العولمــة والـعرب
12Dec. 2005
د. بثينة شعبان
ظهرت في الآونة الأخيرة مقالات تقارن بين أداء إيران وأداء العرب حيال العلاقة مع الغرب والضغوط التي تمارس على كليهما وجميعها أشارت إلى نجاح إيران في دفع العالم للتعامل مع موقفها بينما تمارس على العرب أنواع الإملاءات والضغوط. والحقيقة هي أنّ المقارنة بين إيران والعرب يجب أن تكون جزءاً من المقارنة بين العرب والعالم في عصر العولمة، كيف يقرؤون معطيات العصر وكيف يتفاعلون معها وما هي الآفاق المستقبلية التي تنتظرهم إذا ما استمرت الأحوال على هذا المنوال؟
إن المفهوم السائد لدى العرب عن العولمة هو أنّ العولمة تيّار كاسح سيجتاح البلدان والأمصار على جميع الصعد ولن يكون بمقدور أيّ كان فعل شيء سوى الانحناء لهذا التيار وتقبّل شروطه وحتى آثامه دون أية مقاومة تذكر. والسبب الأساس في هذا الموقف هو انعدام المرجعية العربية وغياب مؤسسات الأبحاث والفكر والموقف الموحد الذي لا بدّ منه لكي يجعل من العرب أناساً فاعلين على الساحة الدولية لا متلقين فقط لكلّ مفرزات العولمة ومنغمسين في محاولة تبرير اتجاهاتها بدلاً من العمل على التفاعل معها والتأثير فيها. بالمقابل فإننا نلاحظ أنّ جميع شعوب الأرض ضاعفت من أعمالها وجهودها لمواجهة التحديات الجديدة التي تفرزها العولمة لكي يحصلوا على موطئ قدم في عالم أصبح أشدّ تنافسيةً ومهارةً وتقدماً وذكاءً وسرعةً.
ولنبدأ بالأمور البعيدة عن الأضواء بعض الشيء والتي يمكن للعرب إلى حدّ الآن التعامل معها باستقلالية شبه كاملة نلاحظ نقاطاً هامة. فعلى المستوى الثقافي، على سبيل المثال، حيث تحاول بلدان عديدة في العالم أن تفرض حضورها الثقافي المتميّز لتثبت أنّ عولمة الشركات المتعددة الجنسيات لا يمكن أن تلغي الخصائص المميّزة لثقافات الشعوب، بل تحاول الشعوب اليوم أن تبرز تميزها الثقافي على المستوى الدولي لإثبات استقلالية هويتها ووجودها بينما يسارع معظم العرب لاستقدام ثقافات الغير كبديل عن ثقافاتهم المحلية والمتوارثة وللمفاخرة بتعلم لغات الغير (وهو أمر مستحسن بحدّ ذاته) ولكن على حساب لغتهم العربية الأم والتي هي من أقدم لغات الأرض وأعرقها. في هذا المجال الثقافي واللغوي يشهد العرب تراجعاً هائلاً سواء في النوع أو الكم بحيث أصبح الحضور اللغوي والثقافي المتميّز أمراً لافتاً وغير اعتيادي. وينعكس هذا على تدريس اللغة العربية في المدارس والجامعات بحيث لم تعد اللغة العربية شرطاً أساسياً لدخول الجامعات أو لنيل الشهادات الأساسية في مدارس عربية، والغريب أن العرب لا يلاحظون أنهم حين يرغبون بارتياد أي جامعة أجنبية فإنّ أول شرط يطلب إليهم تلبيته قبل قبولهم في الجامعات المعنية في الغرب هو اجتياز امتحان صعب بلغة البلد الذي ينوون الدراسة فيه. أما نحن فإن أبناء البلد الأصليين يرتادون الجامعات دون إتقان للغتهم الأم بحجة أنهم يعيشون في عصر العولمة وأنّ العولمة تمحي خصوصيات الشعوب والعكس هو الصحيح لكلّ الشعوب الفاعلة في مسارات تقدمها والحريصة على مستقبل شعوبها وحضارتها. ونلاحظ جميعاً ضعف الاهتمام بالثقافة العربية والإسلامية خاصةً لدى أبناء الجيل الجديد وتراجع التفاعل بين البلدان العربية الذي كان سائداً في النصف الأول من القرن العشرين والذي شكّل جذوة الشعور القومي التي نطمئن إليها اليوم ونعتبرها ضمانةً أساسية في وجه التحديات التي تحاك ضدّ أمتنا.
