كيف ننقذ عالم اليوم؟

 

د. بثينة شعبان

19 كانون الأول 2005

 

 

قرأت باهتمام شديد مقال السيدة كونداليزا رايس المنشور في الواشنطن بوست في 11/12/2005  بعنوان  "وعد السلام الديمقراطي: لماذا يُـعتبر نشر الحرية الطريق الواقعي الوحيد للأمن"  و لمستُ في المقال رغبة وزيرة الخارجية الأمريكية للمساهمة بطريقة إيجابية كي يكون العالم مكاناً أفضل للجميع. كما تأثرتُ بإشارتها أنه في عصر المتغيرات لا تعود الدبلوماسية  التقليدية في إدارة الأزمات كافية. و تركيزها  على الشرق الأوسط حيث اعتبرت  "نقص الحريّات يشكّـل أرضية خصبة لنموّ إيديولوجية كراهية قويّة و بغيضة إلى درجة أنـّها تقود بعض الناس لوضع أحزمة ناسفة على أجسادهم و يطيرون بطائراتهم لتدمير المباني"   خاصة   و أنـّها حددت السبب بأنه   "حين لا يتمكن سكان هذه المنطقة من معالجة قضاياهم من خلال عملية سياسية منفتحة فإنهم يلجأون إلى الظلّ حيثُ يصبحون ضحيّة أناس شريرين و بمخططات شريرة".   و لذلك استنتجت السيدة رايس أنه   "من العبث محاولة تشجيع الإصلاح الاقتصادي في مثل هذه المجتمعات و عقد الأمل بأنّ نقص الحريّات سوف يتم تداركه مع الوقت". و لخـّصت عبر المقال سياسة الولايات المتحدة التي تريد  "إنهاء الطغيان و الديكتاتورية في العالم من خلال تغيير طبيعة الأنظمة"  و  "خلق دول ديمقراطية و تحكم بشكل جيد تلبي حاجات مواطنيها و تتصرف بشكل مسؤول في النظام العالمي".  أي أنّ الخطر الذي تراه الإدارة الأمريكية يأتي من الدول التي لا تمتلك "أنظمة جيدة."

       و تزامن مع مقالة السيدة رايس التغطية الإعلامية الواسعة لفضيحة السجون السريّة التي أقامتها المخابرات الأمريكية في دول أوروبية و آسيوية عديدة و ما يعني ذلك فعلياً من قيام سلطات أقوى دولة ديمقراطية باعتقال و تعذيب مشتبه بهم في هذه السجون الواقعة خارج نطاق القانون و استغربتُ تبرير السيدة رايس لوجود مثل هذه السياسة للاعتقالات و التعذيب و ربما الموت تحت التعذيب بأنها "ساهمت في إنقاذ حياة أوربيين"! دون التعليق على  الذين تمّ اعتقالهم و تعذيبهم و الذين  قد يكونوا أبرياء وقعوا ضحايا لمجرد الشبهة الناجمة غالباً عن اسم عربي أو مسلم أو سحنة سمراء متوسطية. كما تزامن ذلك مع أعمال العنف المعادية للعرب في أستراليا التي أعقبت أعمال العنف في ضواحي باريس و أجمعت التحليلات أن التمييز ضدّ المنحدرين من أصل عربي  و عدم إدماجهم في المجتمعات الغربية هو الذي يقود إلى مواقف عنصرية ضدّهم من قبل الأكثرية الدينية. و لا شكّ لدي أن الجميع يرغب في رؤية عالم أفضل و وضع أفضل لبلدانهم و لكن يمكن القول بأن هذه المقدمات التي تحدثت بها السيدة كونداليزا رايس لن تقود إلى العالم الذي ينشده الجميع لأسباب عديدة سوف أسرد بعضاً منها:

-    لقد كان الخير و الشر موجودان منذ بدء الخليقة و لذلك ليس من الواقعي أو المعقول أن تتصدى الولايات المتحدة لمهمة إزالة الشرّ من العالم و تنظيفه منه و الإرهاب شرّ مطلق، و قتل النفس البشرية البريئة هو ما نهت عنه جميع الديانات السماوية و ما لم يتمّ اعتبار الإرهاب جريمة بعيداً عن تسييسه من أجل استصدار تشريعات معينة أو تحقيق أهداف معينة لا يمكن للعالم أن يعالج مشكلة الإرهاب و يجتثّ جذورها.   و كي يتمّ فعل ذلك يجب أن ندرك أنه لا يوجد من يولد إرهابياً و لكن مجموعة ظروف أو قضايا تضع الإنسان في إطار ذهني معين تسوّغ له ارتكاب جريمة مع الانطباع الذاتي له أنه يقوم بعمل مبرّر أو حتى ضروري.

