الإعلام العالمي: سلطة رابعة أم رهينة؟!

3Oct.  2005

د. بثينة شعبان

 

   في الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) عام  2000، بعد فترة قصيرة من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية شعرتُ وأنا في الولايات المتحدة أن زلزالاً أصاب العالم حين ركـّزت وسائل الإعلام في أرجاء المعمورة على الصور المؤلمة لاستشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرّة الذي بكته الملايين من الأمهات في العالم كما بكاه الآباء،  وبقيَت منذُ ذلك الحين عيناه المفعمتان جمالاً و رعباً و مطالبة صادقة بحقـّه في الحياة في ذاكرة ملايين البشر عبر أرجاء المعمورة، وبقي اسمه على كلّ لسان رمزاً للطفولة البريئة التي سُلِبَت منها الحياة عن عمد وسابق حقد و إصرار، وسافر حذاؤه، الذي كان يخطط لاستبداله في ذلك اليوم بحذاء جديد، مع حاجيات المئة شهيد الأول للانتفاضة إلى أنحاء العالم في معرض الانتفاضة المتجوّل، ليشهد على قسوة الاحتلال وجرائمه وتناقضه مع أبسط حقوق الإنسان في حياة حرّة كريمة.

     وبعد ذلك اليوم، الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) لعام 2000، اغتالت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال قمعها لكفاح الشعب الفلسطيني من أجل الحريّة   والاستقلال والسيادة، مئات الأطفال الفلسطينيين في الضفـّة الغربية وغزّة في سياسة تستهدف التقليل من "خطر"  الازدياد الديمغرافي للفلسطينيين  "كما يراه قادة إسرائيل"  من خلال قتلهم وتهجيرهم وسدّ سبل العيش أمامهم  ولكننا جميعاً وحين نرغب بالحديث عن الشهداء الأطفال نستذكر اسم محمّد الدرّة دون أن نحوّله إلى الاسم الأول في قائمة لها علينا حقّ تخليد أسمائها في ذاكرة الكفاح الإنساني من أجل الحريّة و الكرامة. والسبب الأساسي في ذلك هو أنه بعد اغتيال الشهيد محمّد الدرّة بالطريقة الوحشية التي تمّت فيه، لم تتراجع سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن سياستها في اغتيال الأطفال والمدنيين والرافضين للاحتلال الأجنبي لأرضهم،   ولكنها عالجت عنصر التغطية الإعلامية التي حظي بها الشهيد محمّد الدرّة.  ووُضِِعَت الخطط كي لا يحظى شهيد آخر بمثل هذه التغطية التي غرسته رمزاً لضحايا العنف الإسرائيلي في ضمير العالم والتي تـُعتَبَر شاهداً حيّاً على  وحشية سياسات التطهير العرقي الذي يمارسه جيش الاحتلال الإسرائيلي ضدّ الفلسطينيين. وتوجهت الخطة الإسرائيلية باتجاهين اثنين: دبّ الرعب في قلوب ناشطي حركات السلام العالميين و ردعهم من القدوم إلى فلسطين و قتل بعض الصحفيين بشكل متعمّد وسافر بحيث تُصبح تغطية جرائم قتل الفلسطينيين مقامرة بالحياة.  