بعيداً عن الأهداف الكبرى في الغرب والشرق
6June 2005
د. بثينة شعبان
لماذا قال الفرنسيون و الهولنديون"لا" للدستور الأوروبي فأحدثوا زلزالاً سياسياً في فرنسا وهولندا وأطلقوا العنان لمخيلات الأوروبيين لتهيم حول مستقبل هذه القارة الذي بدا للكثيرين مختلفاً قبل إجراء الاستفتاءَين؟ و ذهب الملايين من الفرنسيين و الهولنديين إلى صناديق الاستفتاء وكأنهم لم يفكروا بعشرات المشاريع الموحدة لبلدانهم و اقتصاداتها مثل انجاز العملة الواحدة و إنجاز طائرة الإيرباص أو الهوية الأوروبية التي بدأ يتذوقها البعض بينما يحلم بها آخرون؟ أو كأنهم لم يركزوا الاهتمام على انبلاج أوربا كقوة عالمية ثانية أو ثالثة تحدث توازناً في موازين القوى الدولية و تكون عوناً حقيقياً لإحلال العدالة و السلام في العالم؟ مهما كان عمق المعرفة لدى المحلل السياسي فمن المستحيل أن يكتشف الأسباب التي قادت 54% من المستفتين في فرنسا و 63% من المستفتين في هولندا أن يجيبوا بـ"لا" للدستور الأوروبي و بذلك تسديد ضربة مؤلمة للهوية الأوروبية الواحدة و لكن المرء يمكن أن يرصد توجهات ٍ قد تكون هي الأهم في التوصل إلى مثل هذه النتائج.
يبدو واضحاً أن السبب الكامن وراء هذا التوجه الشعبي وهذه النتيجة هو أن معظم الناس قد قررت استبدال القضايا الكبرى بالقضايا الصغرى وقررت أن اليوم أهم من الغد وأن غداً أهمّ من بعده وقررت أن نوعية الحياة التي يحياها الإنسان اليوم هي التي يجب أن تحكم تصرفاته وأفعاله وليس ما يقال عن نوعية هذه الحياة في المستقبل أو الوعود التي يقطعها البعض من السياسيين عن مستقبل وردي لا يكاد الإنسان قادراً على تصوّر ملامحه أو حلم يرسمه بعض المفكرين يصعب على الناس تلمّس خيوط فجره. وربما حملت نتائج الاستفتاءَين درساً للسياسيين و المفكرين و الاعلاميين في كل أنحاء العالم كي يتذكروا أنّ الإنسان حين يستيقظ في الصباح لا يفكر عادةً بموقع بلده على الساحة الدولية وأين سيكون هذا الموقع خلال العشرين سنة القادمة لكنّه يفكر بمستوى الحياة التي يعيشها اليوم ويشعر بالرضى أو عدمه عن هذه الحياة، ووفق هذا المعيار يحكم على الأمور الأخرى، بما في ذلك حكمه على "القضايا الكبرى".
ومع التسليم طبعاً أن الاستفتاء في أوروبا ليس نهاية المطاف وأن الهوية الأوروبية التي أخذت في التشكل قد تنضج في المستقبل القريب أو البعيد ولكنّ المهم في الأمر هي أنّ تفاصيل الأمور، و ليس الشعارات الكبرى، هي التي تحكم حياة البشر، وهي التي تتحكم بقراراتهم عندما يدلون بأصواتهم و يعبرون عن آرائهم، مهما حاول الزعماء القفز فوقها وإيلاء الأهمية لما يبدو أهمّ وأخطر للمجتمع والدولة. وليس في هذا المنطق محاولة للنيل من الأهداف، و الأفكار الكبرى لأي مجتمع، ولكنّ التركيز في السنوات الأخيرة على العولمة، والأقطاب، والتكتلات، والشركات العابرة للقارات قد أبعدت الأضواء بعض الشيء عن قيمة حياة الفرد ومعاناته وأهملت التفاصيل الصغيرة بحجة العمل من أجل كسب المعارك الأكبر والأهم. وقد لاحظنا جميعاً أن ما يسمى بالحرب على الإرهاب قد سبّب معاناة بشرية لا تطاق لمن تمّت تسميتهم "المشتبه بهم" وقضى بعضهم تحت التعذيب دون محاكمة مع تعتيم إعلامي كامل على حرمان الملايين من حقوق الإنسان بما في ذلك حق التعبير، والحق في الحرية والاستقلال.
بل حتى أسلوب التعامل الإنساني في المطارات والمؤسسات وبين الدول قد عانى من تراجع خطير بحيث أصبح الشك بالآخر هو الخطوة الأولى للتوصل إلى يقين بعدم وجود "إرهابيين" أي أصبح الإنسان إرهابياً حتى يثبت العكس خاصةً إذا كان اسمه يدلّ على أصوله العربية أو المسلمة.
