لماذا يحتفظ العرب باتفاقيات لا تساوي قيمة الحبر الذي كـُتِبَت به؟

30May 2005

د. بثينة شعبان

 

رغم نجاح الحملة المنظمة التي قادتها الجماعات الموالية لإسرائيل بإلغاء قرار اتحاد الأساتذة الجامعيين البريطانيين بمقاطعة جامعتين إسرائيليتين فإنّ هذا الإلغاء لن يؤثر في المستوى غير الرسمي للمقاطعة كما قالت ليزا تراكي، الأستاذة في جامعة بيرزيت، كما أن معركة المقاطعة هذه بما تضمنـته من قرارات و نقاشات و مقالات جعلت قضية المقاطعة لإسرائيل شرعية و وضعتها على خريطة العمل السياسي في العالم، كما جعلت من مسألة المقارنة بين إسرائيل و النظام العنصري في جنوب أفريقيا أمراً مشروعاً. و علَّ هذا هو السبب الذي أثار حنق المتطرفين و اليمينيين في كلّ مكان حول قرار المقاطعة لأنه كشف الغطاء عن حقيقة هامة ألا و هي وهم  "الحرية"  و  "الديمقراطية"  التي تختفي وراءها العنصرية المعادية للعرب و الإسلام التي ورثت عنصرية جنوب أفريقيا ضد الأفارقة و لكنها لا تختلف عنها في جوهر رفضها للآخر و للتعددية الثقافية.

    و إذا قال قائل أننا يجب ألا نضخّم أهمية قرار جمعية الأساتذة الجامعيين البريطانيين فالجواب هو أن هذه الجمعية تمثــّل  49  ألف أستاذ جامعي و تحدثت سوزان بلاكويل و غيرها من قادة هذه المنظمة عن مقتل الطفلة إيمان الهمص على أيدي الجنود الإسرائيليين و الاقتناص الإسرائيلي المتعمّد لأرواح الأطفال الأبرياء و مصادرة الأراضي من أصحابها و تقديمها للمستوطنين و بناء جدار الفصل العنصري. و لا شكّ أنّ الذين أثاروا الضجّة المحمومة و التي بالنهاية ألغت  القرار يقدّرون أهمية قرار المقاطعة هذا و الذي يفصل للمرّة الأولى و بشكل واضح و صريح بين الموقف من اليهود، و حتى من إسرائيل من ناحية،  و الموقف من الممارسات العنصرية و التطهير العرقي و الاحتلال و جرائم الحرب من ناحيةٍ أخرى.  و في الإطار ذاته لم يتحمّل المتطرفون في تل أبيب كلمات قصيدة نرويجية أُدرِجَت في امتحانات نهاية العام الدراسي لتلاميذ الصف العاشر في النرويج و تروي قصّة الفلسطينية نداء سليمان العزة (14) سنة التي استشهدت بنيران الجيش الإسرائيلي في مخيم العزة في بيت لحم عام 2002 فسارعت نهار الاثنين بالاحتجاج إلى سفير النرويج لديها. تقول الشاعرة النرويجية التي شاهدت مقتل نداء على شاشة التلفزيون:

نداء ابنة الأربعة عشر ربيعاً

ترعرعت في مخيم للاجئين

لـُفَّ رأسها بالكوفية الفلسطينية المميّزة

نداء التي قنصها الجيش الإسرائيلي

دفعتني في نهاية المطاف للوقوف أمام مشهد العنف.

دفعتني كي آخذ موقفاً.

هذا هو بيت القصيد إذاً، إن معرفة الحقيقة تدفع الملايين في أنحاء العالم كي "يأخذوا موقفاً"  و ليس على العرب اليوم إلا أن يكرِّسوا جهودهم لكشف حقيقة الاحتلال و التهيئة للمقاومة الأخلاقية للاحتلال و عدم الوقوع في شباك المصطلح و الأوهام و التهويلات التي يرسمها لهم المحتلـّون. لقد كتب روبي كاسريلزو فيكتوريا برتن مقالاً افتتاحياً في جريدة الغارديان قائلاً بأن مقاطعة الجامعات الإسرائيلية هي لمصلحة الفلسطينيين و الإسرائيليين و أنّ السياسات العنصرية للحكومة الإسرائيلية تُعتبر صدى لسياسات التمييز العنصري في جنوب أفريقيا و لذلك يجب أن تكون ردّة الفعل عليها مماثلة لردود الفعل على سياسات جنوب أفريقيا العنصرية.

