في زحمة الأحداث.. كيف أغفل العرب تلك الاستراتيجية؟
24Oct. 2005
بثينة شعبان
علّ أجمل ما قرأت في الفترة الأخيرة هو تعليق الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بنتر على فوزه بجائزة نوبل للآداب حين سأل: لماذا؟ عندما قيل له ان لجنة نوبل تطلب الكلام معه على الهاتف. و في هذا السؤال تواضع شخصية أدبية سياسية اتخذت مواقف جريئة ضدّ الحرب والظلم وكلّ ما تسبب بالمهانة لكرامة الإنسان. و يأتي سرده لتفاصيل حياته اليومية ووهنه الجسدي ليضيف إلى تواضع رجل يعتبر تقديم كأس من العصير له من قِبَل زوجته تعبيراً عن حبّ زوجي ما كان ليتألق لولاه. ولا يضاهي خبر فوز بنتر المفكر المسرحي والسياسي سوى خبر فوز نعوم تشومسكي بلقب المفكـّر الأول في العالم.
والرائدان أبدعا في مجالات اختصاصهما ولكنهما تجاوزا الاختصاص ليصبحا صوتيّ الحقّ والعدالة ونصرة القضايا العادلة في العالم. ولكنّ الاهتمام بالثقافة والفكر وجائزة نوبل للآداب يحتاج إلى جهاد عظيم مع النفس اليوم لكل من يسكن منطقة الشرق الأوسط لأن الأخبار تتركه في حالة دفاع عن النفس والعقل والوطن والهوية واللغة، ويبقى كمن يحتضن طفله وسط إطلاق رصاص غادر ينهمر عليهما من كافة الجهات، ولا يضير أو ينفع أن يعلم أسبابه أو أهدافه ومبتغاه أو لا يعلمه. وعلّ أفضل اسلوب لفهم ما يدور اليوم في هذه المنطقة المُستَهدَفة منذ قرن بالاحتلال والحروب والفوضى يكمن في العودة إلى قراءة استراتيجية رأت النور في عام 2000 فهي قديمة، و بدأت فقراتها تجد طريقها إلى التطبيق تحت مختلف الذرائع والحجج فهي جديدة أيضاً. الاستراتيجية تحمل عنوان: «اختراق نظيف: استراتيجية جديدة لضمان المنطقة». شارك في وضع هذه الاستراتيجية كل من ريتشارد بيرل، و جيمس كولبيرت، و تشارلز فيربانكز، ودوغلاس فيث، وروبرت لوينبرغ وجوناثان توروب، ودافيد ورمسر، وميراف دومسر. تهدف هذه الاستراتيجية إلى السيطرة على المنطقة وتغييرها لتكون «الشرق الأوسط الجديد». و يـُقصد بالاختراق النظيف وضع استراتيجية لعملية سلام على أساس جديد كلياً، وتتضمن هذه الاستراتيجية خطواتٍ أساسية لتنفيذها منها:
Ø العمل مع تركيا والأردن لاحتواء و زعزعة وصدّ التهديدات الخطيرة الموجّهة لإسرائيل.
Ø الابتعاد كلياً عن شعار «السلام الشامل» واستبداله بمفهوم توازن القوى.
Ø تغيير طبيعة علاقة إسرائيل مع الفلسطينيين، بما فيها الاحتفاظ بحقّ مطاردة الفلسطينيين في كلّ المناطق الفلسطينية ومصادرة المزيد من الأراضي.
Ø صياغة علاقة جديدة مع الولايات المتحدة تعتمد على أن إسرائيل أصبحت دولة ناضجة وقادرة على الاعتماد على ذاتها، وتسعى لتنسيق استراتيجي مع الولايات المتحدة في المسائل ذات الاهتمام المشترك. هذه الاستراتيجية تعني نهاية العمل بالشعار «الأرض مقابل السلام» وترسيخ مبدأ بديل هو «السلام مقابل السلام» أي تحقيق السلام من خلال استخدام تفوق القوة لدى إسرائيل كما تقرّ الاستراتيجية أنّ ادعاء إسرائيل بحقـّها في أرض فلسطين هو ادعاء «مشروع و نبيل»، وفقط «القبول غير المشروط للعرب بهذا الحق الإسرائيلي في الأرض» يمكن أن يحقق السلام في المنطقة. أي أن «السلام مقابل السلام» مع احتفاظ إسرائيل بالأرض هو الأساس الوحيد لسلام المستقبل. وترى الاستراتيجية أن سورية وحزب الله وإيران هي القوى الأساسية التي تقف في وجه طموح إسرائيل في فرض هيمنتها على المنطقة، ولذلك يرى واضعو الاستراتيجية من المهم «ضرب سورية مباشرة والعمل على تفكيك هذه القوى الأساسية ورفض مبدأ الأرض مقابل السلام في الجولان وإنهاء فكرة السلام الشامل، والتحرّك لاحتواء سورية بكافة الوسائل الممكنة».
