التهدئة أم السلام؟

9May 2005

 

د. بثينة شعبان

 

ماذا حدث بعد 8  شباط 2005 حين أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس خلال قمّة شرم الشيخ التي جمعته مع شارون وقفاً للعمليات المسلحة و تعهدت الفصائل الفلسطينية المسلحة بالالتزام بفترة "تهدئة" غير رسمية في العمليات ضدّ إسرائيل؟ استمرّت قوات شارون بقتل المدنيين العزّل بمن فيهم فتية يلعبون كرة القدم، و شباب يكافحون من أجل الحرية. و آخر ما حدث هو أن الشابين الفلسطينيين عدي و جمال عاصي قـُتِلا برصاص الجنود الإسرائيليين في قرية بيت لقيا جنوب غربي رام الله لأنهما خرجا في مظاهرة احتجاج ضدّ بناء الجدار الفاصل الذي يصادر اراضيهم و يقتلعهم من ديارهم. و قبل أيام جرح فلسطينيون و إسرائيليون كانوا يتظاهرون سوية ضدّ اقتلاع الجيش الإسرائيلي لاشجار الزيتون كي يبنوا مكان أشجار الزيتون جدار فصل عنصري و قبل ذلك اجتاحت الدبابات الإسرائيلية مدناً عدة و قتلت من شاءت و انسحبت حين رأت ذلك مناسباً لها و لقوات احتلالها.

هذا إذا لم نذكر التنكيل اليومي و الاختطاف و السجن الذي تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين فقد اعتقلت قوات الاحتلال العشرات منذ تلك "التهدئة" و وضعتهم خلف قضبان السجون الإسرائيلية، المعروفة بانتشار التعذيب فيها، و ذلك لأنهم "ناشطون"  ضدّ الاحتلال و الإذلال. كما تمنع قوات الاحتلال الفلسطينيين من أداء الصلاة و يهدّد المتطرفون بالإعتداء على المسجد الأقصى و ها هم يسرّبون أخباراً عن خطط لتهويد القدس في عام 2020.

و على المستوى السياسي أعادت قمة الجزائر عرض الدول العربية مجتمعة صنع السلام مع إسرائيل إذا ما انسحبت إسرائيل إلى خط 4 حزيران 1967 و لكنّ شارون استمر في رفض هذا العرض كما عروض السلام جميعها كما أن إسرائيل اعترضت على اقتراح الرئيس الروسي بوتين عقد مؤتمر دولي للسلام  و كانت النتيجة أن سحب هذا العرض. و السؤال هو: لماذا تريد إسرائيل "التهدئة" مع حماس و ترفض السلام مع جيرانها؟؟  و لماذا تعترض على كل اقتراح أو خطة لتحقيق السلام يمكن أن تقود إلى حلول عادلة و شاملة للصراع العربي – الإسرائيلي؟  هل المطلوب هو "التهدئة" كي تتمكن قوات الاحتلال الإسرائيلي من استكمال بناء جدار الفصل العنصري و بناء وحدات استيطانية جديدة تستقدم مستوطنين من بلدان أخرى ليحلوا محلّ الشعب الفلسطيني، و هل المطلوب هو "التهدئة" من أجل استكمال إجراءات تهويد القدس؟  و هل الضجّة التي تُثَار حول الإنسحاب من غزة و تأجيل و مرحلة هذا الإنسحاب و إفراغه من مضمونه تهدف فقط إلى تحقيق كلّ هذه الأهداف و كأن شارون يريد السلام في الوقت الذي يتخذ به أعتى الإجراءات لابتلاع الضفــّة و القدس و حقوق اللاجئين الفلسطينيين؟؟ هل الاستمرار في قتل الشباب الفلسطيني و التنكيل بالشعب الفلسطيني جزء من الثمن الذي على الفلسطينيين أن يدفعوه كي يتيحوا لشارون و قواته المضيّ في خططهم لابتلاع ما تبقى من فلسطين بحجّة الإنسحاب من غزّة و المراقب اليوم للصحافة العالمية يلاحظ أن العديدين بدأوا يستخدمون غزّة بدلاً من فلسطين فهل هذا هو المخطط بينما يوهم العرب أنفسهم بالتزامات دولية و أحاديث معسولة عن دولة فلسطينية نشهد جميعاً خططاً و إجراءات منتظمة و حثيثة لمنع تأسيس هذه الدولة في المستقبل المنظور.