في الوقت الذي فُهِمت العولمة في الغرب على أنها كسر للحواجز وفتح للحدود بين البلدان وتبادل أسهل للتجارة والتعاون والبشر أخذ عصر العولمة يفرض على العرب حدوداً أقسى وأمنع ويفصل بين بلدانهم ويقيّد حركتهم بين البلد والآخر بذرائع مختلفة بحيث إذ استمرت الأمور على هذه الشاكلة سوف تعاني الأجيال المستقبلية من انقطاع بين العرب وضعف في الانتماء بينما تصيغ البلدان الأوروبية هوية لم تكن موجودة من قبل لسكان هذه البلدان ويحاولون صياغة ثقافة ولغات مشتركة، أما العرب فيهملون الثقافة واللغة المشتركة بحجة عصر العولمة.
وفي مجال التقنيات أيضا تحاول شعوب الأرض تعديد مصادر معلوماتها وتنويع أدواتها والرفع من مستوى أدائها بحيث سمح أخيراً في الولايات المتحدة بتغيير قواعد مسابقة "بوليتزر"، أرفع الجوائز الصحفية في الولايات المتحدة، بحيث تسمح للصحف بالمشاركة بمواد نشرت على الانترنت وبهذا اعتراف بالدور المتسع لصحافة الانترنت وسيسمح الآن للتقارير والصور التي تنشر على الانترنت بالاشتراك في جميع مجالات المسابقة. إنّ أهمية هذا الخبر تنبع من كونه يشكل محاولة جادة للارتقاء بإعلام الانترنت وضبط إيقاع مستواه بحيث يشكّل مساهمةً حقيقيةً في الحياة الإعلامية في البلدان المتقدمة تحكمها المنافسة على الارتقاء والعطاء المتميز دائماً. أما العرب فكيف فهموا صحافة الانترنت؟ لقد فهمها البعض على أنها مجال مفتوح لا تحكمه ضوابط لنشر كلّ ما لديهم من ضعف وعجز ووهن وصِغَر على صفحات الانترنت واستخدامها للقدح والذم وترويج الأقاويل والشائعات بعيداً عن أي شعور بالمسؤولية وأي روح مهنية فأصبحت التقنية الجديدة التي تغيّر وجه المؤسسات وأدائها في الغرب عبئاً آخر يضاف إلى أعباء التخلف والمهاترات وينشر صورة عن أسوأ مفرزات مجتمعاتنا في أنحاء العالم مما يعود بالضرر الكبير على سمعة هذه الأمة.
والسبب الأساس في كلّ هذه الظواهر لدى العرب هو تخلفهم عن توليد الحداثة وإبداع التغيير بالإضافة إلى استمرار ضعف البنى المؤسساتية القادرة على ولوج القرن الحادي والعشرين والتأثير الإيجابي في عصر العولمة لا متأثرين فقط بأسوأ مظاهرها ومتلقين لأردأ مفرزاتها. وهذا يُري أن عدم فاعلية العرب اليوم على الساحة السياسية بالشكل الذي يرضي طموح الجماهير وينسجم مع عدالة الحقّ العربي هو جزء لا يتجزأ من عدم فاعلية العرب في مجالات شتى نتيجة استسلامهم لدور المتلقي للحدث والمعلومة والتقنية والبرامج بدلاً من دور الفاعل له والمتفاعل معه.
ومن هنا نرى أخطار العولمة كما يفهمها العرب، حقيقة على ثقافاتهم ووجودهم وهويتهم ومستقبل أبنائهم وما لم يتم إدراك هذا الأمر وإيجاد السبل الكفيلة لمعالجته قد يكون العرب مقبلين إلى استباحات أشدّ وأدهى لحقوقهم وهويتهم ومستقبل أجيالهم. لقد راهن أعداء هذه الأمة في هجماتهم الأخيرة على بعض المهزومين من الداخل والذين لا يدركون قيمة الحضارة التي ينتمون إليها وعلى العرب الشرفاء والحريصين التنبّه إلى الاختراقات الداخلية التي تصبّ في مصلحة أعداء الأمة ومستهدفيها. وكلنا يعلم ألا جديد في ذلك فقد حدثنا الأجداد والجدات عن الذين تواطؤا مع الاستعمار ضدّ مصلحة بلادهم وكان معيار العمل في ذلك الوقت مصلحة الوطن وحريته واستقلاله. ولنعيد هذا المعيار اليوم ونؤكد أنّ كل ما يخدم مصلحة الوطن وتقدمه وازدهاره هو صحيح وكلّ ما يضعف الوطن أو ينال من صموده هو خطأ. ولا شك أن التفاعل الإيجابي والمؤثر مع عصر العولمة يتطلب اليقظة والفرز السليم داخلياً وخارجياً وحيال كل القضايا المطروحة على الساحة.