النساء كأقليات في الغرب والشرق

 23May 2005

د. بثينة شعبان

 

رغم الأحداث الدامية و التحولات المقلقة التي تعاني منها العديد من بلدان الشرق الأوسط بسبب الحملة الغربية المعادية للعرب و الإسلام يعاد طرح قضايا هامة في عملية التنمية العربية مثل موضوع المرأة كنوع اجتماعي من قبل المرأة العربية بفعل كفاحها من أجل تحقيق تكافؤ الفرص لها، و لكن أيضاً من قبل فعاليات هامة كما حدث مؤخراً في المنتدى الاقتصادي الدولي في الأردن و في مؤتمر سيدات الأعمال الدولي في دمشق، خاصة مع نجاح المرأة العربية في الكويت في استعادة حقها في الترشيح و الانتخاب و شغل مواقع سياسية عليا. و لا يخفى على أحد أن شأن المرأة كأي شأن في العالم له دعاته الحقيقيون و المؤمنون به لأسباب دينية و اجتماعية و سياسية و هناك أيضاً المتاجرون به و الداعون إليه كنوع من الدعاية لأنظمتهم أو بلدانهم أو سياساتهم.

و المشكلة التي يواجهها العالم اليوم في عصر المعلومات و الإعلام السريع هي أن المفهوم يكاد يكتسب أولوية و أهمية على الواقع و من هنا تُبذلُ الجهود الحثيثة لتصحيح المفهوم أو تشذيبه بغضّ النظر عمّا يجري على أرض الواقع، الأمر الذي يقللّ من فرص معالجة المعاناة على الأرض أو وضع حدّ لها.

     و في هذا الإطار فقد درجت مؤخراً جهات غربية مختلفة، و من موقع التعالي العنصري، على حضّ العرب، و المسلمين على تمكين النساء و إعطائهن الدور اللائق في حياة الدولة و المجتمع و كأنّ هذه المسألة أصبحت ضرباً من الماضي بالنسبة للغرب و لهذا يعمد الغرب إلى تحصيل حقوق المرأة في بلدان أخرى بعقلية الفاتح الناشر للحضارة في البلدان العربية و المسلمة هذه المرة! بعد أن انتهى من هذه المسألة في بلدانه! من هنا يأتي حضور لورا بوش المنتدى الاقتصادي في الأردن و حديثها عن تمكين النساء و تعبيرها عن سعادتها بما حققته المرأة العربية في الكويت مؤخراً ليضرب عصفورين بحجر واحد: الأول هو محاولة وضع وجه مختلف للسياسات الدموية الأمريكية في الشرق الأوسط و التي أثارت غضب العالم نظراً للمعاناة الشديدة التي تنزلها بالشعبين العراقي و الفلسطيني، و الثاني هو أن تقدّم الولايات المتحدة كبلد انتهى من معالجة حريات و حقوق النساء رغم أن الواقع السياسي الأمريكي، و الغربي عموماً، لم يتطور كثيراً ليحل معضلة تمثيل المرأة في أجهزة النظام السياسي.

و لكنّ ميزة هذه المؤتمرات و الفعاليات هي ما يتقدم به الباحثون من أوراق عمل و التي تكشف واقعاً مختلفاً تماماً عمّا يروج له الإعلام في معظم الحالات و لكن و للأسف فإن الإعلام يتجاهل الأرقام التي تشير إلى واقع مختلف و يمضي في تثبيت المفاهيم الجاهزة في الذاكرة نتيجة الكسل أحياناً أو نتيجة وجود أجندة و خطط مسبقة في أحيان أخرى.

     لا شك أن استعادة المرأة العربية في الكويت حق التصويت و الترشيح في الانتخابات أمر في غاية الأهمية و نبارك لها و لبلدها هذا الإنجاز الضروري الذي أكدته قيم ديننا الحنيف و معطياته التاريخية منذ بيعة العقبة للرسول الكريم (ص) و لكن علينا أن نتذكر أنه في معظم البلدان العربية و المسلمة تمارس المرأة حق التصويت و الترشيح منذ بزوغ فجر الاستقلال و في أكثر من دولة مسلمة شغلت المرأة أعلى المواقع الحكومية بما في ذلك الرئاسة، و رئاسة الوزراء، و الوزارة و القضاء و النيابة، كما أن لها حضورها المميز في مختلف مجالات السياسة و الأعمال و الاقتصاد. و حقيقة ما توصلت إليه الأبحاث اليوم هو أن نسبة النساء التي تشغل مواقع هامة في البرلمان أو الحكومة تتراوح في معظم بلدان العالم بين 10-15% . ففي الكونغرس الأمريكي على سبيل المثال تبلغ نسبة النساء 14 % و في البرلمان السوري و التونسي تبلغ نسبة النساء 12% و الدول الوحيدة التي حققت واقعاً مختلفاً للنساء هي دول الشمال. و يلاحظ المراقب المهتم ندرة ظهور النساء في اجتماعات دول الناتو أو وزراء خارجية الغربيين أو رؤساء الاتحاد الأوربي بحيث يشعر المرء أن بلداناً عجزت عن تطوير أنظمتها السياسية المتوارثة منذ قرون حيث ما يزال تمثيل النساء لا يحقق نسبة متوازنة و عادلة في مواقع اتخاذ القرار في هذه البلدان لا يحقّ لها أن تلفّن الآخرين دورساً نظرية في تمكين المرأةّ.

