نعم ... الشعبُ العربيّ يستحقُّ الحريّة

20June 2005

د. بثينة شعبان

 

       ما يحتاجه العالم اليوم هو رجالات دولة  يتكلمون لشعوبهم بمنطق الحريص على حقوقها، و يخاطبون  رئيس أقوى دولة في العالم بقناعاتهم الحقيقية دون تردّد أو وجل، لأنهم يعلمون أن الموقف الجريء و الصراحة و الصدق في التعبير عنه هما أقصر الطرق إلى التميّز و نيل ثقة العالم. فرغم كلّ التشويش الذي تـُطلقه بعض الجهات العنصرية  المعادية للعرب يوضّح الزعيم التركي أردوغان خلال زيارته الأخيرة لواشنطن للرئيس بوش أنّ "تقديم الدعم للرئيس الأسد سيكون الطريق الصحيح للمنطقة و للعالم أجمع  و سيجعل من سورية بلداً مسالماً و ديمقراطياً و أنّ جميع السُبُل الأخرى ستفتح الطريق أمام حدوث مصاعب و زيادة الضغوط على المنطقة و بالتالي فإن إثارة الفوضى في سورية لن توصل إلى حل".  تتمثل العبرة أيضاً في رد  الرئيس الأمريكي  عندما استمع لوجهة نظر أردوغان هذه حين قال  أنه "سمع وجهات نظر تختلف عن ذلك". و السؤال، من يحرّض الولايات المتحدة و رئيسها ضدّ سورية و شعبها، و يدعوها من خلال المعلومات الكاذبة، و التقييمات الملفـّقة، إلى زعزعة استقرار هذا البلد الآمن؟

        ليس على الرئيس الأمريكي في مثل هذه الحالة إلا أن يقارن بين نتائج السياسات التي تـُبنى على أساس المعلومات التي تصله من رجالات تحترم نفسها مثل أردوغان، و نتائج السياسات التي بناها على أساس المعلومات التي تصله من جهات مغرضة و طامعة بأموال الولايات المتحدة،  أو لاستجداء  ودّها من أجل البقاء في سلطة، أو بهدف خلق تاريخ دموي من العداء بين الأمـّة العربيّة و بين الولايات المتحدة، و هو أمر لا يخدم المنطقة و لا يخدم الشعب الأمريكي، بل يسير بالاتجاه المعاكس لكلّ ما تطمح إليه النفس البشرية الكريمة أينما كانت، و يحوّل الولايات المتحدة من مثال للديمقراطية إلى نموذج متكرر للغطرسة العسكرية للإمبريالية الأوروبية التي عرفتها الشعوب في القرنين التاسع عشر و العشرين. لقد تلقـّت الولايات المتحدة في الماضي معلومات عن أسلحة الدمار الشامل في العراق و عن موقف الشعب العراقي من نظامه السابق، و كيف زيّن للرئيس الأمريكي و أركان حكومته، أنّ هذا الشعب سيستقبل الاحتلال بالورود و سيعطي أنموذجاً للبلدان العربية الأخرى بحيث تنساب القوافل العسكرية الأمريكية في بقية البلدان تنشر "الحريّة  و الديمقراطية"!!  و لكن ها هو الواقع قد برهن للجميع أنّ الشعب العراقي مثله مثل كلّ شعوب الأرض ذات الكرامة يكره الاحتلال و الإذلال و القتل و الدمار، مهما روجّت سلطة الاحتلال لشعارات "الحرية و الديمقراطية"، و يتوق للحياة الكريمة المستقلة. و ربما ليس الوقت متأخـّراً جداً لوزيرة خارجية الولايات المتحدة أن تفكـِّر اليوم و بعد سنتين من الخراب و الدمار الذي يتركه الاحتلال الدموي للعراق "باستراتيجية نجاح"  مع أنه كان يجب أن تكون هذه الاستراتيجية واضحة    و دقيقة قبل إعلان الحرب على العراق. إذ هل يُعقَل أنه بعد أن كلـّفت هذه الحرب الولايات المتحدة أكثر من  مئتي مليار دولار و الآلاف من الأرواح الأمريكية،  و كلـّفت الشعب العراقي ثمناً باهظاً جداً تمثـّل بمقتل مئات الألوف، و فقدان الحرية   و الكرامة الوطنية، فإن الولايات المتحدة ما تزال تطالب جيران العراق بضبط الأمن على الحدود رغم وجود أقوى جيش في العالم، كما يفترض، و الذي يمتلك أحدث التقنيات العسكرية و صلاحيات مطلقة في القتل و الاعتقال و التعذيب، داخل كل أرجاء العراق، و على الحدود ذاتها؟  و النتيجة الإجمالية لاعتماد الولايات المتحدة على المعلومات الملفـّقة هو أنّ الولايات المتحدة قد خسرت الكثير من سمعتها،  و مصداقيتها، و أصبحت تُعتَبَر في عيون أهل المنطقة مصدر حروب عنصرية،    و احتلال دموي، و طائفية تمقتها الشعوب،  و زعزعة  استقرار و أمن بلدانها.

