الوثائق و الحقائق
5Dec. 2005
د. بثينة شعبان
لا يسع المرء إلا أن يستغرب أن القمة المتوسطية الأوربية، و هي الأولى منذ انطلاق خطة الشراكة المتوسطية الأوربية عام 1995، قد انتهت إلى نكران حق الشعوب في مقاومة الاحتلال و انحياز غير مسبوق لإسرائيل و تحدثت الأنباء أن البريطانيين "خطفوا مدونة سلوك مكافحة الإرهاب و رفضوا بشكل قاطع تثبيت حق مقاومة الاحتلال في الوثيقة النهائية". هذه هي القصة إذاً في جوهرها و في كلمات معدودة: تصعيد و تعميق و تهويل حملة مكافحة الإرهاب من أجل إلغاء حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، و الجميع يعلم أن الاحتلال الوحيد الموجود في العالم اليوم هو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية. و تزامن هذا مع فشل خبراء الأمم المتحدة في صوغ معاهدة شاملة تعثرت طويلاً لمكافحة الإرهاب و كان السبب الأساسي لهذا الفشل إصرار البعض على إلغاء حق العرب في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي الجاثم على أرضهم في فلسطين و الجولان و مزارع شبعا. كما تزامن إصدار مدونة برشلونة مع إعلان الإستراتيجية الأوربية لمكافحة "دعاة الإرهاب" و تعزيز الرقابة على الأئمة و المواقع الالكترونية "الأصولية". كما تلا مدونة برشلونة خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش و الذي أكد فيه أنه لن يرضى بأقلّ من نصر تام و أن النصر سيتحقق في العراق عندما لا يعود في وسع الإرهابيين و الصدّاميين تهديد الديمقراطية في العراق. و لكنّ ما لم يقله الرئيس بوش هو أن المعتقلات السرّية ستبقى تستقبل الشباب المسلم إلى أن يتأكد أنه لا يوجد إرهابيون بين صفوف المليار مسلم المنتشرين في أصقاع الأرض، و لا يعلم أحد ما إذا كانت إجراءات أمن الحدود و الهجرة و كلّ القوانين التي تمّ سنّها في الغرب ضد العرب و المسلين تهدف أيضا إلى الانتصار الساحق الذي يبتغيه الرئيس بوش على الإرهاب أم خلق مواقف بدأت تأخذ أشكالاً و أبعاداً خطيرة من العرب و المسلمين هدفها الأساسي إضعاف العرب و الاستمرار في استغلال ثرواتهم و سلب الفلسطينيين حقهم التاريخي في القدس و فلسطين و هذا ما يصرّح به شارون يومياً بأنه لن ينسحب من الأراضي العربية المحتلة إلى حدود 1967 كما يصرّح آخرون أن جدار الفصل العنصري سيشكل الحدود المستقبلية لدولة فلسطين "المؤقتة". و رغم أن اثنين و عشرين بلداً عربياً قدموا مبادرة لصنع السلام مع إسرائيل إذا ما انسحبت إسرائيل إلى حدود 4 حزيران 1967 فإنّ شارون يستمرّ في القول أنه لا يوجد شريك للسلام في فلسطين أو بين العرب و لهذا لا بدّ من أن تستمرّ أعمال مكافحة الإرهاب إلى أن يبتلع الأرض و يقتلع أشجار الزيتون و ينهي حملات الاستيطان البشعة في القدس الشرقية و التي أشارت إليها وثيقة عن الخارجية البريطانية في اجتماع مجلس وزراء الخارجية الأوربيين إلا أنه تمّ تأجيل النظر فيها إلى الشهر القادم بناء على طلب ايطاليا و التي تعتبرها إسرائيل أوثق حليف لها. و تنصّ الوثيقة على اتهام إسرائيل بالعمل بسرعة لضمّ المنطقة العربية من القدس و ذلك من خلال بناء الاستيطان اليهودي اللاشرعي و الحاجز الشاسع في الضفة الغربية في تحرك لمنعها من أن تصبح عاصمة لفلسطين و قطع الأوصال بينها و بين بيت لحم و رام الله وبقية أجزاء الضفة الغربية.