وفيما أُطلق عليها الحرب "لتحرير العراق" ونشر"الديموقراطية" و "الحرية" تطالعنا الصحف كلّ يوم بعشرات الأمهات الثكلى اللواتي يندبن أطفالهن وأزواجهن وأعتقد أن من قرأ قصة الطفلة العراقية إيمان حسين(14) عاماً والتي استيقظت لترى أن قوى الاحتلال قد قتلوا والدها ووالدتها وتعيش الآن بعيداً عن أخواتها الصغار وحلمها هو أن تكون معهم تحت سقف واحد بينما تمّ توزيعهم على أكثر من ميتم يدرك أنه لا يوجد هدف سياسي في العالم يستحق الألم الذي يعيشه آلاف الأطفال العراقيين والفلسطينيين واليتم المرير الذي يعانون منه في كل يوم من حياتهم باسم القضية الكبرى: "مكافحة الإرهاب". لقد أصبح القتل، واليتم، والبطالة، والسجن، والتعذيب، وهدم البيوت، وانعدام الأمن، القلق اليومي للمرأة والرجل في العراق وفلسطين بينما يتم الحديث أمام كاميرات التلفاز عن "تقدّم" العمليات السياسية وعن "الحرية" و"الديموقراطية". أية "حرية" أو"ديموقراطية" تلك التي تسلب الإنسان حريته، و تهدم منزله، و تقتل أهله وتهدر كرامته؟ وأي معيار سياسي مهما كان سامياً و كبيراً يضّحي بهذه الضرورات الإنسانية الأساسية؟!
أي "حرية" و"ديموقراطية" يريدون لأطفال يفقدون أرجلهم وأيديهم وأعينهم وذويهم ومن بين كل ألف طفل يصاب بإعاقة جسدية نتيجة الحروب المدّمرة في منطقتنا تطالعنا الصحف بصورة طفل عراقي سار على قدميه للمرة الأولى بعد أن خسر رجليه بانفجار صواريخ أمريكية في العراق.
ماذا تريد "إيمان حسين" من كلّ الحديث عن "الحرية" إذا كانت تتوق للعيش مع أخواتها الصغيرات وتحلم بأمّ وأب قتلا أمام أعينها في القضية الكبرى التي تشغل قادة الولايات المتحدة: "مكافحة الإرهاب" و نشر الحرية في العالم! و ضحايا القتل لا ذنب ارتكبوه بل لانتشار العنف والقتل والدمار على تراب الوطن وماذا يريد أطفال فلسطين من وعود "السلام" إذا كان الاحتلال الإسرائيلي يدرّب كلاباً للانقضاض على أجسامهم الغضة في صورة تذكّر بما حدث في أبو غريب وفي يوم الأطفال العالمي حيث يفرح الأطفال ويلونون تتم تسمية الجنرال دان حلوتس والملقب بقاتل الأطفال رئيس أركان لجيش الاحتلال الإسرائيلي. لقد كتب جورج مانبوت مقالاً هاماً في جريدة الغارديان البريطانية 24 أيار بعنوان "حين ووجهت الحكومات بخيار بين حرية السوق وحياة الإنسان اختارت حرية السوق." وفي منطقتنا نشعر أن القوة العظمى في العالم تتحدث عن الرغبة في إحلال السلام وتحقيق حرية الإنسان وكلّ ما حصده الشعب العراقي والشعب الفلسطيني هو المزيد من امتهان كرامتهم الإنسانية والمزيد من المآسي والمزيد من الألم وانعدام الأمن والعيش الدائم بحالٍ من الخوف وكأنّ الدستور الأمريكي لم يدع إلى التحرر من الخوف كركن أساسي من أركان حرية الإنسان.
إذا كانت حملة مكافحة الإرهاب قد زادت الإرهابيين قوّة وانتشاراً وإذا كانت حرب"تحرير العراق" قد زجت الشعب العراقي في دائرة العنف و الإرهاب و إنعدام أبسط ظروف الحياة الكريمة وتكاد تزجه في حروب طائفية بعد أن قسمته إلى أعراق وأديان أو لا يستدعي كلّ هذا الكفّ عن المتاجرة بالشعارات الكبرى والتوقف عند حياة الإنسان اليومية وأثر كل ما جرى عليها وتحديد المسؤول عن ذلك؟.
يتحدثون عن انسحابات في غزة في الوقت الذي تنزف الأسر الفلسطينية شهيداً تلو الآخر وتطالعنا الصحف بوجود طفلات يحاولن إيقاظ أخيهن الصغير الذي برد جسده بعد أن وصل صاروخ اسرائيلي حاقد إليه وكي لا يكون الكلام مبهماً أو ضبابياً فليفكر كلّ من يقراً هذه الكلمات ماذا تعني له الأحاديث عن القضايا السامية مثل "الحرية" و"الديموقراطية" إذا فقد عزيزاً أو تكبّد ظلماً لا يطاق بذريعة تحقيق مثل هذه "الأهداف الكبرى"؟! لقد شعرت شعوب العالم في الغرب والشرق بالتخمة من المصطلحات الفخمة والأهداف الكبرى التي يخترعها السياسيون لتحقيق أهداف انتهازية محددة، يساعدهم في ذلك المثقفون و الإعلاميون وأصبحوا تواقين للعودة إلى البدهيات التي آمن بها الإنسان منذ القدم ألا وهي أن قيمة أي فكرة أو مشروع هي بمقدار السعادة الإنسانية التي تسببها للبشر. أما إذا كانت الفكرة الكبرى تتناسب عكساً مع ابتسامة الأطفال، وأمن المنزل، وسلامة الوطن، والسعادة الأسرية، ومستوى الحياة، فإن اختيار الأهداف الصغرى يصبح الأمر البدهي للإنسان. طبعاً ليست هذه دعوة للتخلي عن القضايا الكبرى على الإطلاق ولكنّ القضايا الكبرى تحتاج أن تفرز مؤشرات تتناسب وما يتفق عليه البشر و يتوقون إليه ويرتقي بهم إلى فضاءات أعلى وأرفع لا أن تعرضهم لمستويات عيش أدنى أو معاناة لا تليق بالكرامة الإنسانية كما أقرتها الديانات وتعارفت عليها الشعوب.