«الحريّة» الغربية و جدران «برلين» الجديدة
11July 2005
د. بثينة شعبان
رغم كثرة التظاهرات والمبادرات التي عبّرت عن نفسها بطرق موسيقية وفنية وفكرية مختلفة في الأسبوع الماضي ضدّ قمّة الثماني وحول القارة الأفريقية فقد استرعت انتباهي مبادرة الشبّان والشابات الثمانية الذين التقوا رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وسلموه مبادرة هي الأولى من نوعها لتشكيل نواة للمواطنة في العالم أجمع، وستـُعمّم لاحقاً عبر كلّ المدارس الثانوية في بريطانيا. وأهمية هذه المبادرة هي أنها باستحضارها إعادة الاعتبار للمواطن والإنسان في العالم أيّاً يكن عرقه أو لونه أو دينه أو جنسيته قد وضعت إصبعها على الجرح الذي ينزف نقمة وغضباً وإرهاباً وعنصرية. وإذا ما اخترقنا ظواهر الأمور ونفذنا إلى حقيقة ما يجري في أفريقيا والمنطقة العربية نلاحظ أن سياسات التمييز التي ترتكز في أعماقها إلى نظرة عنصرية دونية للشعوب الأخرى هي مصدر كلّ الأزمات التي تعاني منها الشعوب في هاتين المنطقتين وأنّ تطبيق مقياس على الشعوب الأوروبية والغربية عموماً ومقياس آخر مختلف تماماً في العمق والجوهر على شعوب آسيا وأفريقيا هو مصدر الخلل الحقيقي ويبدأ هذا المقياس من استهلاك الفرد للمياه والكهرباء إلى حرية العلم واختيار الجامعات والتخصصات. فقد كان لافتاً جداً خلال هذا الأسبوع أن الولايات المتحدة كانت منشغلة بنجاح علمي كبير حققه العلماء الأميركيون في توجيه قذيفة كونية نحو مذنّب «تمبل 1»، بينما كانت العواصم الأوروبية تنتظر المدينة صاحبة الحظّ السعيد التي سيقع عليها الاختيار لإجراء أولمبياد 2012 في حين كان قادة الدول الثماني يفكرون بالعشاء الفخم الذي سيجمعهم ويتحدّثون فيه عن المنافسة في التقدّم العلمي في جامعاتهم ومراكز أبحاثهم بعد أن اقتسموا مصادر الطاقة والمعادن والغاز والحجارة الكريمة في أفريقيا وبعد ان تباحثوا في إعادة السيطرة على أرض الأنبياء في الشرق الأوسط واستحضار قيم العولمة الغربية التي لم يفطن لها الرسل (سابقاً!) ليعلـّموا العرب بها، رغم أنهم هم الذين اختارهم الباري عز وجلّ لهداية البشرية بالأبجدية والحضارة والدين والتعايش وربما ليناقشوا كيف يعلـّمون أحفاد الرسل والأنبياء العيش في «حرية» خلف جدران الفصل العنصري، وكيف تسود «الديمقراطية» في ظل الخراب والدمار والتمزّق الطائفي والتمييز العنصري والقهر والاحتلال والاستيطان الأجنبي البغيض.
في هذا الأسبوع اجتمع قادة الدول الأفريقية للتوصل إلى قرارات يرفعونها إلى قادة الدول الثمانية لإلغاء الديون عن أفريقيا ولكن الرئيس جورج بوش اشترط ربط المساعدات للدول الأفريقية بمدى مكافحتها للفساد والالتزام بالقيم «الديمقراطية»، وبعد أن يتأكد من أنّ الحكومات ستستثمر أموالها في تنمية شعوبها... وتحارب الفساد! وكأن أحداً لا يعلم كيف تعمل الشركات الغربية على دعم الدكتاتوريات ونشر الفساد في هذه البلدان وغيرها من أجل الاستمرار في نهب المواد الأولية بينما يعاني مالكو ومستخرجو هذه المواد من فقر مدقع، وعنف، وجوع، وأوبئة الإبادة.
