العرب عام 2005

د. بثينة شعبان

26 كانون الأول 2005

قطبان أساسيان يتجاذبان التحليلات لما جرى في عالمنا العربي في عام ينصرم وآخر يطل بآفاقه المماثلة: قطب انهزم نفسياً وأصبح يرى الآخر (الذي أعلن نفسه قولاً وفعلاً معادياً) كمنقذ لا غنى عنه لإصلاح حال العرب عبر التخلي عن مفاهيم السلام والتضامن والسيادة وتبني شعار إحلال "الديمقراطية" الذي يطرحه الآخر (بشروط) في العالم العربي، وقطب آخر يرفض كلّ ما هو قادم من الغرب ويلقي باللوم عليه وينشد الانغلاق والتكلس داخل المواقف القديمة طريقاً وحيداً للتخلص من الهيمنة الأجنبية الزاحفة. وبين هذا وذاك ينحسر الخلاص القومي للأمة  العربية وتنزوي أكثريتها الصامتة حالياً والتي ازدهرت في النصف الأول من القرن العشرين في سعيها لتحقيق الحلم العربي التاريخي في تكوين كيان عربي معاصر يكمّل العرب فيه بعضهم البعض ليستثمروا الخيرات التي وهبها الله لهم ليواصلوا دورهم الحضاري في عمران العالم. ولكن عام 2005 شهد استمرار التمزق العربي تحت وطأة الضغوط الخارجية المعادية وحالة الضعف الموروثة  من عجز الكيانات وضعف أدائها مما سبب احتلال بلد عربي كبير وهام وقويّ بعد احتلال فلسطين وأجزاء أخرى من الوطن العربي التاريخي، كما يهدّد باستمرار الانقسامات وما ينتج عنها من ضعف شامل في كلّ المؤشرات السياسية والاقتصادية والدولية التي تشير إلى أنها تعود إلى تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ. فها هو عام ألفين وخمسة يودّع مهد السيد المسيح ومدن عربية هي مشاهد لحضارات العرب التي قدمت للبشرية نموذج تعايش الأديان والأعراق في أقدم منطقة حضارية على وجه البسيطة والعرب أسوأ حالاً مما كانوا عليه في تاريخهم الحديث فلماذا وإلى أين نحن ذاهبون؟

       الجواب على سؤال "لماذا" صعب ولا بدّ من قوله بصدق لأننا مالم نشخّص أمراضنا بجرأة وشفافية لا يمكن لنا أن نشفى منها، وحقيقة الأمر هي أنّ العرب تحدثوا عن أمور كثيرة في تاريخهم وعن طموحات كبرى في الوحدة والتحرر والديمقراطية ولكنهم لم يقرنوا القول بالعمل، أو أنهم في أحايين شتى أكثروا من القول إلى درجة أن القول أنهكهم ولم تبق لديهم قدرة على العمل وبعد مرور سنواتٍ طوال وبعد تخلّفهم الشديد عن الركب استسلم البعض إلى منطق العجز والتحق بركب من يدّعي أنه قادم لإحلال "الديمقراطية" ونشر "الحرية" لمن عجزوا عن فعل ذلك بأنفسهم وأصبح لهذا المنطق مروّجوه كحلٍ لا بديل عنه كي نلحق بما  حققه العالم.

       وفي العودة إلى منطق الأمور نقول أن على العرب اليوم وغداً أن يصلحوا أوضاعهم ولن يصلحها لهم أحد وأنّ التحاقهم بركب من يدّعي مصلحتهم دليل على العجز وأنّ سبب هذا الهروب المستسلم إلى الآخر هو تراكم التجزئة والشقاق بين الحكام والأنظمة الذي أدى إلى ضعف الإدارة وهدر الموارد وانعدام النموذج الذي يمكن أن يبنوا عليه. وهنا لا بدّ من البدء والاعتراف أنّ العرب كمنظومة دولية لم يتمكنوا من خلق مؤسسات (الجامعة العربية) تنفذ وتطبق ما اتفقوا عليه على الأقل، أو أنهم اتفقوا في الظاهر من أجل إصدار بيان ختامي واختلفوا في واقع الحال، مدركين أن البيان الختامي سينضم إلى متحف من البيانات الختامية التي لم يُخصص لها تمويل ولم توضع لها خطة عمل ولم تتم تسمية فريق عمل للإشراف على تطبيق بنودها ولذلك أصبحت البيانات الختامية لا تعني المواطن العربي ولا الموقف الدولي في شيء فأصبحت الاجتماعات والهيئات العربية وحتى الجامعة العربية عاجزة عن حلّ خلافات بسيطة أو التدخل لدرء تراجع علاقات عربية بينية أو داخلية وهذا يعني منتهى الفشل في تقديم شيء ملموس يحافظ على الكيان الدولي للعرب. ولكنّ هذا لا يعني انعدام الحاجة لهيئات أكثر تطوراً ومصداقية وقادرة على العمل والإنجاز الحقيقيين. إذا كنا نبغي النجاح فعلينا أن نتعلم من الآخر القالب المؤسساتي والديمقراطي وأن نملأه بالأفكار والأسس التي تعبّر عن ثقافتنا وواقعنا وطموحاتنا.

