الشرق الأوسط في المرآة

21Nov. 2005

د. بثينة شعبان

    وسط كلّ الأخبار المتداخلة و المشوّشة و المتسارعة في الشرق الأوسط هناك أخبار يمكن اعتبارها مؤشرات لمرحلة قادمة و توجّهات مستقبلية يجدر التوقــّف عندها. من ضمن هذه الأخبار ما تسرّب بعد زيارة وزيرة خارجية الولايات المتحدة إلى إسرائيل عن موافقة الولايات المتحدة على تغيير مقاربتها لمشروع الشرق الأوسط الكبير و استعدادها لإدراج إسرائيل في مساعي بناء الديمقراطية و حقوق الإنسان في البلدان العربية. و صرّحت رايس لوزير خارجية إسرائيل أنها تحدّثت عن إشراك إسرائيل في الحوار الإقليمي لزعماء عرب و واضح أنــّها حظيت بموافقتهم و أوضحت رايس أنها تحدثت في منتدى المستقبل عن المشاركة السياسية و حقوق النساء و سلطة القانون بشكل لم يكن يخطر بالبال قبل بضع سنوات و هذا الحديث سوف يشمل إسرائيل قريباً.

     و الخبر الآخر المثير للدهشة هو أنّ عمليات الاغتيال التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية ضمن حربها ضدّ الشعب الفلسطيني تـُعرَض على  خمس دول عربية كمادّة دراسية للقوى الأمنية كأحد أساليب مكافحة الإرهاب بينما لا يستطيع رئيس الأركان الإسرائيلي دان حلوتس الذي تَستَخدِم خدماته هذه الحكومات العربية زيارة بريطانيا لأن منظمات حقوق الإنسان رفعت دعاوى ضدّه و ضدّ ضباط إسرائيليين آخرين لدورهم في ارتكاب جرائم حرب بما فيها عمليات الاغتيال للمدنيين الفلسطينيين و الذي يسمّيها رئيس الأركان نفسه مكافحة الإرهاب و يعرضها على وفود أوروبية و عربية في إسرائيل حيث تـُعقَد المداولات نصف السنوية لحلف الناتو بمشاركة قادة حلف الأطلسي و جيوش عربية. في الأسبوع ذاته برّأت المحكمة البريطانية عدداً  من جنودها ارتكبوا جريمة قتل مواطن عراقي ضرباً حتى الموت أمام سمع العالم و بصره لأنه تبيّن للمحكمة أنهم كانوا ينفـّذون أوامر عسكرية!!  كما برّأت المحكمة الإسرائيلية الضابط الإسرائيلي الذي أفرغ رصاصتين في الرأس ثم أعقبهما بثلاثين رصاصة في جسد الطفلة الفلسطينية الغضّ  إيمان الهمص (13 سنة)  و هي تحمل حقيبة مدرستها على ظهرها و تحلم بالوصول إلى العلم و النور و كانت التبرئة أقبح من ارتكاب الجريمة لأنها أفادت أنـّه كان ينفذ أوامر رسمية فقط!!

     بعد زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية إلى المنطقة و تمديد هذه الزيارة و خوض مفاوضات استمرت للساعات الأولى من الصباح تمكـّنت من إقناع الإسرائيليين من فتح جزئي لمعبر رفح كي يسمح بدخول الفلسطينيين و خروجهم من سجن غزّة الكبير و لكن بعد أن تـُعرَض أسماؤهم على سجل بيانات إسرائيلي للتأكد من عدم السماح بحركة كلّ من يُعبِّر عن رفضه للاحتلال الإسرائيلي و تمسكه بحقـّه في فلسطين محوّلين غزّة في ذلك إلى مركز اعتقال كبير يشبه المعتقلات للهنود الحمر في ساوث ديكوتا و معتقلات الأبورجينز في استراليا.

      بالمقابل فإنّ كلّ ما أنجزه العرب في الأسبوع ذاته هو إفشال إصدار بيان في منتدى المستقبل الذي عُقِد في البحرين معتبرين ذلك نصراً عظيماً مع أنه من الواضح ممّا سلف أنّ المباحثات التي أجرتها رايس مع القادة العرب و الوعود التي استجرتها لإشراك إسرائيل بالعملية الديمقراطية أمرٌ في غاية الخطورة على مستقبل المنطقة. كما أنّ زيارة شالوم إلى تونس و إهداء الدولة بيتاً له بينما استشهد الطفل أحمد الخطيب ذي الإثني عشر ربيعاً و تبرّع أهله بأعضائه لأطفال إسرائيليين كيّ يعبّروا عن حسن نيّة السكان الأصليين اتجاه المستوطن القادم الذي يحتلّ الأرض و المياه و يقتل الشباب و الأطفال و يعرض على العرب دروساً في مكافحة الإرهاب مُعتبراً كلّ مواطن فلسطيني رافض للاحتلال و القتل و الإذلال إرهابياً.