وإذا ما أردنا أن نقيس ما يجري في أفريقيا على الوضع في الشرق الأوسط فإن أول ما يجب تسجيله هنا هو أنّ الغرب الذي تغنـّى لعقود طويلة بهدم جدار برلين وسلـّط الأضواء اللا متناهية على كلّ من كتب ضدّ الجدار وتظاهر ضدّ الجدار، واعتبر كل نشاط مناهض للجدار دعماً للحريّة والديمقراطية، هذا الغرب ذاته يتجاهل اليوم تجاهلاً مطلقاً جدار فصل عنصري يمزّق أوصال الضفـّة الغربية الأرض التي مشى عليها السيد المسيح و الرسل جميعاً دون جدران وقيود، ويتجاهلون هدم بيوت العرب في مدينة القدس التي اختارها الله عز وجل لتكون لها المكانة العظمى في قلوب معتنقي دين الله الواحد الأحد بشرائعه الثلاث ولا يكاد يمضي يوم دون أن يتظاهر شبّان فلسطينيون وأجانب ضدّ جدار العار الذي سيوصم تاريخ بنائه كما وُصم جدار برلين بالخزيّ والضعف، وهو عار يلطخ تاريخ كلّ من يسكت عن بنائه، لأنه يمثـّل ذروة العنصرية العرقية، فهو يبتلع أرض العرب ومياههم وأشجارهم وتاريخهم، ويسدّ سبل العيش والتواصل بينهم، ولا نلحظ مجرد ذكر لكلّ ذلك في الإعلام الغربي «الحرّ» ولا يحمل قضية الجدار المسؤولون «الديمقراطيون حتى النخاع» في الغرب «المتحضّر» والذين يتحدثون في خطاباتهم هذه الأيام عّما يسمونه «الحرية» و«الديمقراطية»! وتنامت ظاهرة الجدران الخانقة للعرب القابعين تحت الاحتلال حيث بنى الجيش الأمريكي جدراناً أعلى وأمتن للقصور التي كان يسكنها صدّام، والتي استحلوا العيش فيها بعد الاحتلال، ووضعوا فوقها أسلاكاً شائكة مخترقين بذلك حدائق المنازل لشعبٍ آمنٍ ومقطعين بذلك أوصال مدينة بغداد، كي يعيش أفراد الجيش الأمريكي في قلاع صدّام، كما كان يعيش الطاغية، بعيداً عن الناس الذين يدّعون أنهم جاؤوا لتحريرهم، فيما ينزل الإرهاب والاحتلال غضبهما على أبناء الشعب العراقي ويقطع أوصال العوائل المنكوبة بأبنائها حزناً وألماً ومأساة لا تطاق. كما تعمل اليوم قوى في الغرب لفرض جدران وأسلاك شائكة بين أبناء القبيلة الواحدة في بلاد خليجية بذريعة مكافحة الإرهاب، ويسعون لزرع جدران الفرقة بين صفوف الشعب السوداني ويضعون الخطط لفصل الشعب العراقي عن الشعب السوري، وبين الشعبين السوري واللبناني، بحواجز تجعل التواصل بين الشعبين والتجارة والتبادل بينهما أمراً صعباً ويضعون كلّ ذلك في قائمة مكافحة الإرهاب، بحيث تضيق الحياة على أبناء هذه المنطقة التي اختارها الله عزوجلّ، وليس غيرها من كل بقاع العالم، ليرسل من أبنائها من يفتح بوابات المحبّة والتعايش بين البشر جميعاً فالله تعالى اختار بيت لحم والقدس ومكّة، وليس باريس ونيويورك، لتكون كعبة العالم يحجّون إليها من كل حدبٍ وصوب ليتعلموا قيم السلام والحريّة والتعايش واختار من العرب إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم من الرسل والأنبياء ليعلـّموا البشرية قيم المحبّة والعدالة. فلماذا كلّ هذا الحقد، وكلّ هذه الحروب والعنصريّة ضدّ أحفاد الرسل ووطن الأنبياء؟؟ مبادرة الشباب الثمانية الذين دعوا لتشكيل نواة للمواطنة في العالم أجمع تعني دعماً للمبادرة السماوية ودحضاً للمنطق العنصري القائم على ابتلاع أرض ومياه الفلسطينيين وترحيلهم إلى ما سوف يشبه مخيم اعتقال في غزّة دون شجر أو مياه أو موارد بينما يحكم قبضة الاحتلال والاستيطان على القدس والضفّة وتوصي قوى عالمية حتى بعدم ذكر خريطة الطريق فكيف بالعودة إلى قرارات مجلس الأمن وتطبيق الشرعية الدولية على الصراع العربي الإسرائيلي (!) كما تشكل هذه المبادرة للشباب إدانة لمنطق الاحتلال والعنف والحروب السائدة الآن في العالم والموجَّه لوطن دين السلام والمحبة ولأحفاد رسل القيم التي يدّعون أنهم يريدون تصديرها لنا.
والمواطنة في العالم أجمع تعني الشعور بالألم لكلّ ضحيّة عراقية تماماً كما يشعر العالم بالغضب لكلّ ضحيّة غربية، والمواطنة في العالم تعني الاعتراف بأهمية إرث المنطقة العربية الديني والحضاري والأخلاقي والتوقف عن محاصرة شعوب هذه المنطقة وسرقة مواردها وقتل مفكريها ومحاصرة علمائها وحرمانها من التقدم العلمي والتقني ومن ثمّ اتهامها بالتخلف وعدم المواكبة.
والمواطنة في العالم تعني تطبيق معايير جدار برلين، سيئ الصيت، ذاتها على الجدار العنصري الذي يبنيه شارون وعلى الجدران التي يبنيها المحتلون في العراق والتي يعمدون إلى تشييدها بين أبناء الشعب العربي، والمواطنة في العالم تعني تطبيق العدالة والشرعية الدولية على كلّ المسائل الإشكالية والتوقف عن نشر الفساد وشراء الضمائر في أفريقيا وتمويل زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط للاستمرار في استنزاف ثروات هاتين المنطقتين ومن ثمّ إلقاء اللائمة على الفساد والقمع اللذين يعمدون على استمرارهما وتعزيزهما لأنهما السبيل الوحيد لاستمرار السيطرة على موارد هذه البلدان والإبقاء على حرمانها من مواردها ومن سبل التقدّم والعيش الكريم. المواطنة في هذا العالم تعني الانتفاض في كلّ أنحاء العالم ضدّ جرائم العنصرية الموجّهة ضدّ العرب وقول كلمة الحقّ حول ما يجري هنا في فلسطين والعراق واتخاذ موقف نبيل وشهم وصادق من قضايا الحرب والسلام والعنف والصراع، موقف يُسهِم في إرساء قيم العدالة والمحبّة والإخاء، هذه القيم التي انطلقت من الأرض العربيّة وستظلّ تنبعث منها حتى تـُزالَ الجدران العنصرية من العقول والأرض على حدٍّ سواء، وتُهزم قيم الشر والحروب والعنف والإرهاب.