التوجه شرقاً: خيار دولي لم يتعامل معه العرب

 16May 2005

 

د. بثينة شعبان

 

عقد في بوتراجايا – ماليزيا -  بين 9-11 أيار الجاري مؤتمر وزاري لدول حركة عدم الانحياز بعنوان "تمكين المرأة لمواجهة تحديات العولمة" حضره ثمان و خمسين وزيراً و خمسة و ثمانين رئيس وفد. و هذه هي المرة الأولى في تاريخ هذه الحركة، التي يعود تأسيسها إلى رغبة و سعي البلدان المستقلة حديثاً إلى التكتل بعيداً عن الصراع بين القوى العظمى خلال الحرب الباردة، و التي تخصص مثل هذا الاهتمام للمرأة ضمن بلدانها بهدف مواجهة المشاكل التي تعيق تقدم المرأة في هذه البلدان و بحث السبل لتمثيل المرأة تمثيلاًَ عادلاً في مواقع اتخاذ القرار. و قد نوقش أيضاً وضع المرأة في مناطق النزاعات المسلحة و مواضيع عديدة مثل العنف ضد المرأة و المرأة و الصحة و المرأة و السلام و العدالة. و بعد يومين من النقاش الجاد قرّر المؤتمر رفع النتائج التي توصل إليها إلى قمة عدم الانحياز ليتم تضمينها و الأخذ بها في القمة القادمة. كما تقرّر عقد المؤتمر مرة كل سنتين، و كأن بلدان هذه الحركة استفاقت فجأة لتصحّح وضعاً أهملته طوال عقود بإصرار بذرائع مختلفة مغلّفة أحياناً بشواهد دينية أو اجتماعية و لكنها في الجوهر تتعلق بمستويات التطور الحضاري لهذه البلدان بما في ذلك تطور الأنظمة السياسية في هذه البلدان باتجاه عوالم الحرية و الديمقراطية.

     و تسجل هذه المبادرة لماليزيا لأنها منذ سارت على طريق التميز وضعت الرؤية و المنهجية لتفعيل دور المرأة السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي مما انعكس ايجاباً على حاضر و مستقبل هذا البلد، و منذ تولي ماليزيا رئاسة منظمة المؤتمر الإسلامي و هي تدعو إلى اجتماعات نوعية منها اجتماع مماثل لنساء بلدان منظمة المؤتمر الإسلامي إلا أن خمس بلدان افريقية فقط لبت هذه الدعوة!! فيما رضيت البلدان الأخرى بأن تغط ّ في كهفها بنوم عميق! كما استضافت ماليزيا عام 2003 مؤتمر "بناء القدرات لدول منظمة المؤتمر الإسلامي" و في حزيران القادم ستعقد مؤتمراً اقتصادياً لدول منظمة المؤتمر الإسلامي لتعزيز التبادل التجاري و الاقتصادي بين دول منظمة المؤتمر الإسلامي.

و على الصعيد السياسي استضافت ماليزيا منذ أشهر قليلة مؤتمر المنظمات غير الحكومية بعنوان " السلام في فلسطين" دعا فيه رئيس وزراء ماليزيا إلى مقاطعة إسرائيل اقتصادياً اسوة بما حدث لنظام جنوب إفريقيا العنصري إلى أن ينال الفلسطينيون حقوقهم و هو ما لا تدعو إليه العديد من الدول العربية نفسها حالياً!. بل هناك من يعارضه! و لم يصدر عن هذا المؤتمر "بيان ختامي" أو " توصيات" كما هي عادة المؤتمرات العربية، بل خطة عمل تدعو جميع المنظمات غير الحكومية في العالم لمقاطعة إسرائيل إلى أن توقف إسرائيل نشاطها الاستيطاني و جدار الفصل العنصري و تعمل مع الأسرة الدولية لتأسيس دولة فلسطينية مستقلة و آمنة و قابلة للحياة. من المعروف أن ماليزيا تطلق منذ زمن حملة " الإسلام الحضاري" للتعريف بالدين الإسلامي الحنيف في مواجهة الحملة العنصرية الشرسة التي يتعرض لها المسلمون خاصة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول و في هذا الإطار عقدت ماليزيا مؤتمراً للشخصيات الإسلامية البارزة لإنضاج استراتيجيات للفكر الإسلامي المستنير.

     و يأتي كل هذا تتويجاً لسياسة ماليزيا التي بدأها رئيس وزراء ماليزيا السابق "مهاتير محمد" بالتوجه شرقاً حيث لجأ إلى اليابان و الصين لمساعدته في تحقيق النهضة الحضارية بما فيها في المجالات الاقتصادية و العمرانية و الاجتماعية التي تنشدها بلاده و أثبت من خلال ما حققته ماليزيا من تقدم و استقرار و تعايش و نهضة أنه كان محّقاً و أنه تمكن من النهوض ببلده دون أن يتنازل عن أي من ثوابته أو قيمه أو مكانة إسلامه.