    إن الخطط و الإجراءات الإسرائيلية هذه تعتمد على ركائز أساسية في الإعلام و الدبلوماسية العامة و التعامل مع العرب الذين يؤمنون بحق شعب فلسطين بالحرية و الاستقلال. فعلى المستوى الإعلامي تركـّز على "تهدئة" بدلاً من "السلام"  و على نبذ الطرفين للعنف (نظرياً) بينما تستمر قوات الاحتلال بممارسة اسوأ أنواع العنف و القتل ضدّ الشعب الفلسطيني الأعزل و على الحديث عن انسحاب من غزّة و تأجيل هذا الانسحاب بينما تستكمل بناء جدار الفصل العنصري و تصادر الأراضي الفلسطينية و تستكمل إجراءات تهويد القدس. و في الدبلوماسية العامة ترمي إسرائيل الرماد في العيون فيزور وزير خارجية إسرائيل مصر و يقترح خريطة طريق للتطبيع مع الدول العربية و من ثمّ يزور موريتانيا بينما تعمل السفارات و المبعوثون الإسرائيليون يومياً في شتى أنحاء العالم لإقناعه أن إسرائيل جادّة في سعيها "للسلام" و لكنها تعاني من إرهاب و انعدام أمن مواطنيها و ترصد من أجل ذلك الميزانيات السخيّة و تؤهّل الكوادر القادرة على القيام بهذه المهمّة. و في العلاقات مع العرب تطلق أخباراً أو معلومات تزيد العرب إحباطاً و يأساً و تفتت جهودهم و تسلط الأضواء على الحدود بين سوريا و لبنان و على إلغاء العلاقة بين سوريا و العراق بالحديث عن تسلل "الأجانب" عبر الحدود. و تحرِّض دوماً على ضرب العلاقة بين سوريا و الأردن و تبث أكاذيب لوصم العرب بالإرهاب مثل فرقة موسيقية سوريا اتُهِمَت بالارهاب و إلى ما هنالك من أخبار تهدف إلى خلق الفرقة و الشكوك بين الاشقاء و تصوير المحتلّ و القاتل و العنصري و كأنه نموذج "ديمقراطي" لهذه المنطقة. و الحلّ  يبدأ بأن يمارس العرب ذكاءهم الفطري المعروف باللغة و الأدب و العلوم أولاً فيرفضون اللغة التي تمّ تصميمها لخدمة أغراض أعدائهم و يميّزون بين الأخبار و الإفتراءات التي تُبَث عِبر وسائل الإعلام من أجل تقويض حقوقهم  و ينطلقون من قضاياهم و من منظورهم بدلاً من الدوران في فلك سياسات و مخططات يرسمها الآخر.  فالمطلوب اليوم العمل من أجل السلام و التركيز على رفض قادة إسرائيل لكلّ مبادرة لصنع السلام الحقيقي و الدائم و الشامل و استخدامهم "التهدئة" و  "التطبيع"  لدق أوتاد الاحتلال عميقة في قلب الأرض الفلسطينية و الواقع العربي و المطلوب من العرب أيضاً أن يخرجوا من دائرة الإحباط و اليأس و أن يؤمنوا بأمتهم التي رفضت الذلّ و تفوقـّت على كلّ محتلّ و مستعمر في تاريخها مهما كانت قواه ساحقة، و أن يؤمنوا بحقوقهم المشروعة وفق كلّ القوانين و الشرائع الدولية و الدينية و ألا ييأسوا رغم جسامة العنف و الإرهاب المسلط عليهم خلال هذه الفترة و ألا ينخرطوا في الدوائر التي تصممها لهم مبتكرات أعدائهم و أن يزيحوا الأضواء التي يركـّزها الأعداء عن خلافاتهم الصغيرة و يسلطوا الأضواء حيث يجب ان يتمّ تسليطها على من يستهدفنا جميعاً في النهاية و يستهدف حضارتنا و لغتنا و حقوقنا فالمشكلة ليست في دير العشائر و لا في تأثير عربي على آخر و لكنّ المشكلة هي ان تجريد العرب من حقوقهم بما في ذلك حرمانهم من حقّ المقاومة حتى و إن كان بالتظاهر يهدف إلى إخراجهم من التاريخ.

المطلوب اليوم هو أن نعيد أذهان العالم للتركيز على ضرورة إرساء اسس السلام العادل و الشامل في منطقتنا و ليس مراقبة حالة "التهدئة" و "التطبيع" بسلبية مطلقة يقاطعها رصاص تفرغه قوات الاحتلال برؤوس أبنائنا و فلذات أكبادنا متى شاءت■