فلسطين، العراق، سوريا ولبنان... وماذا بعد؟

31Oct. 2005

د. بثينة شعبان

ماذا يفعل العربيّ اليوم  و هو يرى الدول الاستعمارية القديمة تتحالف ضدّه بعد أن استفردت بالأمة العربية فتخطط لإعادة احتلال بلاده و فرض الوصاية عليها من جديد، هذا العربيّ  الذي يؤمن أن أهمّ أسباب  استهداف لبنان و سورية و فلسطين في هذه المرحلة التاريخية هو تميـّز لبنان على كلّ بلدان العرب بأنه يحتضن المقاومة التي حرّرت الأرض من براثن أعتى قوة عسكرية و سياسية غاشمة التي تخشى غطرستها حتى دول كبار في الغرب و الشرق فتراها تهادن مجرميها  و أن سبب حملة الحقد و الكراهية ضدّ   سورية هو دعمها للحقّ العربيّ و مقاومة الاحتلال للأرض العربية  و اعتبارها القدس و حقوق اللاجئين بأهمية الجولان؟  و ماذا يفعل العربيّ اليوم و سلطات الاحتلال الإسرائيلي تقتل الشباب الفلسطيني  يومياً و تتهم شعباً عانى من إرهاب الاحتلال أكثر من قرن بالإرهاب في وقت تتكالب فيه القوى الدولية لتبرئة الذين يمارسون إرهاب الدولة و أبشع جرائم الاحتلال و الحرب؟  و ماذا يفعلّ العربيّ و هو يرى الشباب المقاوم معصوب العينين و  مكتـّف اليدين  و يُسَاق إلى السجون فقط لأنه ما زال مؤمناً بحقوقه و أمته و يقاتل عن حريـّة العرب  و كرامتهم مهما جار عليهم الزمن اليوم من  الأهل و الأعداء على حدٍ سواء؟  و ماذا يفعل العربيّ و هو يقرأ قرار مجلس النواب الأمريكي الذي صدر بناءً على تقرير ميلتس بفرض عقوبات على أي دولة تصدّر السلاح لسورية أو تساعدها على إنتاج أسلحة متقدمة و يقرأ التقارير الدولية التي تهدف في جوهرها إلى نزع سلاح المقاومة  و نزع سلاح الفلسطينيين و بثّ الضغينة و الفتنة  بين سوريا و لبنان و اعتبار كلّ من يعشق دمشق و يرغب بزيارتها عميلاً للمخابرات السورية و كلّ من يدافع عن سورية و مواقفها دليل على  تدخلها في شؤون لبنان.  و ماذا يشعر أي عربيّ و هو يقرأ مجلة دير شبيغل الألمانية التي بذلت جهداً مشكوراً لتقصيّ الحقيقة عن رواية شاهد الزور زهير الصدّيق و تفنيد الفبركات و الدوافع وراءه بينما تتسابق جرائد و فضائيات عربية للتهليل لإدانة سورية لمجرّد عرض تقرير لشبهات لا تستند إلى وقائع أو أدلـّة؟  و ماذا يشعر العربيّ و هو يقرأ عن حركة السلام الألمانية التي فنـّدت تاريخ تحقيقات ميلس في ألمانيا و التي تلقي بكثير من الظلال على طريقة التحقيق   و تسيسه اليوم لأغراض و أهداف معروفة و معدّة مسبقاً في إسرائيل  و التي سوف تـعقد مؤتمراً صحفياً حول استنتاجات تقصياتها في الثالث من تشرين الثاني في مدينة برلين؟ و ماذا يشعر العربيّ و هو يقرأ على موقع الكاتب  و المفكر الأمريكي ويليام باولز وصف تقرير ميلتس بأنه محاولة غير ناضجة للإيقاع بسورية منتقداً وسائل الإعلام في تعاطيها مع التقرير و اعتبار الشبهات إدانة في الوقت الذي أكـّد التقرير نفسه و في مرّات عديدة بأنّ هناك حاجة لمزيد من التحقيقات و أنـّه لم يكتمل؟  و ماذا يشعر العربيّ و هو يقرأ على مواقع في الانترنت و باللغة الإنكليزية بأنّ المرحوم رفيق الحريري أغتيل  لسببين أساسيين لا ثالث لهما: وقوفه ضدّ تجريد حزب الله من السلاح و الحملة الدولية التي قادها بنجاح من أجل ذلك و رفضه لإقامة قاعدة أمريكية ضخمة على ميناء بيروت شبيهة بقاعدة العديد في قطر؟

