث بلغتهم الأم. كلكم سمعتم حينما انسحب الرئيس شيراك منذ أشهر من اجتماع للاتحاد الأوروبي لأن ممثل فرنسا تحدث باللغة الإنكليزية. طبعاً أنا مع قول رسولنا الكريم (ص) أنه من تعلم لغة قومٍ أمن شرهم وأنا مع تعلم اللغات الأجنبية بالتأكيد ولكني أولاً وأخيراً مع إتقان ومحبة وتطوير وتحديث اللغة العربية لكي تواكب آخر التطورات ولكي تواكب آخر الإنجازات ولكي تواكب آخر الأبحاث وليس صحيحاً أن أطفالنا لا يريدون ولا يحبون حفظ الشعر وأنهم يفضلون ستار أكاديمي على هذا الشعر. ففي هذا الشهر الأخير وفي موجة هذه الهجمة العدوانية على لبنان الشقيق أنا اراقب الأطفال وأراقب أبني ماذا يفعل. ابني يريد ان يجلس أمام التلفاز ليعيد ويردد ويغني الأناشيد الوطنية. إذاً نحن نعلم أطفالنا ما يحبون وماذا لا يحبون ونحن الذين ننصرف بثقافتنا إلى الأجيال القادمة لنقول لهم أن هذه الثقافة هي ما نغرسها بكم وان هذه الثقافة هي مهمة بالنسبة لكم. للأسف في معظم المدارس الحديثة لا ترى ضرورة أن يتعلم الطالب شعراً عربياً. حين كنا صغاراً كنا نحفظ أبياتاً وابياتاً من الشعر العربي وكان هذا جزءاً هاماً من المنهاج الدراسي.
العولمة أرادت أن تتطاول على مناهجنا الدراسية وأن تغير هذه المناهج بما يتناسب مع الحداثة أي بما يتناسب مع الوضع الجديد السياسي للعرب الذي لا تعترف بحضارتهم ولا بتاريخهم ولا بقدرتهم على مواكبة العصر. وهنا أريد ان أميّز بين مفهومين للعرب والمسلمين على مستوى العالم فبعد أحداث الحادي عشر من أيلول صورت الصهيونية مفهوماً وزرعته في أذهان العالم وهو أن العرب والمسلمين تقريباً مساوون للإرهاب وأن الإرهاب ينحصر بالعرب والمسلمين. وكلكم شاهدتم كيف تغير دستور الولايات المتحدة والدول الغربية بما يتناقض ودستور الولايات المتحدة وبما يتناقض ودستور بريطانيا لكي يصبح العرب والمسلمون في خانة المشتبه بهم واصبح المشتبه به محكوماً بأنه مدان أي يلقى القبض على مشتبه بهم ويدكون بالسجون لسنوات لمجرد أنه مشتبه به دون أن يقدم إلى محاكمة وانطلق مع هذا التيار الدعوة إلى إحلال الديمقراطية في العالم العربي وأن المناهج الدراسية في البلدان العربية متخلفة وأن الأنظمة فاسدة وأن العرب لم يتطوروا وأن العرب بحاجة إلى ديمقراطية. كل هذه الدعوات المعولمة هدفها شيء واحد وهو أولاً إغفال العالم عن حقيقة احتلال إسرائيل للأراضي العربية وثانياً إقناع العرب بأنهم غير قادرين على مواكبة العصر إلا إذا انضموا إلى هذا العصر مجردين من هويتهم، مجردين من تاريخهم وثقافتهم. وأنا أقول أن أحد اسباب هذه الهجمة على الثقافة العربية هو إدراك خصومنا قيمة هذه الحضارة وجدارة وغنى هذه الحضارة. طبعاً هنا أنا لا أقول أنه ليس لدينا عشرات مناطق الخلل التي يجب علينا كعرب أن نواجهها وانا لا أقول أن كل ما يطرح هو كذب ولا علاقة لنا به ولكني أقول أن هذه الطروحات بدأت بالتحديد بعد عام 2000 وبعد فشل عملية السلام نهائياً وبعد أن بدأت إسرائيل بكتابة هذا، يعني لم تعد المؤامرة مخفية كما كانت سابقاً بل كتبت على شبكات الانترنت وأحد أهم هذه المقولات هي بحث "الاختراق النظيف". بحث الاختراق النظيف الذي قام به أهم مفكري الإدارة الأمريكية أمثال بول وولفويتز وريتشارد بيرل والمحافظين الجدد هي أنه قد التغت اليوم نظرية "الأرض مقابل السلام" وعلى العرب أن يقبلوا مقولة "السلام من أجل السلام". وكي يصبحوا جزءاً من الشرق الأوسط عليهم أن يقبلوا إسرائيل كما تملى عليهم وليبدأ الدخول إلى هذا الشرق الأوسط من العراق باعتبار أن العراق هو البلد العربي الوحيد الذي يمتلك الطاقات المادية والبشرية ويجب تفكيك هذه الطاقات وتفتيت العراق ومن ثمّ إحكام القبضة على فلسطين وعلى لبنان كما يفعلون هنا اليوم.
