من المستفيد من قصف الجسور ..؟
10Oct. 2005
د. بثينة شعبان
لا بدّ من تمحيص الخطاب الأخير للرئيس بوش وإغنائه بوجهة نظر عربية مهتمة أيضاً بالحرية والديمقراطية والسلام ودحر الإرهاب، ووضع حَدّ لاستهداف المدنيين الأبرياء في كلّ مكان بمن فيهم المدنيون في العراق وفلسطين، وربما في بلدان أخرى مثل سورية التي استهدفها الرئيس بوش في خطابه الاخير، وذلك من منظور الحرص على العلاقة بين الغرب والشرق، وعلى العلاقة التاريخية بين معتنقي الديانات الثلاث في الشرق الأوسط والعالم.
ومن هنا، وقبل البدء في عملية التمحيص، لا بد من التذكير بأنه وفي الوقت الذي كان الرئيس بوش يتحدث أمام المعهد القومي للديمقراطية، قامت القوات الأميركية في العراق بتدمير ثمانية جسور جديدة، وهذه المرة على نهر الفرات بعد أن دمّرت جسور بغداد ومدن عراقية اخرى في مرات سابقة. كما قام إرهابيون إسلاميون، وهم بالمناسبة ظهروا فجأة في العراق دون سابق عهد بعد الحرب على العراق، بقتل عشرات المصلّين وهدم مسجد أثري في الحلّة لينضمّ لعشرات المساجد الأثرية التي دمّرها إما الأميركيون أو الإسلاميون، ولينضم ضحايا القتل الجماعي إلى مئات الألوف من المدنيين العراقيين الذين يقتلون منذ «تحرير» العراق على يد الأميركيين أو الإسلاميين! وفي الوقت ذاته نقلت مستشارة الرئيس بوش، كارين هيوز، نتائج رحلتها إلى الشرق الأوسط والتي تتلخص بنقطتين أساسيتين: الأولى هي أنها وجدت أن إقامة الدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية إنما هي قضية مركزيّة لدى جميع المسلمين من تركيا إلى مصر والسعودية، وأنه لم يكن لدى من قابلتهم هيوز قناعة بأن الرئيس بوش ملتزم فعلياً بإقامة هذه الدولة. والنقطة الثانية هي أن الشعب السعودي (وأنا أضيف لها والسوري واللبناني والفلسطيني والعربي برمته)، يشعر بأنه مهدّد فعلاً بالإرهاب «بالقدر ذاته» الذي يشعر به الأميركيون بتهديد الإرهاب، وأنها تظن أن «الأميركيين لا يعرفون هذه الحقيقة». الأمر الآخر الذي يحمل مغزاه هو أن السيرجنت السابق في قوات مشاة البحرية الأميركية جيمي ماسي نشر كتابه «اقتل اقتل اقتل« في فرنسا لأنه لم يجد ناشراً يقبل نشره في أميركا(!) حيث أكد ماسي أن أفراداً من وحدته اعتادوا قتل المدنيين في العراق «نتيجة المبالغة في الشعور بالأخطار».
ومهمة كارين هيوز الأخيرة تذكّر بالمهمة التي أوكلت عام 2003 للدبلوماسي الأميركي إدوارد جيرجيان لتقويم السياسة الخارجية الأميركية في العالم الإسلامي وتقديم اقتراحات عملية لإصلاحها. ومع غنى وأهمية التقرير الذي قدمه جيرجيان والذي قال فيه: إن العرب والمسلمين يؤيدون القيم الأميركية ولكنهم يعتقدون أن «سياسة أميركا تتناقض مع هذه القيم» وأن 80% من أسباب الشعور المعادي لأميركا ينبع من سياستها تجاه العرب والمسلمين وخاصة تجاه القضية الفلسطينية والآن تجاه العراق.
بالإضافة إلى تجاهل ما توصل اليه جيرجيان وهيوز فإن خطاب بوش أمام المعهد القومي للديمقراطية اعتبر بلاد الإسلام من «إسبانيا» (ربما يقصد المغرب، فإسبانيا ليست بلدا مسلما منذ 800 عاما!) إلى اندونيسيا خالية من المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن العلمانيين والمفكرّين والإصلاحيين، ولا يقطنها سوى بن لادن والزرقاوي وأمثالهم، وأن أميركا و«الدول المتحضرة» تتحمل عبء مواجهة هذا «الخطر الإرهابي الإسلامي» وأنها لن تنثني عن جهودها إلى أن تدحر هذا «الخطر الإسلامي» الذي ضخّمه الرئيس بوش كعادته وأسماه «إمبراطورية ديكتاتورية»، وأظهر بن لادن والزرقاوي وكأنهما قادران على اجتياح العالم بأسره، بالطريقة ذاتها التي كان يبالغ فيها بالقدرات العسكرية العراقية وأسلحة الدمار الشامل التي لم تكن موجودة أبداً..!
