زمـــــن المــــوت أم زمــن الانبعاث؟؟
17Oct. 2005
د. بثينة شعبان
بعيداً عن الإحباط و التشاؤم و الانهزامية فإن هذا الزمن يجب أن يـُوصَف بأنه زمن الموت في منطقتنا، الموت المجانـّي حيناً و العبثي حيناً آخر الذي مللنا من سماعه و عجزنا عن معالجة أسبابه. و للموت أشكاله و أسبابه كما أنّ له ألوانه و امتداداته بشكلٍ صريح أحياناً و مجازي أحياناً أخرى و بشكلٍ مطلق و كامل حيناً و نسبيّ أو تدريجي أحياناً أخرى. فقد ماتت أو تكاد محاولات الكتـّاب العرب التوصل إلى رؤية فكرية واحدة تنطلق من مقوّمات وجود الأمّة لتصبغ مؤسساتها الفكرية بصبغة تُشعِرُ الأجيال الشابّة بوحدة الانتماء و المصير مـَثـَلُ القومية العربية في ذلك مـَثـَلُ القوميات الأخرى التي تزدهر اليوم أممها و دولها الموحّدة. فمع موت فكرة الدولة العربية بظهور الدول التي خطـّط لها غيرنا توحّدت شعوب لتولد دول مثل الهند و الصين على أسس الدولة القومية. و ظهر عوضاً عن الدعوة القومية العربية دعوات انتحارية لإقناع كلّ فخذٍ من قبيلة أن مصيرها غير مرتبط بمصير القبيلة ككل، بل إن سلامتها و ازدهارها قد يعتمد على دقّ إسفين في نعش الآخرين. كما أن النهضة الفكرية و الأدبية التي تجاوزت الحدود القطرية في ثلاثينات و أربعينيات القرن العشرين ماتت مع أفول القرن ذاته و بدأت جدران الفصل القطرية ترتفع و تتجذّر في وجه الروح العربيّة الطامحة إلى الوحدة المعبّرة عن طموحات العرب بين مغرب العالم العربي و مشرقه. و لكنّ الخطورة الحقيقية اليوم تكمن في أن الإعلام الحديث الذي دخل كل منزل قد أصدر حكم الإعدام على تلك الطموحات و استغرق في تمويل اتجاهين اثنين أحدهما لا يقلّ خطراً عن الآخر: الاتجاه الأول هو أن يكون ناقلاً فقط لكلّ ما تصدّره له وسائل الإعلام الأخرى دون تدخـّل أو تحرير أو تدقيق و بذلك أصبحت قضايانا تـُصدّر إلينا من قِبـَل من يخطـّط و يعمل لتدمير هويتنا و اغتيال انتمائنا القومي.
و رغم كل المال العربي، الذي تـُحسَدُ أمتنا عليه، فلا توجد إلى حدّ اليوم وكالة دولية تنشأ الخبر من وجهة نظر عربية، أي لا توجد مرجعية عربية إعلامية للحدث و لا يوجد إنتاج عربي حقيقي للفكر و المعرفة فأصبحت قضايانا بذلك رهائن الإنتاج الفكري و المعرفي و التسويق الإعلامي لمن يستهدف موت هذه الأمـّة و دفن حقوقها و حضارتها و إنهاء بقاءها. ومع تردّي مستوى الجامعات وندرة مراكز الأبحاث فقد مات الإنتاج العربي للفكر و الإعلام في خضمّ استهلاك الفكر و الخبر المسبق الصنع. و الاتجاه الثاني هو تسطيح وسائل الإعلام المحليّة، خاصة تلك المتـّجهة للشباب، بحيث تصبح البرامج الفارغة من أي مضمون أشهر البرامج و يحدث موت حقيقي للصلة الفكرية بين جيل نشأ و تربّى على قيم الوحدة القومية لكن دون أي يضع آليات عمل لترسيخ الأصيل من التراث، و بين جيل يرى في ما يصله من حداثة الغرب مـَثـَلـَهُ الأعلى و خلاصه الأوحد دون أن يكون بالضرورة مدركاً لأبعاد انتمائه أو حتى مطلعاً بشكلٍ حقيقي على تراثه و تاريخه أو حتى متقناً للغته التي هي من أجمل لغات الكون و تمتلك أدباً و فكراً و فلسفةً و شعراً أصبح محنـّطاً على رفوف بعض المكتبات الكبرى مع وجود مئة مليون أميّ عربي و ندرة القرّاء من المتعلمين في العالم العربي.