إذاً الترويج لهذه المفاهيم ضدّ العرب والمسلمين هدفها أن يصبح العرب جزءاً مسطحاً في هذا العالم المعولم وأن يساهموا لا في حداثته ولا في انتاجه. طبعاً على الجانب العربي وللخمسين سنة الماضية كان هناك تقصير فظيع على المستوى الفكري العربي. يعني نحن العرب ماذا ساهمنا بالحضارة إلا على المستوى الفكري، ساهمنا في الشعر والأدب والترجمة والفكر ومع ذلك نلحظ في الجامعات العربية من المغرب إلى الكويت إهمال الكليات النظرية، إهمال مراكز الأبحاث، إهمال أقسام التاريخ والأثار واللغات. هذه هي حضارتنا وهذه هي ثقافتنا وهي الوحيدة التي يمكن أن نشارك بها. إذاً الإنتاج العربي أو المنتج الفكري العربي أصبح ضعيفاً على المستوى العالمي. حتى على مستوى اللغة، وأنا قلتُ هذا في أكثر من مكان، اللغة التي نستخدمها اليوم في الإعلام ليست اللغة التي تعبّر عن قضايانا وليست اللغة التي نصممها نحن. تصوروا أنه على مستوى الوطن العربي لا توجد وكالة أنباء واحدة تبدأ هي بصياغة الخبر، نحن نأخذ الخبر من مصادر خارجية، وأنا حينما عملت مديرة للإعلام الخارجي في وزارة الخارجية وجدت أن الخبر يأتي على شكل "قص ولصق" فيأتي الخبر إلى صحفنا العربية وينزل في صحفنا كما هو. أنا أكثر من مرة حولت كلمة "قتيل" إلى "شهيد" وفي ذلك الوقت روجوا لـ "دائرة العنف" وحتى روجوا لـ "الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي" أي كأنهما طرفان متساويان. إذاً حتى على مستوى المصطلح وعلى مستوى اللغة أصبحنا متلقين لهذا المصطلح ومتلقين للجملة الإخبارية ومتلقين للخبر وهذا بالحقيقة يضعفنا كثيراً. تخيلوا مثلاً اليوم الفرق بين "وقف إطلاق النار" و "وقف العمليات الحربية في لبنان". هناك فرق كبير. ما شاهدته اليوم على شاشات التلفاز هو أن فرنسا وامريكا تدعوان إلى "وقف العمليات الحربية في لبنان" وليس إلى "وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار" كما طلب لبنان وكما طلب حزب الله. إذاً نحن الذين ابتدعنا هذه اللغة العربية الجميلة والعريقة لم نعد فاعلين حتى على المستوى اللغوي ولسنا قادرين ان نصيغ أفكارنا وأخبارنا بلغتنا وهذا أحد مناحي التقصير. واليوم للمفارقة على مستوى العالم أغلى شيء هو الفكر فهو أغلى من الصناعة وهو أغلى من الزراعة وهو أغلى من كل شيء. أغلى شيء يمكن أن تشتريه هو هذه الـ Chip التي تستخدمها. هي أغلى شيء والملكية الفكرية هي أغلى شيء ونحن العرب ساهون عن هذا الشيء.
إذاً لدينا العديد من مواقع الخلل التي يجب أن ننتبه إليها ويجب أن نخاطبها ويجب أن نعالجها ولكن أهداف هذا التشويش على العرب ليس لكي يتنبّه العرب لحالهم وليس لكي ينتبه العرب إلى ما يجب أن يقوموا به بل لكي يحبطوا العرب ولكي يشعروا العرب- العرب والمسلمين لأني عندما أقول العرب فإني أقصد العرب والمسلمين لأن الهجمة هي على العرب والمسلمين بشكلٍ عام- لكي يشعروا أنه لا مساهمة لهم في التاريخ وأنه يجب أن نقبل بالشروط التي تملى علينا.