إن استخدام الرئيس بوش عبارات مثل «الفاشية الإسلامية» و«الجهاد العنيف» و«الإرهاب الإسلامي» هو استخدام يستهدف إدانة كل من له صلة بالإسلام، ففي حين لا يجوز وصم أميركا والأميركيين بغوانتانامو، وأبو غريب، والفلوجة والخ.... فهل يجوز لأي كان الربط بين الإسلام وأعمال إرهابية يقوم بها إرهابيون ينتمون لجماعات دينية كانت دوما معزولة في مجتمعاتها ولكنها كانت على صلة بأجهزة المخابرات الغربية بما في ذلك الاميركية. كما قام بها أتباع ديانات أخرى، بمن فيهم كاثوليكيون ومسيحيون ويهود وسيخ وبوذيون وهندوس وأيضاً ملحدون وشيوعيون لأعمال ارهابية، وشملت مدن العالم كله دون أن يقدم أحد على ربط هذه الأديان بالإرهاب، أو اعتبار الأعمال الإرهابية التي قام بها أفراد أو جماعات سياسية أو دينية تعبيراً عن الآيديولوجية او الدين نفسه، رغم أن إسرائيل تعلن للملأ قتلها عبر عمليات الاغتيال وتفجيرها للمباني والفنادق... الخ أبرياء منذ تأسيسها إلى اليوم، ولا أحد يربط بين هذا القتل والدين اليهودي. إذاً لا بدّ من استخدام عبارات «الإرهاب والإرهابيين» في هذه المرة أيضاً دون ربطها من قريب أو بعيد بالدين الإسلامي الحنيف وأتباعه وقيمه، لأن في هذا إيذاء لمشاعر مئات الملايين من المسلمين الذين هم مستهدفون أيضاً من قبل الإرهابيين أنفسهم، ولأنّ في هذا الربط إهانة للذين يناضلون في مجتمعاتهم ضدّ التطرّف والتكفير والقتل والدمار.
أهمل الرئيس بوش في هذا الخطاب أيضاً حقيقة أن العرب والمسلمين هم أيضاً ضحايا الإرهاب نفسه. فقد ذكر دانيال بيرل ونيكولاس بيرغ ومارغريت حسن وهم فعلاً من ضحايا الإرهاب الذي ساد العراق منذ احتلال قوى الائتلاف الغربي له، ولكن الرئيس بوش لم يذكر أياً من أسماء العلماء العراقيين وأساتذة الجامعات والأطباء والصحافيين والفنانين، والذين يقتلون يومياً، منذ داست أقدام القوات الأجنبية أرض العراق قبل أكثر من عامين، وبالمناسبة فالمستهدفون في جرائم القتل الإرهابية هذه هم العلمانيون والليبراليون من العراقيين الذين يرفضون تقسيم شعبه على أسس دينية أو عرقية، ولم يذكر مقتل أكثر من مائة ألف مدني عراقي منذ احتلّ الجيش الأميركي بلادهم، ولم يأت حتى على ذكر أخطار الحرب الأهلية التي قد تقود المنطقة إلى أسوأ مرحلة في تاريخها. إن ما يدور في المنطقة وخاصة في العراق ليس نقاشاً بين طوائف أو أعراق بل بوادر تفتيت الشعب إلى طوائف وأعراق وهو نوع جديد من «الديمقراطية« تعمد إلى خلق التكريس السياسي للتعددية الدينية والعرقية، بديلاً عن التعددية السياسية العلمانية، وهذا أخطر ما تواجهه منطقتنا اليوم.
لقد عاش أتباع جميع الأديان والأعراق ضمن نسيج شعب واحد لآلاف السنين في العراق وسورية والشرق الأوسط، أما اليوم وبعد الحرب على العراق، تبدو «الديمقراطية« وكأنها تعني الصراع الطائفي والفصل العرقي بدلاً من توفير البنية الأساسية لنظام يلتزم التعددية السياسية والعلمانية، وهو ما يطمح للتوصل إليها شعب المنطقة برمته.