ومن هنا سحقت البلدوزرات الإسرائيلية جسد ناشطة السلام الأمريكية راشيل كوري أمام عدسات الكاميرات كي تكون عِبرة للآخرين الذين يتصدّون لجرائم الحرب التي يرتكبها جنود و ضبّاط الاحتلال الإسرائيلي، كما قتلت المصور الإعلامي البريطاني توماس هوراندال الذي حاول بجسده حماية أطفال فلسطينيين،  والإعلامي البريطاني جيمس ميللر الذَي كان يصوّر فيلماً عن معاناة  واستشهاد أطفال فلسطين تحت الاحتلال ولكن الفيلم استشهد  أيضاً مع استشهاده دفاعاً عن الحقيقة. ورافق هذا قوانين قمعية وإجراءات رادعة  تجعل من الصعب جداً على الصحفيين الوصول إلى مكان الحدث كما فعلوا في اجتياح  جنين  وكما فعلت لاحقاً القوات الأمريكية لدى اجتياحها الفلوجة كي لا يشهد العالم المجازر والقتل و جرائم الحرب. و استشهد عدد كبير من الصحفيين في العراق ويؤكد العديد من الشهود والصحفيين في العالم أن استهداف الصحفيين من قبل جيش المحتلين كان أمراً مرسوماً و مُخطـّطاً له مُسبَقاً   ولم يُقتَلوا بالصدفة. وتمّ اختراع أساليب إعلامية تذكـّر بالتغطية الإعلامية أيام ستالين مثل "الصحافة المُرافقة للقوات"  لمنع قيام أي صحفي من التغطية الحرة للأحداث   ومنعه من العمل على إظهار حقيقة ما يجري فعلاً على الأرض بحيادية  وذلك من خلال منع الصحفيين من الوصول إلى الأماكن الساخنة وبهذا حوّل السياسيون في دول تسمي نفسها بالديمقراطية المدنيين العزّل الجاثمين تحت الاحتلال  إلى ضحايا سهلة للقتل وجرائم الحرب و ذلك بإبعاد الكاميرات التي كان يمكن أن تكون رادعة عن ارتكاب الجرائم لأنها تنقل حقيقة الاحتلال البشعة إلى ضمير الرأي العام العالمي و الذي مهما كان مُنشغِلاً فلن يتغاضى عن جرائم الحرب و لن يغفر للقتلة و جنود الاحتلال وحشيتهم و سيعرّضهم للملاحقة القضائية. ولم يضع الإعلام العربي خطة بديلة بحيثُ يروي حقيقة ما يتعرّض له ضحايا القتل والتعذيب والاحتلال  أو على الأقل يذكر أسماءهم وأعمارهم وقصص حياتهم  والمأساة التي سبّبها غيابهم للأهل   والأحبّة. وتحوّل الشهداء العرب في فلسطين ومن ثمّ في العراق - بفعل تبعية وسائل الإعلام العربية و اعتمادها المطلق على وسائل الإعلام الأجنبية المنحازة طوعاً أو كراهيةً- إلى مجرّد أرقام، يصغر الرقم أو يكبر دون معرفة معاناة الضحايا   وأعمارهم أو جنسهم أو أعمالهم والمسؤول عن قتلهم أو تعذيبهم فتساوى بذلك الأطفال  والنساء والرجال وتمّ اعتبار الجميع ناشطين أو مسلحين أو إرهابيين و بذلك يحل للعدو قتلهم دون رادع فهو محصّن بغطرسة القوّة وبالهيمنة على الهيئات الدولية وبإغلاق أعين الكاميرات وكمّ أفواه الإعلاميين.  والهدف من كل ذلك هو أن لا يترك قادة الاحتلال من السياسيين والعسكريين من الجنرالات والجنود أي أثر لجرائمهم    وهكذا تصدر صفحات الجرائد العربية وتشع شاشات  الفضائيات وهي تعجّ بأخبار عن الاحتلال صاغها راسمو السياسة الإعلامية الإسرائيليون ولزيادة الجرح إيلاماً تجد مقابلة مع أحد مجرمي الحرب أو مصافحة معه ولكن لا ترى صور الشهداء  أو مقابلات مع أسرهم.