الحقيقة عندما بدأ هذا العدوان الغاشم على لبنان بدأت افكر من يريد أن يسمع عن العولمة وعن الهوية الثقافية العربية ولكني أريد أن أقول أن هذه الحرب التي تجري ضدّ لبنان هي جزء من هذا الصراع على الهوية وهي جزء من هذا الصراع على الموقف وقد قرأت في اليومين الأخيرين عشرات المقالات بالإنكليزية وما قالته كونداليزا رايس في اليومين الأخيرين ويبدو لي – وأنا هنا لا أتحدث كوزيرة على الإطلاق وإنما أتحدث كمفكرة- يبدو لي أن الارتكاز الأساسي لما يخطط للبنان يرتكز على بعض التيارات في لبنان لتنفيذ هذا المخطط وهنا أصل إلى بيت القصيد: فقدان المرجعية العربية الفكرية والسياسية وفقدان الدور العربي في هذا العالم المعولم يعود بالدرجة الأولى إلى تشرذم العرب وإلى عدم وجود موقف موحد من الامور وإلى عدم وجود فكرٍ موحد وإلى عدم وجود نيّة لتوحيد الصف سواء فكرياً أو سياسياً أو اجتماعياً وأعتقد أن المشكلة الكبرى، الحقيقة، لهذه الأمة بدأت مع توقيع مصر اتفاق كامب ديفيد. فخروج مصر من حلبة الصراع العربية الإسرائيلية كان مصيبة ليست سياسية فقط وإنما فكرية وثقافية لأن ما هو الفكر وما هي السياسة، الكلّ واحد لا ينفصل. حين يكون لدينا مروجون للتطبيع ومهزومون أمام الصهاينة لا بدّ وأن ينتجوا فكراً وثقافة تعبّر عن هذه الهجمة وتعبر عن هذا التطبيع وهذا يخلق إشكالاً في العالم العربي بين ثقافة المقاومة مثلاً وثقافة الصمود والآن والحمد لله نستطيع أن نذكر كلمة "المقاومة" بكل فخرٍ واعتزاز بعد هؤلاء المقاومين الأشاوس الذين كسروا أسطورة الجيش الصهيوني المتفوق. هذه هي المشكلة بين ثقافة الانهزام وثقافة المقاومة وأنا أقول لكم أني ومنذ سنوات حين كنتُ أسافر إلى الولايات المتحدة وألقى محاضرات شعرت أن الصهيونية قد حاولت أن تكسب المعركة قبل أن تبدأ أي أن تقنع العرب أنه لا حول لهم ولا قوة. نحن في سورية مع الصمود ومع المقاومة ومواقفنا معلنة ومعروفة بدعمها للمقاومة لكن من تابع منكم بعض المواقف العربية يجد أن هناك تيارات موجودة تقول ماذا نعمل، هذه الولايات المتحدة ماذا نستطيع أن نفعل، يجب أن ننحني إلى العاصفة وهاهم بضعة مقاومين يقفون في وجه إسرائيل وفي وجه الولايات المتحدة.
الأسطورة التي سطرتها إسرائيل هي ليست فقط أن الجيش الإسرائيلي لا يقهر وإنما الثقافة القادمة من الغرب هي ثقافة متفوقة على الثقافة العربية وأنها ثقافة حديثة وثقافة تقنية وثقافة ديمقراطية وحقوق إنسان. كل هذا لكي يقنعوا العرب والمسلمين بأنّ كل ما يمكن أن يفعلوه هو أن يكونوا متعاونين مع هذه الثقافة الغربية التي لا تقف موقف الحياد من الثقافة العربية وإنما تريد أن تحكم على الثقافة العربية بالإذلال والهوان وهذا ليس تعبيراً إنشائياً وإنما هو الواقع. ما هو الإسلوب الذي اتبعوه؟ لقد شعروا أنهم لا يستطيعون أن يواجهوا الثقافة العربية بهذه الطريقة لأنها ثقافة غنية عريقة ومتقدمة ولا يمكنهم مواجهتها بهذه الطريقة. منذ عام 2000 وأنا قرأت دراسات عدة اعتمدت الولايات المتحدة وإسرائيل على سياسة الاختراق؛ الاختراق السياسي، الاختراق الثقافي أي أن يجدوا لهم في العالم العربي عملاء وأناساً مؤمنين لسببٍ ما، أي انهم لم يعتمدوا فقط على شراء الذمم وإنما وجدوا أشخاصاً يؤمنون أن الغرب هو الحل وأن الانصياع للقادم من الغرب هو الحل وهناك أناس مؤمنون بهذه النظرية وتمّ اختراقهم بطريقة أو بأخرى وهذا شكّل إشكالاً آخر للثقافة العربية لأن وجود هؤلاء المخترقين يكتبون