إن هذه الباقة المختارة من الأحداث و الأنباء تجعل السؤال عن ماهية الإرهاب و تعريفه و استراتيجيات مكافحته سؤالاً مشروعاً كما تجعل السؤال الأهم بالنسبة للعرب عن علاقة هذه الاستراتيجيات بابتلاع الحقّ العربي في فلسطين و الجولان و شبعا و ذلك من خلال اعتبار كلّ من يقاوم الاحتلال إرهابياً و تحريم المقاومة على الواقعين تحت الاحتلال و منعهم من امتلاك السلاح و المال و العبث بحياتهم و أمنهم و ممتلكاتهم وفق ما يناسب سلطات الاحتلال و تأجيل البتّ بقضايا العرب و حقوقهم إلى أن يتحقق النصر الكامل على الإرهاب كما أكد الرئيس بوش في خطابه الأخير! و لكنّ السؤال الذي لا بدّ من توجيهه للرئيس بوش هو متى يتحقق النصر الكامل على الإرهاب و هل سيتحقق بهذه الطريقة و بأي ثمن، و هل يعلم الرئيس بوش أنّ احتلال العراق و ما يسمّيه اليوم مكافحة للإرهاب في العراق، و الذي بدأ لأسباب أخرى مختلفة كلياً قد كلّف الشعب العراقي تاريخه و حضارته و أطفاله و علماءه و تعايشه العرقي و المذهبي و حوّل العراق إلى بلد تتفاقم فيه المآسي و الجرائم و المشاكل التي لم يعرفها في تاريخه الطويل. ليس على أمريكا أن تهرب من واضعي السيارات المفخخة و القتلة كما قال الرئيس بوش و لكن ما هي مصلحة أمريكا في زيادة المساحة لهؤلاء الإرهابيين و تقديم الخطاب الذي يغذي التطرف و يثير غضب الشعوب و يحرمها من العدالة و الشرعية الدولية و المساواة في الكرامة الإنسانية ؟ و لماذا يفشل خبراء الأمم المتحدة في الاتفاق على تعريف واضح للإرهاب فالإرهاب جريمة ضد مدنيين لم يقترفوا أي ذنب مثله مثل أي جريمة أخرى ترتكب في الكثير من أنحاء العالم. فجريمة تفجير الفنادق في عمّان و التي ذهب ضحيتها نفوس أبرياء في عرس هي تماماً كجريمة تفجير حضانة أطفال في مدينة أوكلاهوما الأمريكية و لا يمكن محاربة الجريمة و كأنها جيش نظامي أو بلدٌ بعينه أو تنظيم واضح المعالم و الخطط و الكادر و الأهداف، و لا يمكن محاربة الجريمة إلا بالتعاون و اليقظة من قبل الجميع و ليس باستهداف معتنقي ديانة ضد أخرى أو باعتبار الاحتلال أمراً طبيعياً بينما تعتبر مقاومته إرهاباً.
و لمن يفرح بأنه حقق نصراً في عدم ذكر حق المقاومة في مدوّنة برشلونة نقول إن الشعوب لم تنتظر يوماً وثائق رسمية لتمارس حقها في مقاومة الاحتلال و تحرير أرضها و إن عدم ذكر حق المقاومة و التأكيد عليه يسيء إلى واضعي الوثيقة و ليس إلى حق الشعوب في أرضها و مياهها لأن هذا الحق كفلته الشرائع و الديانات و لا يستطيع، و لم يستطع أحد، تغييره عبر التاريخ.
و للذين لا يقرأون التاريخ أو لا يفهمونه أدعوهم إلى أخذ العبرة من إقامة تمثال في الكابيتول بمبنى الكونغرس الأمريكي لرائدة الحقوق المدنية الأمريكية روزا باكس لأنها أول امرأة، كما قال الرئيس بوش، تدعو أمريكا إلى "العودة إلى وعد تأسيسها الخاص بالمساواة و العدالة للجميع". و الشعب العربي، مثل الشعب الأميركي، يدعو و يسعى إلى إقناع العالم بالعودة إلى المساواة و العدالة للجميع بحيث لا تصبح مكافحة الإرهاب مبرّراً لابتلاع حق العرب في أرضهم و ديارهم و شنّ حملة دولية ضد الإسلام و المسلمين أخذت تلوح بوادر العنصرية الخطيرة لها. و إذا ما قرأنا نتائج الانتخابات الأولية في فلسطين و أن مروان البرغوثي و زملاءه الموقوفين في سجون الاحتلال الإسرائيلي قد اكتسحوا هذه الانتخابات نعلم أن هؤلاء هم الأبطال الذين ستقام لهم تماثيل الحرية في فلسطين لأنهم رفضوا الاحتلال الإسرائيلي لأرضهم و ديارهم بغضّ النظر عمّا جاء في مدونة برشلونة.
لا شك أن الإرهاب آفة خطيرة و لكن لا بدّ من تعريفه أولاً و عدم الخلط بينه و بين حقّ المقاومة ثانياً و عدم إلصاقه بدين أو عرق ثالثاً و لا بدّ أيضاً من استنهاض جميع الناس لمحاربته. فهاهم شباب بريطانيون مسلمون يعبرون عن رغبتهم في مواجهة المتطرفين مقرونة بعدم الرضى عن السياسة الخارجية البريطانية حيال الإرهاب. و هاهي الإحصائيات تري أن عدد الوفيات نتيجة لحوادث السير في الدول المتقدمة تزيد 400 مرة عن عدد الوفيات الناجمة عن الإرهاب الدولي. و ملاحقة الإرهابيين حتى النصر تشبه مكافحة حوادث المرور حتى آخر حادث. كان الشرّ موجوداً منذ خلق الإنسان و الإرهاب شرٌ مطلق و لكن طرق معالجته للسنوات الأخيرة الماضية خلقت شروراً و مآسي إنسانية و اجتماعية و اقتصادية لا تحصى، و لا بد من التوقف عن تسييس معالجة الإرهاب لتبرير الاحتلال و تزكية النزاعات و الأحقاد بين الدول و الأديان و المجتمعات لأن هذا بالضبط ما يبتغيه الإرهابيون و من يلوذ ملاذهم و لنتذكر دائماً أن الوثائق و التلاعب بالألفاظ و المصطلحات لا يغيّر الوقائع و لا يعفي كلّ من يشعر بالمسؤولية من تقديم رؤية مترابطة تنسجم و إحساس البشر بالعدالة و توقهم للعيش بحرية و كرامة بعيداً عن أية معايير عرقية أو دينية أو طائفية.