     وقد تنبّهت مؤخراً أمهات الجنود الأمريكيين الذين يُـقتلون في العراق إلى أهمية إبراز صورهم  وسرد قصصهم للشعب الأمريكي من أجل كسب تعاطفه ضدّ الحرب على العراق وبدأت النساء بقيادة سيندي شيهان التي جعلت من ابنها "كاسي" أشهر جندي قـُتِلَ  في العراق إلى إنشاء موقع الكتروني يضعون عليه صور وقصص الجنود الذين قضوا في العراق بعد أن اكتشفوا أن الشعب الأمريكي لا يتعاطف مع الأرقام خاصة وأنّ الإدارة الأمريكية منعت تسليم أكفان الجنود القتلى وفق المراسم العسكرية كما منعت  شاشات التلفاز من عرض ذلك بل فرضت على أسر الجنود أن يستلموا جثث أبنائهم بصمت وبعيداً جداً عن الإعلام. وتستمر العملية على الجانب الآخر في العراق حيثُ نقرأ في الجريدة ونرى على الشاشة "مئة قتيل من بينهم 25 طفلاً و 35 امرأة"  وهكذا طوّر المحتلون الديمقراطيون نظاماً إعلامياً يحلم به كلّ الطغاة من أجل التغطية على جرائمهم وذلك بتحويل ضحاياهم  الذين كانت أرواحهم مفعمة بالآمال والطموحات والتوق لحياة سعيدة ومديدة إلى أرقام مجرّدة تظهر في الشريط الإخباري على الشاشات كي لا تثير في النفس مشاعر الأسى والغضب الذي تثيرها المعاناة المدعمة بالصور والسير الذاتية أو عرض وقع قتل الطفل على الأم الثكلى و الأب المفجوع و الأخوة و الأخوات الذين فقدوا جزءاً عزيزاً من سعادتهم  ومعنى حياتهم مع فقدان  أحد أفراد أسرتهم.

     في الذكرى الخامسة لاستشهاد محمّد الدرّة أصبح حاملو الكاميرا والأقلام يودعون السجون بعذر أو بآخر لأنهم ينقلون الصورة الحيّة والحقيقية كما هي لملايين البشر وأصبح التعتيم الإعلامي على جرائم القتل جزءاً أساسياً من السياسة الإعلامية المعدّة سلفاً لمنح المحتلين "حرية التعبير" وحرمان الإعلاميين منها.       وهكذا أصبح  تدمير مدرسة " الأرقم " بكاملها في غزّة يمرّ عبر الشاشة كأي خبر صغير لا يتوقف أحد عنده فالأخبار كثيرة عن كاترينا و ريتا وأسعار النفط.  بعد محمّد الدرّة لحق أكثر من 660  طفلاً فلسطينياً به منهم الطفلة إيمان الهمص التي قتلها عمداً ضابط إسرائيلي و أمام شهود، كما تمّ قصف و تدمير أكثر من  295 مدرسة و تمّ تحويل مدارس أخرى إلى ثكنات عسكرية..

     أقلّ ما يمكن للمثقفين والإعلاميين والكتـّاب والمفكـّرين العرب أن يفعلوه هو أن يبدأو  بتسجيل قصص الشهداء وتسجيل صورهم وأرشفة جرائم الاحتلال  ونشرها في الإعلام الالكتروني والإعلام العادي كي تتم مطاردة المجرمين  وملاحقتهم ولو بعد مئة عام، وكي تبقى معاناة الضحايا حاضرة بيننا و في ضمير البشرية بذلك فقط يستعيد الكتـّاب الاعتبار لدور الإعلام الحرّ  في نقل الحقيقة وليس في الترويج لمفاهيم و أخبار لا علاقة لها بالواقع. لم يعد الإعلام السلطة الرابعة اليوم بل أصبح رهينة في يد السياسيين والعسكريين الذين يريدون تغطية سمع  وأنظار الرأي العام العالمي و كمّ أفواه الكتـّاب والمثقفين والإعلاميين، وذلك بهدف تغطية جرائمهم من جهة ومنع الشعوب الحرّة من الوقوف مع الشرعية الدولية  والكرامة الإنسانية والحقوق العادلة للبشر أينما كانوا من جهة أخرى.■