    و لنتوقف لحظة و نعود إلى عام 2002 و نتخيّل أنّ الولايات المتحدة قد قررت أن تضع مئتي مليار دولار لتحويل خطة "مارشال جديدة"  لوضع حدّ للصراع العربي الإسرائيلي و للمساهمة في تنمية بلدان  المنطقة، و بناء حياة أفضل لشعوبها، ما هو الوضع الذي سيكون عليه الإرهاب اليوم؟  و ما هي السمعة التي كانت ستتمتع بها الولايات المتحدة؟! و لكن  واشنطن مصمّمة على الاستمرار في الخطأ حين تواصل إطلاق الحملة تلو الحملة تارة لمعرفة أسباب كراهية المسلمين لها، و تارةً لتحفيز المزيد من الإبداع في إطار عملياتها النفسيّة لتحسين نظرة الرأي العام الأجنبي إزاء الولايات المتحدة خصوصاً بشأن عملياتها العسكرية منفقة بذلك مئات الملايين من الدولارات، هباء دون مردود يذكر،  و الأسهل و الأنجع هو أن تراجع الولايات المتحدة أهداف هذه الحملات العسكرية و الحروب و تدرس نتائجها  و جدواها، و أن تنفق أكثر على التخطيط السياسي السليم و ليس على معالجة نتائج سياسية لم تستند في الأصل على أسس علمية أو حتى مصلحة وطنية أو إنسانية واضحة.

     و المشكلة أنّ الولايات المتحدة ما زالت مستمرّة بدعم  "الموالين"  لها من الانتهازيين، و الصغار الذين ترتعد فرائصهم من الحروب الأمريكية، و من الذين لا يشهد لهم تاريخهم بأي سجل وطني أو إنساني، فتتورط  وزيرة الخارجية الأمريكية بالدعوة إلى  "الحريّة للشعب السوري"  الذي يتمتع بحياة اقتصادية و سياسية         و اجتماعية و دينية و ثقافية تعددية، و بحياة حزبية و برلمانية، و بتعليم  و صحّة مجانية، و تمكين  للمرأة في التعليم و العمل و المشاركة المتكافئة في الحياة السياسية و الاقتصادية  و الذي يُعتَبَر أنموذجاً للشعوب في الإبداع   و الاستقلال و الكرامة    و في الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية في وقت تتجاهل مشاكل شعوب تنزف يومياً تحت الاحتلال في فلسطين و العراق،  و تتجاهل مشاعر الشعوب في بلدانٍ أخرى، حكوماتها صديقة للولايات المتحدة،  و لكنها محرومة من كل ما يتمتع به الشعب السوري من حقوق سياسية و دينية و ثقافية. و ها هي "واحة الديمقراطية" في المنطقة كما تسميها الدعاية الأمريكية،  تبدأ بتهويد الجليل و النقب، أي بنزع هويته العربية، كما نزعت هوية مناطق أخرى من فلسطين  و بالتطهير العرقي لشعبها و بمُصَادرة  أراضيهم، و ها هو شارون الصديق الحميم لواشنطن الذي حرم الفلسطينيين من حريتهم يتحدّث عن انسحاب من غزّة مقابل إحكام السيطرة على القدس بعد أن أشبعها قتلاً و خراباً،  و ها هو جيش الاحتلال الإسرائيلي يُعبِّر عن عزمه على مواصلة السيطرة على قطاع غزّة الكترونياً حتى بعد تنفيذ خطـّة الانفصال الأحادي الجانب!  إنّ  تجاهل الولايات المتحدة كليّاً لقضية الحرية و الديمقراطية في فلسطين و العراق و غيرهما من البلدان التي تحكمها حكومات صديقة لحكومة الولايات المتحدة  يوجِّه ضربة قاصمة لمصداقية كلّ ما يتحدّث به مسؤولو الإدارة الأمريكية من شعارات رنّانة طنّانة عن  "حريّة"  و "ديمقراطية"     و "حقوق إنسان".