      من علائم ضعف الأنظمة العربية هذا التشرذم و التمزّق و الانقسام و الفرقة  و أعزي ذلك أولاً و أخيراً إلى عدم نضوج المنظور الوطني و وضعه فوق المصالح الشخصية و الطموحات الذاتية. إذ بعيداً عن تخوين فرقة و اتهام أخرى بالتواطؤ و التعامل مع الأجنبي أرى أن طمع البعض في السلطة أو المنصب أو القوة و وضع هذا المنظور فوق المصلحة الوطنية العليا هو الذي قاد الشعب العربيّ في الكثير من أقطاره إلى هذه الحالة من الإحباط و هو يواجه أبشع حملة حقد و كراهية تشنـّها قوى عرفت طوال تاريخها بالعداء للعرب و بارتكاب جرائم الاحتلال ضدّ العرب  و هو الذي  شجّع الأعداء المتكالبين على نهش الكرامة العربية على  الاستهانة بالعرب،   و هو الذي سهّل تسخير بعض العرب  ضدّ البعض الآخر باسم الحرية و الديمقراطية و التقدّم و لكنّ تشخيص ما يـُخطـّط لنا من الآخرين لا يعفينا أبداً من مسؤولياتنا في تنمية الوعي الوطني و إفراز القدوة الحقيقية النزيهة و الوطنية و  المتفانية في سبيل الوطن لتقود المسار اليوم بعيداً عن الإسفاف  و التشفـّي و الغرق  في تفاصيل الفتنة التي تنعكس سلباً على الجميع لأن الجميع في سفينة واحدة و من يحفر ثقباً في السفينة لإغراق أخيه يجب أن يـُدرك أنه غارق معه لا محالة. 

و لهؤلاء الذين يعتقدون أنّ الغرب قادم لخلق ديمقراطية في بلداننا كتلك التي لديهم أدعوهم لاستذكار الاستعمار القديم الذي استعمر البلدان لنهب ثرواتها و انتهاك حرياتها و اعتقال أبنائها و لكنـّه لم يبن لها المؤسسات و الأنظمة الشبيهة بما بناه لشعبه لأنّ كلّ شعب يجب أن يبني لنفسه و هذه سـنـّة الحياة. و لمن يشكّ فيما أقول لنرى فلسطين و لماذا لا تدافع الدول العظمى عن حريّة شعبها بل تسلح إسرائيل بكلّ أدوات الفتك.  و لنرى العراق و هل هذه  الديمقراطية الطائفية و العرقية هي  التي ترتأيها الولايات المتحدة لشعبها؟؟ بل هل تحصي الولايات المتحدة خسائر الشعب العراقي  و المدنيين الفلسطينيين و هل لدى الغرب فكرة عن نوع الحياة التي يعيشها العراقيون و التي هي أقرب إلى الموت منها إلى الحياة؟ و هل دافعت عن لبنان و هو يتعرّض للاحتلال الإسرائيلي؟

     إن استهداف  سورية و لبنان في هذه المرحلة هو محاولة  لزرع  الفرقة و الشكّ و الريبة بين الشعبين الذين  يتمتعان بأقوى الأواصر و الروابط بكلّ المعايير الإنسانية و التاريخية و الاجتماعية و الاقتصادية.  لقد اُغتيل رفيق الحريري لأنه كان سنداً لسورية و للبنان  و فلسطين و لأنه كان قيمة هامة للوضع العربيّ  و تفاعلاته على المستوى الدولي و اُغتيل من أجل استكمال مخطط استهداف الجذوة العربية المتبقية و المتمثلة بالأواصر السورية – اللبنانية، فهل يدرك الجميع أنّ الحقيقة هي أننا جميعاً مُستهدفون و أنه يتمّ استهداف  خيرة أبنائنا من أجل استكمال هذا المخطط القديم الجديد الهادف لإنهاء الهوية العربية و الحضارة العربية و تتويج إسرائيل قوة امبراطورية وحيدة في منطقة الشرق الأوسط؟  لقد غرق العرب في نزاعاتهم الجانبية   وهذه فرصتهم  ليصلوا مرحلة  يوقنوا فيها  أنّ عليهم بناء بلدانهم  وعلاقاتهم على أسس الوحدة القومية التي بذل الطغاة و الأعداء على حدٍ سواء أقصى جهودهم لتخريبها و أن معركتهم ليست مع أبناء قومهم بل من الذين يستهدفون وجودهم و حضارتهم و هويتهم. هل يمكن للجميع في لبنان و سورية و فلسطين أن ينظر لحظة ماذا بعد هذه التقارير وما الذي ستكون عليه الأمور في مشرقنا العربيّ  بعد  سنوات من الآن و من سيكون المستفيد الأكبر من مجريات الأحداث التي خطـّط لها و نفـّذها ألدُّ أعداء  الأمة■