بلغةٍ عربية ولكنهم يكتبون ضدّ الثقافة العربية الأصيلة ويكتبون ضدّ التوجّه العربي الأصيل وهذا أخطر من أن يكون أعداؤنا يقفون أمامنا لأن هؤلاء يصبحون بيننا وعلينا أن نفرزهم وعلينا أن نقرأ الجريدة العربية ونفرز من هو المنتمي ومن هو اللامنتمي ومن أين تنطلق المقالة التي تؤمن بعروبتها ومن أين تنطلق المقالة التي لا تؤمن بعروبتها وهذا أمر فرض علينا مسؤولياتٍ أكبر وتحدياتٍ أكبر فأنا لكي أعلم ابني أن يكون منتمياً عليّ أن أقرر ماذا يقرأ وعلي أن أقرر كيف يفكر وعليّ أن أراقب ماذا يقرأ ايضاً وهذا أمر أصعب بكثير خاصةً في وجه تعدد وسائل الإعلام من فضائيات إلى انترنت إلى تلفزيونات..الخ. إذاً الاختراق هو ليس نظرية مؤامرة وإنما هو سياسة تتبعها الولايات المتحدة وإسرائيل وهم ينشرون في الصحف أنهم خصصوا مئتي مليون دولار مثلاً لمتعاونين معهم في هذا البلد ومئتي مليون لمتعاونين معهم في ذاك البلد وأعتقد أنه من تابع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يعلم إذا أردنا أن نكون شفافين وصادقين مع أنفسنا أن أصعب المشاكل التي يعاني منها الفلسطينيون هي الاختراق وأن كثيراً من الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل بحقّ مناضلينا ومقاومينا الفلسطينيين نفذتها عن طريق الاختراق وهذه حقيقة. لذلك يجب علينا أن نقف وقفة شجاعة وأن يكون لدينا المعيار الذي نحكم من خلاله من هو المنتمي ومن هو غير المنتمي. وأنا دائماً أرجع إلى إحدى مقولات السيد الرئيس رحمه الله فهو كان دائماً يقول حينما يتحدث عن مواقف الدول العربية من مواضيع متعددة قال: يجب أن نضع قاعدةً واحدة وهي أن كل ما يوحدنا هو صحيح وكل ما يفرقنا هو خطأ.
إذاً وجود معايير سواء ثقافية أو سياسية هو أمر أساسي في الدول العربية لكي نتمكن من خلالها أن نواجه الهجمة الغربية علينا ولكي نتمكن من خلالها أن نتمسك بهويتنا العربية وبثقافتنا العربية وبلغتنا العربية وهذا لا يعني على الإطلاق عدم التحاور مع الغرب وعدم التعامل مع الغرب. بل على العكس من ذلك يجب أن نتحاور مع الغرب وأن نتعامل مع الغرب ولكن يجب علينا أن ننطلق من منطلق الواثق من نفسه المحصن بلغته وثقافته وصدقوني أن المحصن بلغته وثقافته والواثق من حقوقه هو الذي يترك اثراً لدى الغربي وليس المنهزم المنخرط في صفوفهم فهذا لا يترك أثراً في نفوسهم على الإطلاق ولا يؤثر بهم لأننا جميعاً نحترم المتمسك بهويته وبثقافته وحضارته وهذا لا يعني على الإطلاق أننا لا نطلع على ثقافات وحضارات الآخرين بل نبدع بالاطلاع على ثقافات ولغات الآخرين ولكن مع حفظ الاحترام الشديد لهويتنا وثقافتنا وحضارتنا. وأنا لا أرى، الحقيقة، فرقاً بين السياسة والفن والأدب في هذا المجال فحين نكون محصنين سياسياً نكون أيضاً محصنين فكرياً ومحصنين فنياً.
من غير الطبيعي أنه في السنوات الأخيرة بدأ أطفالنا وأولادنا يشاهدون ستار أكاديمي والبرامج ومطربين لا علاقة لهم بالفن ولا علاقة لهم بالطرب، هذا تسطيح فظيع لثقافتنا. أنا شاهدت بعض الألعاب على الكمبيوتر أطفال في سوريا يطلقون النار على العربي ويقولون لقد سقط العربي، لقد قتل العربي. يعني هذه الألعاب تحارب العربي وكأنه مجرم والطفل العربي يلعب باللعبة ويقول "سقط العربي"!! يعني هذا شيء خطير على ثقافتنا وما ننتجه من ثقافة للأطفال هو قليل جداً لاحتياجاتنا وكلكم تلاحظون إنحدار المستوى اللغوي والمستوى الثقافي والمستوى الفكري والمستوى الإبداعي في العالم العربي.