     بالإضافة إلى هذه الإشكالية القائمة نتيجة التباين بين الصورة و الواقع فإنّ الدول المسلمة تفاخر بما قدّمه الإسلام للمرأة من قيم التكافؤ، و الكرامة منذ أربعة عشر قرناً حيث تثبت الشريعة حقوق المرأة المسلمة في الشراكة بالحكم و العمل و الحياة.

كما أن العديد من الباحثين و الباحثات المسلمين يأملون بتغييراتٍ مختلفة في وضع المرأة عمّا شهده الغرب مستفيدين من أخطاء فيما يتعلق بإهمال وضع الأسرة و الأطفال و كبار السن و محاولين إعادة تعريف تكافؤ الفرص بطريقة تحفظ لجميع أفراد المجتمع خصوصيتهم بعيداً عن التصنيفات الدونية لكل عمل يتعلق بالأسرة وتربية الأطفال أو خدمة الكبار. من هنا فإن الدعوة اليوم في العالم العربي والإسلامي تتوجه إلى تحقيق تكافؤ الفرص التي حث عليها الإسلام بدلاً من المساواة بحيث يقوم كل فرد، رجل كان أم امرأة، بأفضل ما يتقنه من أعمال تحقق العائدية المثلى له ولمجتمعه. كما يحاول الباحثون والباحثات طرح مسألة تنشئة الجيل وتربية الطفل والاهتمام بالمسنين كقضية مجتمعية لم ينجح الغرب بتقديم أنموذج يحتذى لحلها. لا بل إن أصواتاً دينية وسياسية رائدة في العالمين العربي والإسلامي اليوم تنظر إلى تقديم حلول لأوضاع سياسية واجتماعية معقدة وتؤمن أن تفعيل دور المرأة والاستفادة من إمكاناتها قد يغيّر حياة الشعوب والبلدان لما فيه خيرها. وفي هذا الصدد فإن القيم الإسلامية التي تدعوا النساء للتشبث بها والعمل وفق معاييرها وليس تعاليم بعض المذاهب المتطرفة هي التي ستترك في النهاية أبلغ الأثر على توجهات هذه البلدان المستقبلية في مختلف المجالات. والانطلاقة سليمة وواضحة فهي دعوة للثقة بالنفس وعدم استصغار أدوار الأمومة والأسرة ولكن في الوقت ذاته عدم الخوف من الترشيح لأعلى المناصب وعدم الخوف من الخسارة وعدم قبول "لا" كجواب على أي شيء. وفي هذه الانطلاقة أيضاً الحضّ على احترام الدين والثقافة والحرص على التراث والتاريخ والمنافسة الشديدة في الارتقاء إلى أعلى المناصب. ولكن مع فرز قيم أخلاقية سياسية ومجتمعية لا تضمن دخول المرأة وبروزها وحسب وإنما تلعب دوراً هاماً في إصلاح هذا الكون وإنقاذه من المتاجرة بالمواقف والمفاهيم لأسباب دعائية أو سلطوية أو ربحية. وفي هذه الانطلاقة أيضاً دعوة للغرب لممارسة الديمقراطية الحّقة قبل أن يعمل على تصديرها مشوّهة، إذ كيف يمكن لبلد أن يكون ديمقراطياً بينما يتجاهل خمسين بالمئة من قواه الفاعلة ألا وهم النساء؟  وما الفرق بين أن تكون هذه النسبة من النساء أم من أقلية دينية أو عرقية ؟ أولا تستدعي الديمقراطية تفعيل كافة عناصر المجتمع وضمان حقوق متساوية فلماذا إذاً ورغم التقدم الصناعي المعلوماتي الهائل الذي حّقّقه الغرب لا يزال عاجزاً عن تطوير نظامه السياسي ليحلّ معضلة تمثيل المرأة حيث ما زالت نسبة النساء في مواقع القرار لا تتجاوز 15 %. إن كشف واقع المرأة الحقيقي في الغرب لا يقللّ من ضرورة معالجة واقعها في الشرق ولكنّ المطلوب اليوم هو التوقف عن المتاجرة بالمواقف وتبادل التهم والتركيز على تحقيق تكافؤ الفرص للنساء كضرورة سياسية واقتصادية حضارية هامة ولا بدّ من أن يكون الرجال وكافة المؤسسات معنيّين فعلاً بتحقيق هذا التكافؤ. علّ أهم ما يمكن أن نؤكد عليه في مطلع القرن الواحد والعشرين هو أن مشاركة المرأة الفاعلة في كافة مناحي الحياة وما يترتب على ذلك من تسهيلات مختلفة وأدوار عائلية واجتماعية جديدة للرجل يجب أن تصبح مسألة تُناقش في الخطط التنمويّة للبلدان وليس في ندوات نسائية محضة يطغى عليها البوح والمشاركة الوجدانية بينما يبقى الواقع يئنّ تحت وطأة المواقف الموروثة والقوانين المجحفة.