النقطة الثالثة هي أن كلّ ما تقدم به الرئيس بوش من معلومات قال إنها تأتي من مصادر مختلفة ومتعددة هنا وفي الخارج، ولكنه وفي النهاية يعتمد على المصادر نفسها التي أكدت له وجود أسلحة دمار شامل في العراق، وأن الشعب العراقي سيستقبل الجيش الأميركي بالزهور! هذه المصادر ذاتها التي تقنع الرئيس بوش الآن أن سورية وإيران تؤويان الإرهاب وتشجعان عليه.
وليس على من يريد المعلومات الصحيحة سوى أن يستمع لما قالته سورية في ذلك الوقت، وهو أن العراق لا يملك أسلحة دمار شامل، وأن الحرب على العراق ستزيد مساحة الإرهاب في العالم، لأن الإرهابيين يعيشون على الفوضى، وأن الشعب العراقي منهك بنتيجة الحصار. لذلك لابدّ للرئيس بوش من أن ينتقد مصادر معلوماته والتي ما زالت تقود سياسات حكومته في الاتجاه المعادي لطموحات وآمال شعوب المنطقة. ويا حبذا لو أن الرئيس بوش يعيد قراءة تقرير كارين هيوز وقبل ذلك تقرير إدوارد جيرجيان، وليستمع إلى مصادر تريد بناء وازدهار المنطقة، لا مصادر تمتلك حقداً دفيناً على العرب والمسلمين والحضارة العربية، وتريد تدمير هذه الحضارة بإغراقها في الإرهاب والحروب والخراب والدماء، وكل ذلك من أجل أن يبقى الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والقتل الإسرائيلي اليومي للفلسطينيين. وللأسف الشديد لم تحظ ما أسمتها هيوز «القضية المركزية بالنسبة لمئات الملايين من المسلمين»، ألا وهي فلسطين، والتي تنزف دماً ودماراً وألماً يومياً بكلمة واحدة من الرئيس بوش في خطابه الأخير. إن أهم معلومة يتمّ حجبها عن الرئيس بوش هي أن أبناء هذه المنطقة ذوو ذكاء وتجارب وعمرهم آلاف السنين، ولا تقنعهم العبارات إلا إذا اقترنت بالأفعال وحجب معاناة العرب والمسلمين عن الجمهور الأميركي، وربما عن الرئيس بوش لا يساعد أبداً في التوصل إلى حلول.
والملاحظة الأخيرة هي أن الرئيس بوش قد تجنب كلمة «سلام» في خطابه مع انها أساسية في حل أزمات المنطقة وفي محاربة الإرهاب، وركز على «الديمقراطية» وهي التي ارتبطت في العراق بالإرهاب والفوضى والطائفية. ولكنّ الحقيقة هي أن صنع السلام العادل والشامل لشعوب المنطقة على أساس قرارات الشرعية الدولية، يبقى الأساس الفعلي لتجفيف منابع الإرهاب وإرساء أسس الديمقراطية المرتبطة بالعدالة والرفاهية والازدهار لشعوب المنطقة.
وكخطوة أولى يفعل حسناً الرئيس بوش أن يصادق على قرار مجلس الشيوخ «بمنع معاملة المعتقلين بقسوة وبشكل غير إنساني وذل»، لأن هذا الإجراء الذي يمنع إخضاع أي فرد تحت حراسة أو رقابة حكومة أميركا فعليا، ومهما كانت جنسيته ومكان اعتقاله، للتعذيب الذي سماه مجلس الشيوخ «معاملة أو معاقبة قاسية وغير إنسانية أو مذلة»، هو الخطوة الأولى لإعادة اعتبار البشر أسرة إنسانية واحدة متساوية في الكرامة حرّة في داخلها أو عاملة من أجل الحرية لا أن يتم تقسيم العالم إلى «متحضر وآخر غير متحضر« أو «حرّ وآخر غير حرّ» بناء على مصادر معلومات ألحقت أبلغ الأذى بالشعب الأميركي وبالمسلمين. فهل يسمح لها الرئيس بوش أن تستمر أم يتخذ خطوة شجاعة بالإنصات لمن يريدون الخير للعالم كلّه، على أسس من المحبة والوئام المبني على العدالة والكرامة. هناك حاجة لبناء الجسور بين الغرب والمسلمين، بين العالم والشرق الأوسط، بين الأمة العربية وأميركا وليس إلى قصف المزيد من الجسور في العراق، وفرض حياة لا طاقة للبشر بها على أبناء منطقتنا باسم «الديمقراطية»، التي تلوثت مسبقاً بالمجازر والإرهاب والحصار والعقوبات والسجون والتعذيب..!