أنا برأيي أننا نواجه في هذا الأمر اختراقاً فظيعاً وارى في هذه الحرب الدائرة ضد لبنان بداية نهضة عربية. كل نهضة لا بدّ لها من شهداء ومن رواسب لكي تبدأ هذه النهضة لأننا وصلنا في العالم العربي مرحلة من الإحباط بدأ العربي يفقد إيمانه بنفسه وبتاريخه وبحضارته ويقول أن هذه العولمة هي شيء لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها. وبالمناسبة الكثير من الدول في العالم تتمسك بجذورها وبثقافتها وبثوابتها وطالما أننا نتحدث اليوم عن موضوع العولمة فإني سأقول لكم عن مفارقة في موضوع العولمة وهي أن العولمة بالنسبة للأوروبي وللأمريكي تعني انتفاء الحواجز بين الدول وفتح الحدود وحتى الآن لم تعد فقط الحدود مفتوحة بين دول الاتحاد الأوروبي بل هم أيضاً اخترعوا مصطلحاتٍ من قبيل "الأطلسة"، "العلاقات عبر الأطلسي" أي وجود مصلحة متبادلة بين الولايات المتحدة والدول الأوربية. كيف انعكست العولمة على العالم العربي؟ العراق يجب أن يغلق حدوده مع سوريا واليمن يجب أن يغلق حدوده مع السعودية والسودان يجب أن يجزأ ولبنان يجب أن يغلق حدوده مع سوريا وفلسطين يجب أن تقسم والصحراء الغربية لا يتفق عليها المغرب والجزائر أي أنه توجد محاولة تقسيم المجزأ في العالم العربي، هذه هي العولمة وهي خلق حدود حتى بعد حدود سايكس بيكو. المعروفة تاريخياً هو أن منطقة حوض الشرق الأوسط والمنطقة العربية بشكلٍ خاص هي أغنى تنوع إنساني، بشري، ديني، إثني في العالم ربما لأن هذه المنطقة هي مهبط الديانات الثلاث. يستغرب الغرب كيف تحدث إنتخابات برلمانية في لبنان ولا يستطيعون أن يشكلوا حكومة. هم لم يدركوا بعد أن هذه المنطقة لا يمكن أن تجزأ إلى أديان وأعراق وإثنيات. هوية هذه المنطقة هي التنوع الديني والتنوع العرقي فلذلك الحل لهذه المنطقة هو تقوية المنطقة وتقوية الهوية وتقوية الانتماء والشعور بالمواطنية بغض النظر عن الدين أو اللون أو العرق أو الجنس. ما يخطط لمنطقة الشرق الأوسط هو العكس تماماً. حين بدأ الاحتلال الأمريكي للعراق بدأ الحديث عن المثلث السني وعن الأكراد والشيعة والسنة والمسيحيين ولكن حين تقصف طائراتهم أولادنا وأهلنا فهم لا يفرقون بين سني وشيعي ومسيحي وهم يريدون تقسيم هذه البلدان فقط لإضعافها سياسياً ولضمان الهيمنة الإسرائيلية والإمبريالية على منطقتنا.
طبعاً هناك مخططات ولكن هناك دائماً من يتمكن من مقاومة هذه المخططات وأنا أعود لأشير إلى المقاومة الباسلة وأحيّي هذه المقاومة في لبنان واقول أن هذه المقاومة ليست عسكرية فقط ولم تثبت فقط أن الجيش الإسرائيلي يقهر وأن الأسلحة الأمريكية تقهر بعزيمة وإيمان وشدة بأس المقاومين ولكن هذه المقاومة أيضاً أثبتت أنه حينما يكون هناك مجموعة غير مخترقة متماسكة مؤمنة بتاريخها وأرضها وحضارتها فهي مجموعة قادرة أن تثبت أقدامها على الأرض وقادرة أن تثبت نفسها. ما يدور في لبنان هو ليس فقط حول الحدود وليس فقط حول مزارع شبعا ولكن حول مجموعة من المنظومات القيمية والأخلاقية والمعرفية والثقافية ليس في العالم العربي وحده وإنما في العالم. يعني بعض الاستنتاجات مما يدور في لبنان أولاً هناك القليل من القادة في العالم الذين يتمتعون بصفات القادة. ثانياً أثبتت الولايات المتحدة ومجلس الأمن المكلف بصون الأمن والسلم الدوليين- هذه مهمة مجلس الأمن وهي المحافظة على الأمن والسلم الدوليين وقمع أي اختراق للأمن والسلم الدوليين- أثبت مجلس الأمن أنه غير قادر أن يدين قتل أربعة مراقبين للأمم المتحدة إذاً سقطت منظومة مجلس الأمن والأمم المتحدة، سقطت اتفاقيات جنيف التي اتفق العالم بعد الحرب العالمية الثانية أنها ضرورية من أجل المحافظة على الأمن والسلم الدوليين. ماذا تفعل إسرائيل في لبنان؟ هي تخرق كل اتفاقيات جنيف الرابعة. ما تفعله إسرائيل في لبنان هو إبادة جماعية وتدمير البيوت وقتل الأطفال وقتل النساء وتقطيع أوصال الطرق. كل ما تقوم به إسرائيل في لبنان ينضوي تحت الإبادة الجماعية ومع ذلك لم يستطع مجلس الأمن حتى أن يدين ما تقوم به إسرائيل على أنه جرائم حرب، لا بل أزيد بالقول أنه حينما أسف الأمين العام للأمم المتحدة أن مجلس الأمن لم يتمكن من إدانة مجزرة قانا أنبته وزيرة الخارجية الأمريكية أنه لا يحقّ له أن يأسف لأن مجلس الأمن لم يدن مجزرة قانا.
