ما بعد أيلول... ما بعد كاترينا
12Sept. 2005
د. بثينة شعبان
لا يستطيع أحد اليوم أن يقاوم المقارنة بين العذابات الإنسانية في العراق و تلك في نيو أورلينز مع اختلاف الأسباب و النتائج و هناك فيض من المقارنات في ردود الأفعال و محاولات التوصل إلى الدروس المستقاة من كلا الكارثتين. و قد فوجئ قرّاء الصحف الغربية مثل النيويورك تايمز بالمعلومات المتعلقة بواقع الحال في المدينة قبل الإعصار من تدني مستوى التعليم و ارتفاع مستوى الجريمة و انخفاض مستوى الاندماج الثقافي و العرقي بين المدينة و بقية أنحاء البلاد. و الدعوة اليوم ليس فقط إلى إعادة بناء المدينة (و هل من يتذكر اليوم: إعادة إعمار العراق!) و إنما إعادة بنائها على أسس جديدة تمنح سكانها فرصاً أكبر لحياة حرّة كريمة أسوةً بالمناطق و المدن الأخرى في بلد تفخر دعايته الرسمية بأنه يمثـّل اليوم القوة الاقتصادية و العسكرية العظمى في العالم. و بما أن كارثة كاترينا التي حلـّت بسكان نيوأورلينز الأبرياء من صنع الطبيعة فلا وجل أن تتجه نقمة السياسيين إلى صانع الحدث، و لن يأخذ أحد بأقوال بعض المتطرفين الذين فهموا الإعصار على أنه "عقوبة من الله" لأنّ الناس لا يقرأون التوراة هناك أو "لأنّ الإدارة الأمريكية وافقت على الانسحاب الإسرائيلي من غزّة" كما ادعى أحد الحاخامات. و لكنّ ردود الأفعال المتطرفة هذه تذكـّرنا بردود الأفعال الخاطئة على أحداث الحادي عشر من أيلول و أحداث الثاني عشر من آذار في مدريد و أحداث السابع من تمّوز في لندن و التي تمّ استغلالها أسوأ استغلال من قِبَل متطرفين و متعصبين من انتماءات و ديانات مختلفة لتوسيع حجم الهوّة بين العالم الإسلامي و العالم الغربي من جهة و بين الجاليات المسلمة و مواطنيهم في الدول الغربية من جهة أخرى.
لقد تحدّث العالم بعد أحداث أيلول عن عالمٍ جديدٍ له قواعده و أسسه المختلفة عن عالم ما قبل أحداث أيلول، و ها نحن نكتشف اليوم بعد أربع سنوات من الكارثة أن قواعد عالم ما بعد ايلول قد أتت بمزيد من التمييز الذي يخلق الغضب و النقمة و تجاهلت مخاطر الاحتلال و القتل و العنف و وفـّرت الأرضية للحروب الأهلية و النزاعات العرقية و الطائفية حتى بين أبناء البلد الواحد و أطلقت العنان لامتهان كرامة الملايين من المدنيين في الشرق الأوسط بطريقة استحضرت إلى أذهان الناس التاريخ الأسود للاستعمار البغيض الذي قسّم العرب و خلق الحواجز المريعة بين أبناء الشعب الواحد الذين يتكلمون لغة واحدة و يشتركون في العديد من المقوّمات القومية كالدين و الثقافة و التاريخ، و فرضت شروطاً غير مسبوقة حتى لمتابعة التحصيل العلمي و المعرفي لأبناء الشرق الأوسط إلى درجة حجب قائمة بعض الاختصاصات كلياً عنهم مما سيساهم بعد سنوات في خلق فجوة معرفية غير مسبوقة بين أبناء الشرق الأوسط و بقية أبناء العالم، كما أن دعوات ظهرت لتفتيش أبناء السحنة السمراء المتوسطيين أينما كانوا و حيثما تواجدوا بسبب انتماء بعض الأفراد من الإرهابيين للمنطقة، الأمرُ الذي خلق نزعة عنصرية ضدهم جديدة و غريبة على أبناء جيلنا الذين دروسوا في الغرب و نعموا بصداقاته و شعروا بانتمائهم لأفضل ما تقدّمه البشرية و لكنّ هذه النزعة العنصرية سوف تشكـّل مواقف الأجيال الجديدة التي لم تشاركنا المفاهيم السائدة في عقود الحريـّة و التعايش السلمي من القرن الماضي و الذي كان عصراً متميزاً بالتفاعل بين الثقافات و الانفتاح على