      لقد أثبتت الأوراق البريطانية و كلّ ما نُشِر بعد الحرب عن العراق أنّ قرار الحرب على العراق قد أُتخِذ و من ثمّ بُنِيت حوله الحملات الإعلامية و السياسية المضللة للرأي العام و أكـّدت هذا المذكرات الرسمية البريطانية أن "حرب العراق أتت نتيجة استراتيجية أمريكية – بريطانية أساسها التضليل. الإعلام الأمريكي بمعظمه أغمض عيونه و سار مُخيّراً أو مُسيَّراً باستراتيجية إعلامية تضليلية للبنتاغون بهدف تعبئة القومية الوطنية مع الحرب."  و قد حان الوقت أن تمتلك الإدارة الأمريكية الجرأة و تُواجه الواقع في منطقتنا كما هو بدلاً من التعامل مع واقع مشوّه يخلقه الانتهازيون و كما ترغب أن يكون. و لهذا لن تكون مناقشات السيدة رايس مع شارون كي تبقي حماس خارج الانتخابات مُجدية، و الأفضل و الأجدى أن تُناقِش مع شارون إنهاء الاحتلال الإسرائيلي،  و إيقاف  الاستيطان الإسرائيلي في الجولان و فلسطين. أولم تطلع السيدة رايس على آخر الإعلانات للمستوطنين كي يتجهوا  إلى الجولان للاستيطان بها؟  إن السياسة الاستيطانية الإسرائيلية و سياسة التطهير العرقي الإسرائيلي سـتـُذكي روح المقاومة في نفوس جميع العرب الذين لن يتخلوا عن أرضهم و ديارهم و إنّ  أقصر طريق للتوصّل إلى أفضل النتائج هو أن تعترف الولايات المتحدة بضرورة وضع حلول عادلة للصراع العربي الإسرائيلي، لا حلول إعلامية  تجميلية ترفض ذكر الاحتلال الإسرائيلي و جرائمه البشعة بحقّ شعب أعزل يحاول العيش بحرية و بأمن و سلام على ترابه الوطني.

      إن تصريحات بعض مسؤولي  الإدارة اليوم عن  "حقّ الشعب السوري  في الحريّة"  و الإهمال التام لقضايا الحرية الملحة في المنطقة نابع من موقف مهادن للاحتلال الإسرائيلي للجولان، و هي الأرض السوريّة التي تحاول إسرائيل ابتلاعها وفق نظرتها العنصرية تجاه شعوب المنطقة، و السوريون ينظرون إلى فم  السيدة رايس فلا يسمعون منها كلمة تدين الاحتلال الإسرائيلي لارضهم، و لا كلمة تدعو لتحرير أهلهم و أسراهم في سجون الاحتلال، و لا كلمة منها عن السلام التي ترفضه حكومة شارون وفق تصريحاته في واشنطن. إن قضية الحرية هي تحرير فلسطين  و العراق و الجولان و لبنان من الاحتلال و التدخل الأجنبي و قضية الديمقراطية تكمن في  مستقبل عربي بعيد عن الحروب و الطائفية و الإرهاب. و على بعض الخائفين و المحبطين من زوار واشنطن  أن يتعلموا من قادة أمثال مهاتير محمد  و رجب طيب أردوغان  أن يتكلموا بكرامة و كبرياء عن حقوقهم   و دينهم  و مستقبل أوطانهم و ليحملوا قضاياهم إلى كلّ محفل دولي و إقليمي دون التنازل عن حقوق و أن يدافعوا عن أشقائهم، حينئذٍ ينالون احترام الجميع بمن فيهم أعداؤهم. نعم... السيدة رايس، فالشعب العربي يستحق الحرية، فهو صانع الحضارات، و ناشر الرسالات، و تذكّري الحرية في فلسطين و العراق و بلدان أخرى صديقة للولايات المتحدة، كي تكون للكلمة مصداقية■