إذاً هناك انهيار لمنظومة فكرية وثقافية وحضارية ليس فقط على مستوى المنطقة وإنما أيضاً على مستوى العالم. ولكني أعود لأقول أن ما يعنيني كعربية هو ما يهم ثقافتي وما يهم شعبي وأنا يجب أن أقول أنه يجب أن ننسى الآن مصالحنا ونتذكر شهداءنا ونتذكر مصالحنا وننطلق من هذا المنطلق. تخيلوا أني أقرأ اليوم في جريدة أجنبية أن منظمة اليونسيف لم تواجه في حياتها هذا الشحّ في التبرّع للأطفال رغم أن معظم الشهداء في لبنان هم من الأطفال. هناك استهانة بحياة العرب وهناك تشويش من هم هؤلاء العرب وماذا يفعلون لأنه في الخمس سنوات الماضية خرجت بمفهوم أن العرب إرهابيون وأن المسلمين هو إرهابيون لذلك إذا تخيلتم الإنسان الغربي الذي لم يزر هذه المنطقة ولا يعرف شيئاً عنها ويقرأ العناوين فقط، حتى الإنسان المتابع تشوشه العناوين التي يقرأها والتي يراها على شاشات التلفاز.
لماذا نشعر بالإحباط ونحن نراقب ما يجري على شاشات التلفاز؟ لأنه هناك استهانة بكل واحد فينا وهناك استهانة بكرامة الإنسان العربي من أبوغريب إلى غوانتنامو وغيرهم. ومن يقول أن خطف الجنديين الإسرائيليين هما المشكلة في الحرب ضد لبنان ليس عليه إلا أن يعود إلى كفر قاسم، ومحمد الدرّة وهدى غالية ولا أريد أن أذكركم بالمجازر الكثيرة التي ارتكبها العدو الصهيوني على لبنان. وحين قال شمعون بيريز أن المعركة في لبنان هي معركة حياة أو موت هو لم يقصد أن المعركة هي فقط سياسية عسكرية وإنما معركة وجود أو لا وجود وهذا ما يعنينا الآن نحن العرب أي هل سنكون موجودين أو لن نكون موجودين. لا شكّ أن المخطط هو أن يتحول العرب إلى عبيد وعملاء للأمبريالية الإسرائيلية الأمريكية التي تطمع في أن تضع يدها على هذه المنطقة. أريد أن أذكركم أن أول ما سرق في بغداد هو المتحف وأن الاحتلال الأمريكي قد حوّل بابل إلى محطة عسكرية وأن اول ما قصف في مدينة الخيام هو متحف الخيام وأن أول ما قصف في بعلبك هو القلعة وأن أول ما قصف في نابلس هو قصر عبد الهادي الأثري. إذاً الهجمة وحتى الاعتداء هو على الثقافة العربية، على الهوية العربية وعلى الحضارة العربية ويجب أن لا نبرر كسلنا بأن نقول إما أننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً أو أن هذا تهويل وتضخيم لما يجري فهذا ليس تهويلاً ولا تضخيماً لما يجري وإنما هذا هو واقع الحال وما علينا أن نفعله هو أن ننطلق من مصالح شعوبنا ومن قضايانا المصيرية وأن نصرّ دائماً وأبداً على كرامة العربيّ اينما كان سواء كان في فلسطين أو في العراق أو أينما كان. كرامة العربيّ بغضّ النظر عن دينه ومذهبه وعرضه لان هذه المنطقة لم تقم على إبادة من أتى قبلنا ومن ثم أقمنا حضارتنا، جمال هذه المنطقة وغناها أنها قامت على تعايش.
إن ما تفعله إسرائيل في لبنان هو ليس لكسب الحرب فقط وإنما لإعادة لبنان مئة سنة إلى الوراء تماماً كما فعلوا بالعراق وتماماً كما فعلوا في فلسطين. إذاً لدينا مهمة صعبة مستقبلية تبدأ بالثقافة وتبدأ بالهوية وتبدأ بالموقف العربي. تبدأ من الأغنية وتبدأ من الكلمة وتبدأ من الفن ومن المسرح وكل هذا هو العنوان الذي يجب أن يرتقي بالسياسة العربية إلى حيثُ يجب أن تكون إلى حيثُ تعبر عن ثقافة المقاومة وثقافة الصمود وأولاً وقبل كل شيء ثقافة العربي العزيز المحترم.