وطبعاً نصّت الاستراتيجية على أن العراق هدف استراتيجي أيضاً. والهدف النهائي هو إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بما يلائم هذه الأهداف والتوجّهات. كما نصّت الاستراتيجية على تغيير العلاقة مع الفلسطينيين بحيثُ يفهم العالم أنهما طرفان متحاوران. وكذلك «تحديد العرب المستعديّن للتعاون مع إسرائيل لتنفيذ هذا المخطط والحصول على مساعدتهم القيّمة وإغراء العرب الآخرين بالأموال و بالعلاقات مع الولايات المتحدة للتعاون معها». وهكذا فإن استراتيجية إسرائيل الجديدة بالتوصل إلى السلام من خلال القوة يعكس قوة إسرائيل حتى في أنظار أوروبا والغرب بأنها دولة ناضجة وتعتمد على ذاتها ويسمح لإسرائيل بصياغة المناخ في المنطقة بطريقة يمنحها القدرة للتركيز على هويتها، وبهذا لا تدير الصراع العربي الإسرائيلي فقط، بل تتجاوزه لتشكل «قيادة فكرية وأخلاقية للشرق الأوسط وتصبح إسرائيل القوية والغنية والمنيعة الأساس لشرق أوسط جديد وأمن».
بعد خمس سنوات من وضع هذه الاستراتيجية يغرق العرب في تفاصيل يومياتهم وتهيج قنوات فضائية وجرائد عربية عرباً ضدّ عرب آخرين، وتستخدم إسرائيل الأمهات الفلسطينيات دروعاً بشرية لإلقاء القبض على أولادهم الأمر المناقض لكلّ الأخلاق والشرائع الدولية وتكتب جريدة الغارديان في عددها الصادر في 18 تشرين الأول 2005 أن عدد المستوطنين في ازدياد بعد أن احتلّ شارون في الضفـّة الغربية أرضاً تفوق مساحة الأرض التي انسحب منها في غزة. كما توجّه طعنة لهوية وتاريخ العراق كلّ يوم فالأخبار تنشغل بمحاكمة صدّام بينما يتمّ هدم تمثال أبو جعفر عبد الله المنصور باني مدينة بغداد التي أسماها مدينة السلام لتكون عاصمة الخلافة الإسلامية. كما يقبع آلاف العرب والفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وتغتال إسرائيل أو تسجن من تشاء، وتقرر أخيرا سياسة فصل عنصرية في الضفة بحيث لا يسمح للفلسطينيين استخدام الطرق التي يستخدمها المستوطنون. وتكتب الغارديان البريطانية بعد مجزرة في العراق قـُتِل فيها سبعون شخصاً «بأن القصف الجوي الأميركي قتل مدنيين في العراق» بينما تكتب الجرائد العربية أن «مسلحين قد قـُتِلوا». والأمثلة عن الفوضى الفكرية والأخلاقية والمعلوماتية في العالم العربي أعقد من ان تسرد في هذه العجالة. و لكنّ المهم هو أن الاستراتيجية الإسرائيلية تحدّثت عن «تحويل الشرق الأوسط إلى مملكة لإسرائيل» بعد الاحتفاظ بأرض العرب ومياههم و إظهار قوتها للعالم وفعل كلّ ما يتطلبه ذلك بالقوّة. فهل يمكن اليوم لمن يحاول تعريف نفسه من خلال الطائفة أو العرق أو القطر أن يراجع في ذهنه ما حدث لكلّ الفرقاء العرب ـ المنتصر منهم والمهزوم، المستهدَف حالياً بالعدوان والاحتلال والمستبعَد ـ في السنوات الخمس الماضية ليرى أنّ الخسارة هي خسارتهم جميعاً وأن المستفيد الوحيد هو الذي يخطط «للعرب» بصيغة الجمع دون التفريق بينهم على أساس الأديان أو الطوائف أو الأقطار. فهل سيأتي يوم يبدأ العرب ببناء ذواتهم من الداخل ووضع الاستراتيجيات والخطط لما يريدون وعدم الاقتصار على ردود الأفعال والتي مهما بلغت لا تستطيع تغيير دفة التاريخ؟ هل يرى الآخرون كما أرى أنه على الساحة العربية لا يوجد منتصر أو منهزم بل تفصيلات لخطط و تجليـّات لاستراتيجيات تستهدف تغيير هوية المنطقة العربية إلى منطقة جديدة لا يوجد للعرب والعروبة فيها مكان، وما الحرائق التي يشعلونها هنا ثمّ هناك، وما الأحداث التي تتوالى على هذا القطر العربي أو ذاك، وما الوعود لهذا النظام والضغوط على ذاك، إلّا تفاصيل لمراحل المخطط التنفيذي لاستراتيجية الهيمنة■