العالمية و العولمة

 

 4July 2005

د. بثينة شعبان

 

اتفق النقاد، من مختلف أمصارهم، على أن سبب خلود شعر شكسبير و المتنبي و غوته و بابلونيرودا هو أن هؤلاء قد لامسوا إنسانية الإنسان بعيداً عن الدين و العرق و اللون و حتى المكان الذي ينتمون إليه، لا بل، و أكد معظمهم على أنّ هؤلاء الشعراء وصلوا هذه الدرجة من العالمية لأنهم حوّلوا معرفة أو تجربة إنسانية محددة إلى قيمة عالمية يفهمها، و يتجاوب معها، و يغتني منها البشر في مختلف الأمكنة و على مر العصور. و دار نقاش معمّق في منتصف الثمانينيات و أوائل التسعينيات في دوائر النقد الأدبي حول ما إذا كانت المحليّة المعمّقة تـُعتبر شرطاً لوصول العالمية أم عقبة في طريقها. و كانت معظم الدراسات قد أكدت أن تجارب من حصلوا على جائزة نوبل في الآداب تؤكد أن المحلية المعمّقة قد تكون شرطاً غير معلن لوصول العالمية.

     و على حين غرّة في التسعينيات بدأ مصطلح العولمة يتسرّب إلى حياتنا و مفاهيمنا و مؤسساتنا بحيث يبدو أنه حلّ بشكل أو بآخر محلّ العالمية. و تباينت الآراء حول مفهوم العولمة الجارفة التي استُخدمت من قبل الكثيرين و كأنها تهديد للمحلية أو بديل لها. و على عكس العالمية التي تمّ اعتبارها و بحق تتويجاً لنضج و غنى المحليّة فإن العولمة بدت و كأنها نابعة من مصدر واحد و تسلّط سيف الفوقيّة على رقبة المحلية التي عليها إما أن تركب الموجة أو أن تندثر تحت تيارها الجارف. و أخذت البلدان النامية و الفقيرة تتدبر أمرها لتحاول أن تبدو و كأنها جزء من هذا النظام العالمي الجديد على حساب الاحتفاظ أحياناً بما يميزها ثقافياً، أو صناعياً، أو زراعياً. و نتج عن ذلك صراع غير معلن بين الاحتفاظ بالمحليّ و تطويره و بين استقدام المعولم مهما كان غريباً أو شاذاً عن الواقع و الحاجات لكي تبدو جزءاً من هذا العالم المعولم  و الذي ركزّ الإعلام على تصويره و كأنه العالم الوحيد الذي يجب أن يكتب له البقاء. و لم تخلُ نبرة هذا العالم المعولم من استهتار بكلّ ما هو محليّ و مختلف و كأن الهدف هو أن يصبح العالم بلون واحد و بدون ذاكرة أو تاريخ أو روح.

 

     و نحن في الشرق الأوسط، مهبط الأديان و مهد الحضارات، نشعر أن الأديان السماوية قد هبطت لكي تخلّص الإنسان من الوثنية و العبودية و المادية و تخلق  توازناً بين الروح و الجسد، و بين المشاعر و المادة، و بين الغنى النفسي و الروحي من جهة و الغنى المادي من جهة أخرى. و هذا لا يعني على الإطلاق أن عصر التقنية و المعلومات و عصر العولمة أمر سيء بالمطلق، بل على العكس، هناك الكثير من الفائدة التي يمكن أن تتحقق من تعميم العلم و المعرفة و التقدم التقني و التكنولوجي و الاقتصادي و لكن مع الاحتفاظ بروح ما هو محليّ، من قيم و تراث و ثقافة، و الذي يشكّل الهوية الوطنية  و الذاكرة الخاصة بالشعوب و ألاّ يعنيّ الاجتياح المعولم محوّ ما هو أصيل ووطني و خلق نسخة عمّا نجده في أي مكان في العالم. و علّ هذا هو السبب الأساسي الذي دفع بعض الشعوب في أوروبا لرفض الدستور الأوربي و ذلك نتيجة خشيتها من الذوبان في هوية آخرى قد تفقدها خصوصيتها و هويتها المحليّة و سواء اتفق البعض مع هذا الرفض أم اختلفوا معه فإن هذا القلق على الهوية و الذاكرة و الخصوصية قلق مشروع و مبرّر، و هو ما تشعر به كل الشعوب الأصلية ذات التاريخ و المساهمة المشهودة في الحضارة الإنسانية، و لا بدّ من أخذ هذا القلق بعين الاعتبار و معالجته في عمل وحدوي أو تكتل أممي.