شكراً جزيلاً لكم لإصغائكم الكريم
المقدّم: نشكر جزيل الشكر معالي الوزيرة الدكتورة بثينة شعبان على ما قدمته، في الحقيقة كانت هذه المحاضرة كافية ووافية وشاملة. نفتح باب الأسئلة لمن يريد التوجه بسؤال.
سؤال: في الحقيقة موضوع اللغة هو موضوع هام ولكن نحن دائماً نسمع أن اللغة العربية هي أقلّ من أن تستوعب المفردات الحديثة التقنية. أنا أتحدث الآن لكي أؤكد بطلان هذا المفهوم فأنا أعمل مهندس كمبيوتر وعندما عملنا على هذا الموضوع وصلنا لمواصل علمية جيدة على مستوى هندسة الحاسوب، المشكلة هي أننا نحن عادةً ضعفاء في اللغة العربية.
د. شعبان: في الحقيقة أنا أشكرك على هذا التعليق وهذا الكلام صحيح وينطبق على الكثير من الأمور، يعني حينما يجد إنسان ما نفسه ضعيفاً في مجالٍ ما يقول نحن غير قادرين، هذا ينطبق أيضاً على السياسة وعلى الكثير من الأمور.
سؤال: أودُّ أن أشكر السيدة الوزيرة على هذه المحاضرة القيّمة وأقول أن الحضارة والثقافة ليست حكراً على شعب من الشعوب وعلى أمة من الأمم. الكل يعتزّ والكل يتطور، والحضارة كما قلت ليست حكراً على أحد من الأمم، فإذا أخذنا على سبيل المثال الواقع الآن لكي ندخل بالعولمة يجب أن نكون أقوياء ولكي نكون أقوياء يجب أن نكون أحرار. كما كان يقول الزعيم جمال عبد الناصر ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة. عندما نتحد نكون أقوياء ولا يتجرأ أحد أن يأتي إلينا. يجب أن نناضل كي نكون أقوياء. شكراً لكِ على هذه المحاضرة.
د. شعبان: شكراً لك.
سؤال: العولمة هي سلعة ونحن سوقنا هذه السلعة. الدول الأخرى والرأسماليات تتصرف وكأنهم يحومون فقط لاقتناص الطرائد. نحن صنعنا منهم أغنياء وهم صنعوا منا فقراء.
سؤال: شكراً السيدة الوزيرة على هذه المحاضرة القيّمة. في الحقيقة نحن لدينا قوة الحق لكن ربما ينقصنا التنمية الثقافية ويوجد عندنا خلل ثقافي ويجب إعادة ترتيبه. نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، بصراحة يا دكتورة العلوم الإنسانية منفصلة عن الأخلاق، العلوم الطبية منفصلة عن الأخلاق. يوجد تحلل ثقافي كبير. أرجو أن تأخذ الفعالية الثقافية دوراً حقيقياً في المرحلة القادمة، وشكراً.
سؤال: شكراً لهذه المحاضرة الغنية والقيمة التي واكبت الموقف العربي اليوم. هل لا توجد عقول عربية فكرية تنهض بما تأخرنا عنه؟
سؤال: شكراً لهذه المحاضرة القيمة التي في الحقيقة أثرت بي كثيراً..
د. شعبان: د. رياض عصمت هو سفيرنا في الباكستان لكنه مسرحي وكاتب..
تتمة سؤال د. عصمت: حقيقةً إن ما يميز حضارتنا هو هذا التنوع والغنى، أين الحرية وأين الديمقراطية؟ هل هي في عدم الاعتراف في حقوق الشعوب والعدالة وهل هي بما يجري الآن في أفغانستان والعراق وفي لبنان؟ نسمع تساؤلات كثيرة تقول لماذا يعادي العالم الإسلامي أمريكا. في الحقيقة أمريكا هي من تعادي العالم الإسلامي. أنا برأيي أنه يجب علينا أن ننخرط مع العولمة وفي العولمة لكي يكون لدينا موقع في العولمة. وشكراً لكِ.