      في مواجهة هذا الواقع الجديد و الذي أصبح واقعاً مهما حاول البعض رفضَه أو نكرانه أو توصيفه بطرائق مختلفة، هل يمكن للعرب الاستمرار كأمّة وسط هذه العاصفة العاتية التي تستهدف وجودهم و بالأساليب و الأدوات و المفاهيم ذاتها التي استخدمها حكامهم و مثقفوهم منذ عقود؟؟

      بغضّ النظر عن الحملة المنظمة ضدنا فإننا كعرب ننظر إلى النصف الأول من القرن العشرين كعصر النهضة و نستذكر صور الخمسينات و الستينات و حتى السبعينات و التي تمثــّل بزوغ فكر تحرري و حركات نهضوية أفعمت العرب أملاً بمستقبلٍ باهرٍ و كانت الدول العربية ميداناً لتبادل الأفكار و الرؤى و السياسات و الكتابات و الحوارات حول الحاضر و المستقبل و لكنّ كهوف التخلـّف الظلامية استطاعت أن تدفع شيئاً فشيئاً و تأخر العرب جميعاً عن معظم دول العالم في أغلب مؤشرات التنمية بما في ذلك النهضوي لانخفاض  عدد و مستوى مراكز الأبحاث و مستوى جامعاته و إنتاجه الفكري و حيوية الحياة السياسية فيه، الأمر الذي يُستخدم كذريعة اليوم للقدوم إلى العرب و تثقيفهم عن حقوقهم المدنية و حياتهم السياسية و مواكبة ما توصّل إليه الآخرون أنظمة و ديمقراطية و حقوق إنسان وصولاً إلى التنمية و التعليم ..ألخ، كما يُستخدم هذا كذريعة لاحتلال دول عربية و وضع اليد على ثرواتها و تاريخها و هويتها و تجاهل الإذلال و القتل و السجن و التعذيب الذي يرافق ذلك للمدنيين كما يترافق ذلك مع موجة إعادة تعريف الأمة العربية و تمزيقها وفق الانتماءات العرقية و الدينية و الطائفية بعد أن تمّ تمزيقهم وفق الأقاليم و الأقطار و المدن بدلاً من تعزيز سلطة الدولة وفق الأسس الديمقراطية الحديثة و تعزيز مفهوم حقوق المواطنية بعيداً عن العرق أو الدين أو الجنس أو المذهب. إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ المنطقة العربية تشكـّل  منذُ فجر التاريخ ملتقى أهمّ تنوّع سكاني في العالم دينياً و عرقياً و مذهبياً فإننا نُدرِك حجم الأخطار المحدقة بالدول العربية الحالية ذاتها التي ظهرت من الحقبة الاستعمارية وفق مخططات و مصالح غربية و المثال سايكس بيكو،  أخطارٍ ناجمة من تفتيت هذه الدول إلى دويلات بحجّة وجود أكثرية و أقليّات، و في كلّ دولة على نسق مغاير، و ذلك من أجل الإجهاز على الهويّة العربيّة للدول العربية و في النهاية التسليم لإسرائيل كقوّة إمبريالية تماماً تحكم قبضتها على الجميع. و القضاء على العرب هنا لن يكون إبادة جماعية بل يتمّ وفق مخطط يُلغي مفهوم و وجود الأمة العربية معرفياً و حقوقياً و سياسياً و حضارياً بحيث يصبحوا مجموعات و دويلات متمايزة عن بعضها دينياً و طائفياً و إقليمياً تسعى جاهدة، كما سعت دول سايكس بيكو، إلى إثبات الذات  الجديدة و الدفاع عن وجودها من أخطار الدويلات "الشقيقة"!!

     تحمل الأخبار استحقاقاتٍ داخلية ً  و خارجية ً و بينية ً  لم يعد بإمكان العرب الدوران حولها أو تجاهلها و أقلّ ما يتطلبه هذا الخطر الداهم هو الإدراك أننا كأمـّة: حكومات و قوى سياسية و اجتماعية و نخب فكرية، لم نرتقي بأسلوب عملنا إلى مستوى هذه الاستحقاقات، و لا بدّ عند مواجهتها من الصدق و الصراحة و الجرأة و الشفافية في مواجهة كلّ المسائل المتعلـّقة بنا فإن تاريخنا المشترك قد يتحرّك باتجاه اللاعودة على مسار التمزّق■