و اليوم حين ترأس ماليزيا منظمة المؤتمر الإسلامي و قمة عدم الانحياز و تتمتع بهذا التوجه الفريد من تعزيز لدور الإسلام الحضاري دفاعاً عن حقوق الشعب الفلسطيني بما في ذلك حقه في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي عن أراضيه و بقية الأراضي العربية المحتلة، و في ظرف دولي يعاني فيه العالم برمته من تفرد القطب الواحد بالقرار الدولي و يمكن لدول عدم الانحياز و منظمة المؤتمر الإسلامي أن تلعبا دوراً هاماً على الساحة الدولية و بذل الجهود لتطبيق قرارات الشرعية الدولية على كل القضايا الهامة في العالم دون ازدواجية تتبناها الدول الكبرى وفق مصالحها الضيقة و بما يحقق الأمن و الاستقرار و الحرية و الاستقلال لبلدان الحركة.

     ربما حان الوقت لإخراج العرب، فكراً و أنظمة، من التبعية المطلقة للغرب المعادي لكل ما هو عربي ثقافة و ديناً و مصالح و التوجه شرقاً نحو بلدان تشترك معنا في القيم و المصالح و التوجهات و هي بلدان عدم الانحياز و منظمة المؤتمر الإسلامي خاصة في هذه الظروف التي وصلت العديد من بلدانها إلى مستويات متقدمة في التطور الحضاري اقتصادياً و علمياً و ثقافياً.

لقد ربط العرب أنفسهم ، مصالح و علاقات و ثقافة طوال قرن كامل،  بالغرب فماذا حصلوا منه غير الاستعمار و الاحتلال و الحروب و العداء و الكراهية! و تخلوّا عن خيارات دولية أخرى مما أضعفهم على المستويين القطري و القومي مما يشير  إلى ضعف بنيوي في الفكر السياسي العربي.

من الذي تبنى مؤخراً "حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي" و هو قرار هام في هذه الظروف الحالكة التي يهددنا فيها الغرب بإعادة الاحتلال و الوصاية و الانتداب على بلداننا الواحدة بعد الآخر!؟  الذي تبنى هذا القرار هو مؤتمر البلدان العربية و الأمريكية الجنوبية الذي لم يعره العرب الكثير من الاهتمام؟! أي أن هناك خيارات سانحة أمام العرب في التحرك الدولي للدفاع عن مصالحهم و تحقيق نهضتهم و الحفاظ على حريتهم و ذلك بالتوجه شرقاً و الابتعاد عن الأسر الغربي فالمركزية الغربية تحاول التكفير عما ارتكبته في المحرقة من جرائم بالتضحية بالعرب و حقوقهم ومصالحهم و أرضهم و بالسماح لقادة إسرائيل بسحق العرب و حرمانهم من حريتهم و استقلالهم.

     ربما على العرب، خاصة ً صانعي الفكر السياسي و السياسات، اتخاذ القرار و التوجه شرقاً و إيلاء التعاون و التعامل معه في كافة المناحي الأهمية الأولى التي يمكن أن تعزز على الساحة الدولية واقعاً مختلفاًَ لن يتمكن الغرب من تجاهله في الأعوام القادمة خاصة و أن بلدان العالم شرقاً و جنوباً تبدي، حكوماتها و شعوبها، الاستعداد للتعاون مع العرب بما في ذلك الدفاع عن قضاياهم نظراً لعدم وجود تضارب في القيم و لا في المصالح و لكن الحلقة المفقودة في هذا الإطار هي غياب التنسيق العربي فكرياً و سياسياً و الشلل الذي أصاب النظام العربي لأسباب مختلفة فأفقده فعاليته على تحديد الأولويات و منها في هذه المرحلة الدور الذي يمكن أن تلعبه العلاقات المتينة مع بلدان تشاركنا القيم و المصالح و التوجه نحو الاستقلال عن الهيمنة الغربية في مستقبل منطقتنا.

     و لا شك بأن هذا الدور ممكن كونه ضروري اليوم لمساندة العرب في مرحلة ضعفهم و تشتتهم و مرحلة تكالب القوى العنصرية الغربية ضدهم و ضد حضارتهم و مصالحهم و لغتهم و أرضهم و هويتهم فهل يتخذ العرب القرار الحكيم الذي اتخذه مهاتير محمد منذ عقدين "بالتوجه شرقاً" لما فيه مصلحة بلدانهم و أوطانهم و حقوقهم و مستقبل أجيالهم؟.