د. شعبان:: شكراً د. رياض. في الحقيقة أودُّ أن أقف دقيقتين لأن الطروحات في الحقيقة كانت متقاربة من ثقافة السلعة والأخت قالت أين العقل العربي.. أنا برأيي أن الأمة العربية قبل العشرين يوم الماضية كنا نمر بحالة إحباط فظيعة فكري وثقافي وسياسي وعلمي وانهزام داخلي. أنا في أحد المرات كنت أتحدث مع السفراء العرب في عاصمة أوروبية وأنا كنت أتحدث عن أمور إنسانية وكنتُ اقول أن المرأة في الإسلام مكرمة وأن الإسلام قال كذا وقال كذا فقال لي: والله شوفي هالمدّ الديني وكله مدارس قرآن، يعني شو رأيك، فقلتُ له أنا والحمد لله وصلني فأنا حجيت ورحت عمرة. سفير عربي مسلم يعتبر الإسلام والكلام عن الإسلام أنه شيء خطأ فهذا انهزام داخلي أي أنه مهزوم قبل أن يبدأ. يعني لماذا ركزت على ما يجري في لبنان لأنني أحسست أنه بداية شموخ عربي وبداية شعور بالإمكانية العربية وبداية كسر الاسطورة. الله يرحمه الأستاذ مصطفى العقاد وأنا تحدثت إليه بالهاتف قبل أسبوعين من قدومه في سفرته الأخيرة وأنا درّستُ له فيلم "الرسالة" عندما كنت ُ في أمريكا، هل يعقل أن فيلم "الرسالة" لم يعرض بسوريا لحد الآن. أنا برأيي أنه يوجد اختراقات. القرارات السليمة التي تخدم الحقّ العربي هي اختراقات. أهم ما يمكن أن نفعله وأهم استشراق للمستقبل هو أن نكون واثقين من أنفسنا، من لغتنا وثقافتنا وأن لا نتهاون حتى مع الشخص الذي يقف بجانبنا وقربنا لكن بشرط وجود معايير سليمة. نحن يجب أن نضع معايير ثقافية فكرية سياسية سليمة وأن لا نتهاون مع هذه المعايير. من مع هذه المعايير هو منا ومن ليس مع هذه المعايير هو ليس منا حتى وإن تكلم العربية. أنا برأيي لا بد من أن نصل هذه المرحلة من الحدة، الحقيقة، البارحة سيدة من الدانمارك تسألني حول قرار مجلس الأمن الذي سيصدر فقلتُ لها لا يعنينا لأن مجلس الأمن الذي لا يهتم بأطفالنا ونسائنا لا يعنينا فليأخذوا القرار الذي يريدوه. لأننا إذا لم نصل إلى هذه المرحلة فإنه لن يحترمنا أحد، الحقيقة، وعلى كل الصعد وأنا برأيي كل إنسان له دور. في السنوات الأخيرة نجد أناساً يقولون ماذا استطيع أن أفعل، على ماذا أنا قادر، أي أنه أصبح لدينا أناس يشعرون بعدم قيمتهم وبعدم وجودهم. أنا برأيي المقاومون الأبطال الذين وقفوا في وجه إسرائيل وأمريكا يجب أن يكونوا حافزاً لكل إنسان عربي أن يشعر الآن أنه يستطيع أن يفعل شيئاً، يجب أن تكون إحدى نتائج هذه المعركة أن يشعر كل إنسان أنه قادر على فعل شيء.
الأمر الآخر هو الفرق بين ثقافة السلعة وثقافتنا. قابلتني صحفية في الـلوس أنجلس تايمز وسألتني كيف أنتم استطعتم أن تستوعبوا الفلسطينيين ومن ثم العراقيين والآن اللبنانيين وأنتم هذا البلد الصغير بالمساحة؟ فقلتُ لها نحن إذا كان لدينا رغيف خبز فإننا نقسمه بيننا وإذا كان لدينا سرير فإننا ننام على الأرض وإذا لم يوجد لدينا صحون فإننا نضع صحناً واحد ونأكل منه. يعني نحن يجب أن نصر أن حضارتنا فيها قيم روحية وعاطفية وليست مادية والحضارة التي تأتي إلينا هي مادية. أنا برأيي أننا بصدد نهضة شاملة يتنطع لها أولاً المثقفون العرب بالمسرح والفكر والموسيقى وأنا جداً سعيدة أن يقوم المطربون اللبنانيون ويجمعون للموسيقا وهذا أمر هام أن يجمعوا للبنان وينضموا إلى الناس والمثقفين ينضمون إلى لبنان. أنا أظن أن هذا أهم بكثير من تداعياتها من أن تكون اعتداء إسرائيلياً على لبنان. تداعياتها هي بلورة موقف عربي من ثقافة عربية ومن وجود عربي في وجه هجمة إسرائيلية إمبريالية معولمة. هذا يحتاج لوقت لكن كل واحد فينا يستطيع ان يساهم بشيء إذا تبنينا هذا الإنجاز العظيم للمقاومة وهم طبعاً منذ الآن يحاولون أن يحبطونا لكن الشعوب أقوى من هذا إنشاء الله■
شكراً جزيلاً لكم ولحضوركم