و لكلّ هذه الأسباب، و ربما غيرها، أقرأ عن معاناة أمهات عراقيات مع صورهن و أسمائهن في جرائد أجنبية، و أرى في لندن مسرحية عن راشيل كوري التي قتل شبابها حقد بلدوزرات الاحتلال الإسرائيلي و هي تدافع عن أطفال فلسطين، و لا أقرأ أو أرى مثيلاً لذلك في عاصمة عربية. و بعد أن تنكـّرت وسائل الإعلام العربية عن حقّ العرب في تقرير المصير، ماتت على صفحات الجرائد و الشاشات الكثير من الحقوق العربية بما في ذلك أن ينتفض العربي دفاعاً عن كرامته و حريته في وجه الظلم و الاحتلال فينبري بعض المهزومين داخلياً ليؤكدوا أنّ هذا ليس عربياً أو أن هذه ليست وقفة شجاعة لأنه لم يعد هناك شجعان بين العرب يحترمون ذاتهم أو يثورون ضدّ المهانة و الظلم و بهذا تكامل زمن الموت في عالمنا العربي ليترافق قتل الأبرياء في العراق و فلسطين و مؤخراً في لبنان مع انهزام أقلام المثقفين المتمثـّل في عجز الإعلام و الفكر عن الصمود في مرحلة تستهدف ترجمة سايكس بيكو إلى واقع لا تعرف أجيالنا المستقبلية سواه. فلا تدرس في الجامعات القصـّة العربية و الشعر العربيّ بل تتحول إلى قطريتها الضيـّقة و تخلق اذرع إخطبوط لحفنة من رمال بينما تتجاهل الامتداد الطبيعي للغة الضاد و المصلحة المشتركة و القرب العاطفي و الجغرافي و الحقيقة الأبدية و هي أننا أمة واحدة و أن علينا أن نتوحّد مع بعضنا و نتبادل المواقف و البضائع و نزدهر كأمة واحدة مَـثـَلـُنـَا في ذلك مـَثـَلُ الأمم الحيـّة الأخرى. إن السبيل الوحيد للتمكـّن من الدفاع عمّن يـُقصَفون و يـُقتـَلون أو مِّمن تـُعصَب أعينهم يومياً و تـُقيّدُ أيديهم و يُسَاقون إلى سجون الاحتلال بإذلال مشين هي أن ننتفض في الحياة و أن نرفض الموت المفروض علينا فكراً و إعلاماً أو واقعاً اقتصادياً و سياسياً و قومياً. لقد كان المثقفون دائماً المنارة التي أضاءت الطريق لكل الأمم الحيـّة و كان الإعلاميون العرب دوماً حملة الشعلة القومية من جيل إلى جيل و كان عشـّاق اللغة العربية في الكنائس و الجوامع حفظة اللغة الحريصون عليها و الناقلون لها من جيلٍ إلى جيل فما الذي دهاهم اليوم بحيثُ يستبق حملة الأقلام كلّ أنواع الموت و يشيّعون موت الأمـّة و اللغة و الأواصر القومية؟؟
و الأدهى من ذلك أن بعض الأقلام اليوم أصبحت أقدر على الأذى و أشدُّ فتكاً بكلّ ما يبشّر بالخير أو الصمود و بكلّ من يحاول النهوض أو استنهاض الضمائر و الهمم – و هم الحمد لله مازالوا موجودين و لو قلـّة و تظهر أصالتهم في الأزمات- من أجل مستقبل أفضل نتركه لأولادنا من بعدنا. و لا شكّ أنّ ظهور مثل هذه الأقلام و الوباء الذي تنشره هو إحدى علامات الانقراض الحقيقية التي أصابت أمما قبلنا و علينا أن نعترف بها اليوم لكي نواجهها و المشكلة الأساس هي أنّ المهزومين من الداخل يشكلون ظاهرة و يمتلكون أدواتٍ تفوق بقدرتها و إمكاناتها أدوات المؤمنين بمستقبل أفضل للعرب و لكن غير القادرين بالضرورة على امتلاك أدوات التعبير عنه و الترويج له و استكمال أسباب ولادته. و لنعمل و قبل كل شيء على صنع أدوات تقييمنا نحن التي تخدم مصالح أمتنا فالجريدة الأهم عربياً هي التي تمتلك مرجعية عربية أصيلة و القناة الأهم يجب أن تكون الأحرص على حقوق العرب و الشخص الاهم هو الذي يقف عربياً كالطوّد في وجه العاصفة ليقول كلنا أولاً و كلنا ثانياً و كلنا سوياً، قدَرُنا واحد.
كل هذه الأوجه من الموت الفكري و الإعلامي إذاً هي التي تقود بشكل تدريجي و بطيء إلى شبح الموت السياسي لقضايانا في أذهان العالم و في المحافل الدولية. و الحلّ إذاً هو أن نبدأ بالعمل على بعث الحياة في الفكر و الثقافة و الإعلام العربيّ عبر تأصيل التراث و مواكبته مع الحداثة دون التخليّ عن الأول أو الانجراف السطحي و غير المدروس نحو الثاني، و مقاومة الموت و الإذلال الذي يتعرض لهما العرب في فلسطين و العراق و غيرها. و من خلال إعادة إحياء الشعور بالهوية و الكرامة إذ لا كرامة لشعب لا يحتفي و يفاخر بهويته و لا عزّة لشعب لا يفكر بنفسه كأمة لا كمجرّد أفراد متناحرين واحد ضدّ الآخر. أولم يحن الوقت لإدراك كل مظاهر الموت التي تعتري العديد من جوانب الأمة و تتسرب إلى كلّ أوجه حياتها من أجل وضع الأسس لإنقاذها و إعادة الهيبة و الكرامة لحضارتها و حقـّها في الحرية؟؟■