       اتسم عام 2005 بالاتساع المضطرد للتمزق على الساحة العربية وتواصل الإذلال الأجنبي للعرب في كلِّ مكان. فمن المجزرة الإسرائيلية المتواصلة التي يقع ضحيتها يومياً أطفال ورجال ونساء فلسطين وتدمير مساكنهم وقراهم واقتلاع أشجارهم وترحيلهم عن مدنهم ليحلّ محلهم مستوطنون جدد، إلى التعذيب في سجن أبو غريب وبوكا وغيرها من السجون السرية، وإلى مجازر الفلوجة وتلعفر ومجازر الإرهاب المتواصل في المدن العراقية، والى تهجير مسيحيي العراق والقدس والضفة الغربية الذين يشكلون جزءاً من هويتنا العربية، وإلى الهجمات التي يتعرض لها السودان وغيره، وإلى الشروخ المتزايدة بين البلدان العربية وغيرها من مظاهر التمزق المتسع باستمرار. فها هي المنطقة اليوم والإعلام الناطق بالعربية يتحدث فيها عن سنّة وشيعة وأكراد وآشوريين، الخ... وها هي بيت لحم، مهد السيد المسيح عليه السلام، تزرح تحت احتلال بغيض بينما تغيّر إسرائيل من هوية القدس وارتباطها بالضفة، ويستفيق الفلسطينيون كلّ يوم على دم فلسطيني بريء يهدر، وأرضٍ عربية تصادر، وهاهي الآلة الإعلامية الناطقة بالعربية تعمل ليل نهار على وصم العرب جميعاً بالإرهابيين.

       وتدل آفاق عام 2006 على أنه في غياب مرجعية سياسية عربية شاملة سيستمر هذا التمزق العربي، بينما يتقدم التيار الجارف الذي يتغنى "بديمقراطية تحت الاحتلال" تستثني من تريد وتهلّل لمن تريد وتستخدم كل الأساليب كي يستلم مقاليد الأمور من يخدم مصالح المحتل الأجنبي الذي ينشر التعذيب والخراب والإذلال في الأرض العربية. لا شكّ أن العرب جميعاً يطمحون إلى الحرية وهم يناضلون منذ قرون من أجلها، وقدّموا ومازالوا القرابين من أجل استقلالهم ولكنهم اليوم عليهم أن يواجهوا واقعهم، وأن يعيدوا النظر بكلّ ما فعلوه منذ بدايات القرن الماضي إلى حدّ اليوم. فهم يواجهون عالماً مختلفاً جداً عن عالم القرن الماضي بأدوات القرن الماضي ومن هنا يظهر الفشل الذريع للمؤسسات العربية والدبلوماسية كما أن الإعلام العربي يفتقر إلى المرجعية التي تزوده بالمصطلح واللغة والفكر التي تعكس توجهاً وفكراً وطموحاً عربياً.

       فإذا كانت الروح الأمريكية، والقومية الهندية قد نجحتا في توحيد أكبر وأعقد التنوعات العرقية والطائفية في دولة واحدة، فإن العروبة هي الحلّ الأمثل للتمزق العربي. وقد لاحظنا أنّ "الديمقراطية" على أساس ديني أو عرقي تنتج انقسامات أكبر وفرقة أخطر ولا بدّ من أن يتنبّه العرب إلى هذا الأمر ويتعلموا من الآخر أن يبعدوا العمل السياسي عن مواقع التمزق. وقد كانت للعرب تجربة رائعة في هذا المجال ولكنها لم تتوج بالديمقراطية ولهذا تراجعت وانحسرت اليوم ولكنّ إعادة إحيائها بشروط ديمقراطية أمر ممكن وضروري في آن واحد.

       على العرب في 2006 أن يدركوا أنّ العولمة تعني وحدة المقاييس والمعايير وأنه لم يعد بإمكانهم العيش خارج التاريخ ولكن يمكن لهم الأخذ بزمام المبادرة وتطبيق وحدة المعايير والمقاييس على أمّة تمتلك من الحضارة والإمكانات التاريخية والبشرية والمادية ما يضمن لها موقعاً متميزاً بين الأمم إذا ما تمّ الالتزام بالمعايير التي أثبتت نجاعتها للعالم برمّته. بهذه الطريقة فقط يمكن للعرب دحر الاحتلال الأجنبي وبناء مستقبل يتسم بالسلام والديمقراطية والازدهار لأنفسهم في جميع أقطارهم. وفي عام 2006 لم يعد أمام الحكومات العربية إمكانية اختراع لغتين للداخل والخارج حيث أصبحا شيئاً واحداً وأصبح الوعي بالأشياء ممكناً لشرائح أوسع مما كان عليه من قبل ولكن اعتزاز العرب بانتمائهم وحضارتهم مضمون. ولهذا إذا تحققت الشفافية والأداء المتسم بالحرص على الأوطان أولاً يمكن للعرب أن يصلوا إلى حيث يبغون ولن يصلوا إلا بقدراتهم وإمكاناتهم الذاتية وبالاعتماد على شعوبهم ورفض الاستقواء بالآخر الأجنبي وتبادل الثقة الحقيقية مع بعضهم المنبثقة من الوعي أنّ العروبة هي الحلّ وأننا قادرون على المنافسة وأحياناً الفوز بالمراتب الأولى حتى على المستوى الدولي وفي مجالاتٍ عدّة.