الاستعمار الجديد و«العرب المستعربة»
27June 2005
د. بثينة شعبان
من نافل القول أن المنطقة العربية تتعرض اليوم لاستعمار جديد، مماثل إلى حد كبير لما عانت منه في بداية القرن الماضي، من استعمار أخذ شكل الوصاية والانتداب، حين تم فرض حكومات لها علم وبرلمان وساسة وإعلام يدافع عنه ويهاجم أي تعبير وطني، ولكن المشكلة هي أنّ هذا الاستعمار الجديد بدأ يزرع قواعده في رؤوس البعض، وبدأت دولاراته تلون حبر أقلام البعض الآخر، وبدأت أدواته الإعلامية والفكرية والعسكرية تغرس أنيابها في تراب وتراث الشعب العربي، منتهكةً كلّ مقدساته وحرماته ومصالحه وحقوقه من دون أن يكون مقبولاً من هذا الشعب وكتّابه ومناضليه حتى أن يستحضروا اللغة التي تعبّر عن معاناته، أو أن يصفوا الأمور ربما، وكما هي عليه على أرض الواقع. ذلك لأنّ هذا الاستعمار الجديد، كما كان يدّعي القديم، جاء متلبساً لبوس «الحرية»، والمدافع عن حقوق المظلومين والعامل على نشر «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» و«الحضارة»، بحيث أصبح من المحرج بمكان «للكثيرين من العرب المستعربة» أن يستعيدوا اللغة والمصطلح اللذين كانا يستخدمان لوصف تفاعلات الحقبة الاستعمارية، التي مرّت بها البلدان العربية في النصف الأول من القرن العشرين. ولهذا بدأنا نشهد على شاشاتنا عرباً يدافعون عن عملاء متواطئين مع إسرائيل لقتل قادة المقاومة وأبناء الشعب الفلسطيني، المؤمنين بحقهم في ديارهم بحجة «الوقوف ضد عقوبة الإعدام»، من دون أن ينسحب هذا الموقف على أحكام الإعدام التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلية بصواريخها ومتفجراتها ضد الشيوخ والنساء والأطفال، وضدّ كل من يؤمن بتحرير أرضه من دنس الاحتلال مهما بلغ الثمن. ويترافق ذلك مع بضع مقالات من حملة أقلام من «العرب المستعربة» تدافع عن العمالة والخيانة، بحجة المدنية والحضارة وتتنكر لأبسط حقوق أهلنا في فلسطين والجولان والعراق بـ، حجة اختلال موازين القوى واستحالة إلحاق الهزيمة بعدوّ يمتلك كلّ عناصر القوة، بينما لا تلوح في الأفق إمكانية امتلاك العرب لعناصر القوة وعوامل تحرير أرضهم، ولكنهم يغفلون أو يتغافلون عن أن العرب يمتلكون الحقّ في أرضهم وديارهم، وكلّ ما يطالبون به هو العدالة والحق.
لا بل لقد بدأ البعض يساوم حتى على مناهج مدارسه وتاريخه بل وآيات من كتاب الله، فتراه من «الجرأة» بأن يتفاخر بأن لغته العربية لم تعد شرطاً ضرورياً لارتياد الجامعات، وما أن يظهر مقالٌ لكاتب عربي يتحدث فيه باعتزاز عن قوميته العربية، أو يدافع فيه عن حقوق أمته، أو ينتقد فيه السياسة الأميركية، حتى تنبري أقلام «العرب المستعربين» لتهجو الكاتب وقضيته، متطوعين في الدفاع عن المستعمر الجديد. وإذا ما قارنَّا بين الوضع اليوم وذاك اليوم في مطلع القرن العشرين، نكتشف أن الكثيرين من شهداء السادس من أيار في دمشق وبيروت، قضوا دفاعاً عن لغتهم العربية، وأنه تمّ زج الكثيرين من العرب في السجون لتحديّهم القوانين التي تمنعهم من الكتابة والنشر باللغة العربية. ومن روايات المناضلين والمناضلات الذين عاشوا تلك المرحلة، نرى أنه كان هناك أيضاً «عرب مستعربين» يتفاخرون بالتعامل مع الاحتلال الأجنبي، ويعيشون على فتاته بحجة العقلانية، وكانوا أيضاً من الدناءة بأن يهجوا المناضلين ويتهموا لغتهم بـ «الخشبية» وكانوا أيضاً يروّجون للاستعمار ولكن الحدود كانت واضحة جداً بين هؤلاء المتآمرين على بلدانهم، وبين المؤمنين بقضية شعبهم والمدافعين عنها والمضحّين من أجلها. لم يعد سراً على أحد أن أهم عوامل ضرب الانتفاضة الفلسطينية، هي وجود المتآمرين على قضيتهم والذين باعوا المناضلين والشهداء ببضعة دولارات، وقد راق هذا الأسلوب لأعداء هذه الأمة، لأنه الأسهل والأرخص عليهم فأخذوا يكرِّسون الميزانيات لشراء الضمائر وشق الصفوف وزرع العملاء والخونة في الصفوف.