-    إن التشخيص بأن هناك دولاً أو أنظمة كاملة تشكـّل خطراً على المجتمع الدولي و لا بدّ من معالجتها لتلبية حاجات شعوبها و كأنّ هذه الشعوب غير موجودة أصلاً و لا دور لها هو أمر في غاية الخطورة لأنه يلقي بظلاله على كرامة هذه الشعوب و احترامها و مكانتها و قد يسبب ذلك موقفاً أشبه بالوصاية الاستعمارية البغيضة على هذه الشعوب، الأمر الذي ترفضه الشعوب في كلّ مكان عاجلاً أو آجلاً. خاصة و أنّ تحديد مصادر الإرهاب بأتباع دين معين و أصحاب سحنة معينة و من منطقة معينة يسبب شرخاً هائلاً بين أتباع الديانات في العالم و بين الإنسان الأبيض و الأسمر قد يقود بعد تراكماتٍ و أحداثٍ إلى نتائج لا تـُحمد عقباها و تشكـّل خطراً على المجتمع البشري في كلّ مكان.

-    لا شكّ أن العالم اليوم يؤثـّر و يتأثر بما يحدث به في  كل مكان و لذلك لا يمكن تجاهل منابع الأخطار أيّاً كانت و لكنّ هذا يتطلب أيضاً التعامل مع البشر جميعاً بأنهم متساوون في الحقوق و الواجبات و الكرامة الإنسانية      و عدم التمييز بين إنسان و آخر على أساس الدين أو اللون أو العرق أو الجنسية و مع أنّ الحديث الخطابي يقول بعدم التمييز إلا أنّ السياسات على الأرض تشهد تجاهلاً كاملاً لحريـّة و كرامة البعض من أجل تحقيق أهداف اقتصادية و مصالح سياسية لبعض الدول الكبرى على حساب الشعوب الصغيرة تحت يافطة نشر "الأنظمة الجيدة".

-    لقد تجاهلت استراتيجية صنع "السلام الديمقراطي"  أمراً جوهرياً و حيوياً للبشرية منذ ولادتها و هو رفض مبدأ الاحتلال الأجنبي لأراضي الغير، هذا الاحتلال يشكـّل أبشع امتهان للكرامة الإنسانية و لطموحات البشر في الحريّة فكيف يمكن بناء سلام ديمقراطي في الشرق الأوسط طالما أنّ الاحتلال الإسرائيلي يجثم على قلوب العرب في فلسطين و الجولان و جنوب لبنان؟    و كيف يمكن صياغة مستقبل لشعب يعيش في سجن كبير يواجه القتل إذا رفض الإرهاب و يواجه الفقر و الإذلال إذا سايره؟!  لا شكّ أن محاربة الإرهاب أمر حيوي لكلّ إنسان في كلّ مكان و لكن الأساس في نجاح هذه الحملة يعتمد على إشراك جميع البشر في كل مكان ضدّ قوى الشرّ و الإجرام دون تمييز يقود إلى عنصرية بغيضة قد تهدّد عالم المستقبل بما لم يخطر لنا على بال. و في هذا الإطار لا بدّ من التركيز على مبدأ العدالة و حقوق الإنسان في الكرامة الإنسانية المتساوية و لا شكّ أن هذا غير متوفـّر اليوم على الإطلاق في ضوء تمويل حملات إعلامية تنشر أخباراً مضللة و في ضوء طيّ وثائق تدين سياسات العدوان و جرائم الحرب، و إرهاب الدولة.

المفهوم الخاطئ و الخطير الذي تـُبنى عليه سياسات دولة عظمى هو أن منطقة الشرق الأوسط أنتجت إيديولوجية الكراهية بينما تـُعتبر هذه المنطقة أنموذجاً للتعايش التاريخي المديد بين أتباع الديانات السماوية،  هذا التعايش الذي أنتج حضاراتٍ فريدة ً  على مدى آلاف  السنين تـُعتبر فخراً للتراث الإنساني العالمي، و لا شكّ أن ظهور أفراد قلائل يشعرون بغضب شديد نتيجة انعدام الكرامة       و العدالة و يُعبّرون عن  هذا الغضب بطرائق إجرامية غير مقبولة لا يعني أنه لا توجد بدائل لوضع الأمور في نصابها الصحيح إذا ما توفرت الإرادة و النيّة و لا يعني أنّ شعوب هذه المنطقة لا يقاومون الإرهاب و الظلم و لكنّ الظلم هو الأساس المتين الذي ينتعش عليه الإرهاب و الإرهابيون و لا بدّ لأي إستراتيجية دولية تحلم بترك إرث يُعتزّ به أن تركـّز أولاً على العدالة و الكرامة المتساوية للبشر و حقوق الإنسان في كلّ مكان و إنهاء الاحتلال و الاستيطان كأساس لا بدّ منهم للسلم الديمقراطي الذي ينشده العالم أجمع