     هذا هو أول الخيط و على العرب مفكّرين و ساسة و إعلاميين الإمساك به و ملأ الفراغات من خلال سرد قصص الشهداء و المعتقلين و التوجّه إلى العالم بكل تفاصيل الإجراءات العنصرية البشعة  التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي على المدنيين الأبرياء و عدم الخلط بين الرغبة الحقيقية في السلام و التنازل عن حقوق شعب و حياة أطفال و أراضٍ يملكها أصحابها منذ مئات السنين. و إذا كان الفلسطينيون اليوم لا يملكون خيار المقاومة المسلـّحة، و هذا مفهوم لدى الجميع، فهم بدون شك يملكون خيار حمل قضيتهم كما حمل نيلسون مانديلا و شعب جنوب أفريقيا قضيته إلى كلّ أرجاء الأرض. و كما أن تحرير جنوب أفريقيا قد حرّر البيض و السود معاً من أدران العنصرية  و عار العنصرية على كليهما فإن الفلسطينيين     و الإسرائيليين المحبّين للسلام سيجنون ثمار مقاطعة السياسات العنصرية و التطهير العرقي لصالح المدافعين عن السلام و الحريّة و الاستقرار. فالاحتلال الإسرائيلي يقتل  و يدمَّر و يصادر الأراضي و يطرد الفلسطينيين و من الواضح أن انسحابات من غزة و زيارات إلى واشنطن لم تقدّم و لن تقدّم حلولاً يمكن أن تقبلها الشعوب أو تدافع عنها في المستقبل. فها هو شارون يعلن في واشنطن أنه لن ينسحب إلى خطوط الرابع من حزيران و لا يؤمن بحقّ العودة للفلسطينيين و ها هو بوش يتحدّث عن خط جديد هو خط 28 أيلول 2000  أي يوم بدأت الانتفاضة دون السؤال لماذا بدأت الانتفاضة أصلاً و دون تذكــّر الهدف الأساسي منها ألا و هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية.

      لقد دعت مؤتمرات المنظمات غير الحكومية في ديربان عام 2001  و في بوتراجايا ماليزيا عام  2005 إلى مقاطعة إسرائيل كما تمّت مقاطعة نظام جنوب أفريقيا العنصري و لا بدّ للعرب من أخذ هذا الخيار السلميّ و الفعّال من أجل تحقيق سلام يتصف بالعدالة و إحقاق حقوق الشعوب العربية. و المضحك المبكي أنّ بعض المدافعين عن السياسات العنصرية الإسرائيلية أخذوا يشيرون إلى قرار المقاطعة للجامعات الإسرائيلية كعثرة في طريق المعرفة و حريّة الفكر متناسين قرار قوات الاحتلال الإسرائيلي منع دخول أي كتاب إلى الضفة الغربية و غزّة لأربع سنوات خلت و بذلك حرمان الشعب الفلسطيني من حرية الفكر و المعرفة و منع المفكرين الفلسطينيين و آخرهم الشيخ كمال الخطيب من مغادرة الأراضي المحتلة لحضور المؤتمرات و الندوات. كي لا يفضح هؤلاء الممارسات العنصرية التي يشهدونها على الأرض. كما أنّ عنصرية شارون ليست بحاجة إلى برهان فهاهو يصرّح من واشنطن "أن الاتفاقات مع القادة العرب و تصريحاتهم و خطبهم لا تساوي قيمة الحبر الذي كـُتِبَت به"  أولا يكفي هذا التصريح للقادة العرب كي  يعيدوا النظر باتفاقات مع من ينظر إليهم جميعاً نظرة عنصرية دونية و أن يفكـّروا بخيارات شعوبهم و أن ينضمّوا على الأقل إلى حملة مقاطعة إسرائيل في كلّ أنحاء العالم و على كلّ المستويات إلى أن تنثني عن إجرامها بحقّ الشعب العربي فتُنهي أبشع احتلال تعرّض له شعب في الذاكرة الإنسانية و تطلق سراح معتقلي الرأي من  سجونها و تعيد البيوت و الأرض و المياه لأصحابها الشرعيين؟ لقد تقدّمت شعوب أخرى على العرب في الدفاع عن حقوقهم و لا بأس في ذلك لأنّ قضيتهم عادلة و لكن حان للعرب جميعاً أن يكونوا في طليعة من يغضب و يثور على تدنيس القرآن الكريم و أن يتخذوا موقفاً يشبه موقف جورج غالاوي الذي ذهب إلى الكونغرس الأمريكي و أعلن رؤيته و موقفه للعالم أجمع و نال احترام العالم برمّته. لم تحقق التنازلات المجانية الاحترام لأحد حتى من قِبَل الذين قُدِمَت لهم، و لكنّ الصمود و الاستمرار في الكفاح هو طريق الحريّة و إذا كان وجه الكفاح المتاح اليوم هو المقاطعة و الدعوة إلى موقف دولي عادل من الصراع العربي الإسرائيلي فليضع العرب استراتيجيتهم لفعل ذلك■