 

     و الأمر ذاته ينطبق على السياسة فقد وُجدت منظمة الأمم المتحدة من أجل خلق إجماع دولي حول الشرعية الدولية، و مكافحة الانتهاكات لهذه الشرعية، و من أجل إيجاد وجدان دولي يتمكن من أخذ مكان الحكم في معظم القضايا التي تشغل العالم في مختلف بلدانهم. و لكن و مع تمكنّ عود تيار العولمة الاقتصادية و السياسية تكاد تتحول المنظمة الدولية إلى صوت خافت لا يتمكن من تطبيق قرار على "القوى العظمى" أو السائرة في فلكها، أو إرساء القواعد لإحقاق حق. و أصبحت هذه القوى العظمى قادرة على شنّ الحروب العدوانية دون رادع ضدّ الشعوب المسالمة الضعيفة، و تقييم الدول وفق مصالحها و سياساتها، و إطلاق الأحكام القسريّة على أنظمة و دول و شعوب و أديان، و شن صراعات دون أن يكون للمنظمة الدولية تأثير يذكر أو دور حقيقي في إقرار كلّ ذلك أو منعه من الحدوث.

 

     إنّ ما نحتاجه نحن العرب اليوم جميعاً، و أكثر من أي وقت مضى، هو أن نستعيد الثقة بهويتنا التي تشن حرب ثقافية و إعلامية و نفسيّة لتفتيتها، و أن ندافع عن  خصوصيتنا  التي يُراد إذابتها في عولمة منفلتة من القيم الساميّة، و ألا نتخلى عنها. و ما يحتاجه العالم اليوم هو أن يعيد التوازن بين الهوية و الحداثة، و ألا يتم هدم تاريخ و حضارة و مؤسسات و متاحف تزخر بذاكرة البشرية كما حدث في العراق و فلسطين،   و من ثمّ يتم إعادة إعماره و لكن بدون هوية أو ذاكرة و بدون الخصوصية التي مثلتها الحضارة العربيّة على مر العصور. إن ما يحتاجه العالم اليوم ليس الانبهار بالفنادق و المطاعم المعولمة، و إنما الإمساك بجذور ذاكرة و هوية أكثر غنىً و أصالة.  و ما نحتاجه  العرب جميعاً،  كي نتمكن من فعل ذلك، هو أن نمتلك الجرأة، و أن نتخذ المواقف الصائبة، و ألا نخشى في الله لومة لائم، لأنّ التيار الهدّام الذي يحاول اجتياح الكون يعتمد كل أساليب التشويه و التشويش و المواربة لكي يصيغ العالم برمته بصورة واحدة  سطحية و مادية و ينزع من العالم روحه ووجدانه الذين هما سرّ البقاء و الخلود، تساعده في ذلك قدرات تمويلية ضخمة، تشتري ذمم الأفراد في أجهزة الإعلام من أجل تشويه الوعي الاجتماعي، و إحداث تغييرات سياسية هدفها تمزيق العرب أكثر مما فعلته القوى الاستعمارية في القرن الماضي تحت شعارات جاهزة.

 

     إن شعوب أوروبا، و شعوب جنوب شرق آسيا، و شعوب أمريكا الجنوبية أدركت عمق هذه المعضلة بين العالمية و العولمة و أخذت تعمل بجدّ و حرص  شديدين للحفاظ على ذاكرتها و هويتها مع الاستفادة من آخر ما أنتجه العلم و التكنولوجيا. أما الأمة العربية، و تحت تأثير الحرب المتواصلة ضدّها، بدءاً من سايكس بيكو، و إلى حرب التجزئة التي نصبت أنظمة ضعيفة تعتمد في بقائها على الدعم الأجنبي، فمازالت بمجملها  تتلقى ضربات تيار العولمة على حساب الخصوصية و التراث و التاريخ. و لهذا تبدو سورية اليوم مُستهدفة من أعداء الأمة التاريخيين الذين يرون أنّ ظروف الضعف التي يُعاني منها العرب اليوم يُسهل عليهم وضعها تحت القصف المعادي،       و جعلها مركز استقطاب لتهديدات عدوانية تتخذ ذرائع لها لا يقنع بها عاقل و لكنّ الهدف الأساسي وراء كلّ ذلك هو أن سورية هي البلد العربي الذي يقف اليوم متمسكاً  بالقيم العربية، و الهوية الحضارية التاريخية للأمة العربية، مع فتح أبوابه لمواسم الخير الحضارية  للاستفادة مما أنتجه الإنسان في الغرب و الشرق، كما أنها تنادي بالسلام  العادل و الشامل و تعمل من أجله، و لكن مع تمسكها بالشرعية الدولية، و بحق العرب في أرضهم و مياههم. و إذا كانت قوى العولمة  تناهض سورية لأنها تتمسّك بالهوية القومية العربية من تاريخ، و دين، و قيم، و لغة، و إرث حضاري، من أجل ذلك فلا شك أن سورية تسعى بذلك  إلى أن تحمل محليتها إلى العالمية و ليس إلى اللاهوية و اللاذاكرة في اللامكان و هناك الكثيرون في العالم الذين يتفهمون موقف سورية و يتفقون معه.