أقلام مأجورة وفضائيات مدججة بالموارد لإرهاب المناضلين العرب، وتشديد الحصار على فكرهم، وفرض أجواء الابتزاز كي يحجموا عن تسمية الأمور بمسمياتها، بحجة أننا نعيش عصراً مختلفاً مع أن الهجمة الاستعمارية الجديدة تكررّ سابقاتها، ولكن بلبوس جديدة وأهداف عنصرية أوسع. ويشبه هذا الوضع إلى حدّ كبير حال العرب والمسلمين في الغرب اليوم، الذين يتعرضون لممارسات عنصرية تشكل عاراً على تاريخ مرتكبيها، ولكن من الممنوع على أحدهم أن يلفظ هذه الكلمة، إذ يجب ألا يجرؤ أحد باتهام مجتمعات متحضرة ومتقدمة «بالعنصرية»، حتى وإن كان هذا هو واقع الحال. فمن الأسهل قمع الضحيّة من تسمية أو توجيه اللوم إلى العنصريّ. وكذلك هو الأمر حين قررت إسرائيل هدم 90 منزلاً لمئتي عائلة في قرية سلوان، في حلقة من مسلسل تطهير عرقي وترحيل جماعي. مرّ هذا الخبر مروراً على الأسماع خشية التحدث عن جرائم حرب، رغم أن الإسرائيليين أنفسهم أكدوا أنه قرار سياسيٌ وليس بلدياً. وها هي الدكتورة صفا محمود عبد العال أستاذة التربية المتخصصة في اللغة العبرية توثّق لقيم تربوية عنصرية يتمّ غرسها في ضمير النشء الإسرائيلي بما يحقق النظرة الدونية للعرب، التي تعتمد على تشويه شخصية العربي الذي تنعته بصفات كالثعابين والأفاعي واللصوص وقاطعي الطرق والإرهابيين المتعطشين للدماء ومع ذلك لا يتحدث أحد عن عنصرية هذه المناهج التي تؤدي في النتيجة إلى تلذذ الإسرائيليين بقتل الأطفال الفلسطينيين وإقالة من يرفض قتل النساء والأطفال الفلسطينيين. وها هي منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تقرّ أن التحامل على المسلمين أصبح التحدي الأساسي في مجال حقوق الإنسان في أوروبا منذ هجمات «سبتمبر»، وأن الكثير من الحكومات الأوروبية تتجاهل المشكلة رغم أن كراهية الإسلام، كما قال دودو دين مقرر الأمم المتحدة المعني بالتمييز وكراهية الأجانب «باتت الآن التحدي المحوري في الدول الأوروبية في مجال التمييز والعنصرية...... كل الدول الأوروبية تصدت لمعاداة السامية بأسلوب بالغ القوة وهذا شيء إيجابي للغاية ولكنها أهملت خلال هذا التصدي لمعاداة السامية خطورة كراهية الإسلام». و بالطبع، ليس هناك من يجرؤ على الإشارة إلى المناهج الدراسية الأميركية التي يتخرج منها من يجد متعته بتعذيب العرب والمسلمين في السجون الأميركية في العراق وأفغانستان وبتدنيس مقدساتهم. ورغم ما يعترف به الآخرون من تعرض شعبنا العربي لظلم وحيف كبيرين، يأتي بعض «العرب المستعربة» الذي لم ينتفض لتدنيس القرآن الكريم أو احتلال العراق أو تهويد القدس لينتشي وهو هائم في سيره على إيقاع مزمار «الديمقراطية» في منطقتنا الذي تنفخ فيه أجهزة المخابرات المعروفة، والتي تهدف أولاً وأخيراً إلى كبح نهضة العرب واحتلال أرضهم وهضم حقوقهم، وسرقة ثرواتهم وتشويه تاريخهم ونهب إرثهم واغتيال علمائهم والمتنورين والمؤمنين بأمتهم منهم في فلسطين والعراق ولبنان على مرأى ومسمع العالم. أوليس مؤسفاً أن نسمع أقسى نقد لسلطة شارون في اجتماعه مع محمود عباس في جريدة هآرتس، وألا تتصدى الأقلام العربية لحقيقة الوضع وتساهم في صياغة المواقف المشرّفة للأمة ولأجيال المستقبل؟! أوليس مؤسفاً أن يكون أفضل ما كتب عن زيارة رايس للمنطقة، هو بقلم أفي شلايم في جريدة الغارديان البريطانية، والذي ألقى باللوم على الولايات المتحدة، لأنها لا تتخذ موقفاً حقيقياً من الاستيطان ومن شارون الذي يسرق الأرض والمياه ويشكل العقبة الأساسية في طريق السلام؟!
أوليس غريباً أن يدبّج رئيس تحرير جريدة عربية مقاله الافتتاحي، دفاعاً عن المخابرات الأميركية بوجه الاتهامات، بأنها مسؤولة عن زعزعة استقرار لبنان واغتيال قادته؟! ولكن حين ترى أقلام بعض هؤلاء «العرب المستعربين» وهي تنهش لحم العروبة، منتشين بإعلان ولائهم للأجنبي الذي يحتل بلدهم ويحتقرهم كلما انبروا مدافعين عنه، أو مهاجمين لمواطنيهم المدافعين عن الحقوق العربية، تتأكد من أن ظاهرة الاستعمار هي نفسها، قديماً وحديثاً، بأهدافها وأساليبها، وبأدواتها ومفرزاتها، ولكن الأهم من كل ذلك، هي نفسها، في بدايتها ونهايتها المكللة بانتصار الشعوب واندحار المعتدين. وليتذكر هؤلاء دائماً أن الأسياد الذين يدافعون عنهم لا يتذكرون أسماءهم، ولا يفرقون بين عربي وآخر، ولكننا نحن الحريصون على العروبة والأوطان، نفرّق بين من يفاخر بعروبته، وبين من يعمل ضدها سواء أكان جاحداً أم متخاذلاً أم عاجزاً عن حمل قيم العروبة النبيلة وآفاقها الرحبة.