الأمم. و أمرٌ مشابه حدث بعد أحداث السابع من تموز في لندن و لا شكّ أنّ كلّ الإجراءات يجب أن تتخذ لمنع نشر الكراهية و لكنّ القوانين و المواقف التي تصدر بعد كلّ جريمة يجب ألا تزيد من الغربة بين الثقافات و الشعوب بينما يتمّ تجاهل الدعوات العاقلة و الحكيمة في مثل هذه الأوقات الصعبة و التي تدعو إلى المزيد من التمازج الثقافي و التآلف العرقي و أن يكون التركيز الديني دائماً على الإيمان بالله مهما اختلفت الطرق و الأساليب و الوسائل، أي أن تكون ردود الفعل مشابهة لردود الفعل على إعصار كاترينا ألا و هي تفحّص الواقع المريض و معالجة سلبياته و خلق دافع اقتصادي و فرص للعمل و نظام تدريسي يستوعب الشباب و يضمن لهم فرص العمل في المستقبل، و باختصار الاستجابة للكارثة بردود فعل إيجابية من خلال تعميق الاندماج الثقافي و تحقيق المساواة في الفرص و أولاً و قبل كلّ شيء من خلال تحقيق مستوى عالٍ للتنمية لأنّ المجتمعات التي حققت التنمية هي التي حاربت الكوارث و الجريمة و أمنّت لمواطنيها الاستقرار و الحريّة و الديمقراطية.
إن انعكاسات الأحداث على مصائر الملايين في الشرق الأوسط و الولايات المتحدة منذ عاصفة الصحراء إلى إعصار كاترينا حتى اليوم هي انعكاسات كارثية أدت إلى نتائج معاكسة تماماً للأهداف المعلنة لتحقيق الازدهار و الحريّة و الديمقراطية. فمن جهة تمّ إهدار مئات المليارات الثمينة على الحروب و الدمار بدلاً من تحقيق التنمية و توفير فرص العمل للملايين في العراق و نيو أورلينز على حدٍّ سواء و من جهة أخرى توسعت رقعة الإرهاب و اشتدّ أزر التطرّف و قضت أو تكاد على العلمانيين و الليبراليين و دعاة الحريّة و الديمقراطية و حقوق الإنسان الذين يعملون من أجل عالمٍ واحدٍ خالٍ من الاحتلال و الاستيطان و العنصرية و الإرهاب. و علّ أحد أخطر الانعكاسات التي تعدُ بآثَاَر مستقبلية خطيرة لما يجري في منطقتنا هو الحرب غير المعلنة على العلمانيين من العراق إلى فلسطين حيث يكتسب المتعصبون من كلّ الأديان مساحة للعمل و التنسيق غير المباشر فيما بينهم بينما تشارك قوى خارجية و داخلية بضعضعة الأرضية التي يقف عليها العلمانيون الذين يحاولون بناء دول على أسس المواطنية و الالتزام بالواجبات و فهم الحقوق فهماً صحيحاً و ليس على أساس طائفي و عرقي و شخصي يتصف بالحرب من أجل الزعامات و السيطرة و تـُغذي هذه الشهية قوى خارجية تدّعي الرغبة في إحلال الحريّة و الديمقراطية بينما هي تطور سايكس بيكو التي مزّقت رقعة الوطن الواحد لتعيد تقسيم أبناء البلد الواحد إلى طوائف و أعراق و مذاهب و مصالح شخصية تدفن مصلحة الوطن في قبر الانتماءات الضيقة و الولاءات و المصالح و الزعامات التي لا مستقبل و لا قيمة و لا فائدة لها سوى دقّ المسامير الأخيرة في نعش الأوطان الجريحة. لقد أكـّد الكثير من الكتـّاب و المحللين أنّ الجواب على كارثة نيو أورلينز يجب أن يكون المزيد من الاندماج الثقافي الحقيقي و الازدهار الاقتصادي للمنطقة و إعادة بنائها على أسس جديدة تقاوم ليس فقط الكارثة الطبيعية و إنما الكارثة الاجتماعية و التعليمية و الأمنية التي وجدت قبل ذلك. ما يحتاجه الشرق الأوسط اليوم هو هذا الموقف أيضاً الذي يحاول مقاربة المشكلة بين الشرق و الغرب بواسطة المزيد من التفاعل و الانفتاح و التنمية و الاستثمار و التقريب بين المستويات و ليس من خلال الإقصاء و الإبعاد و التغريب و التهم و الشكوك و خلق الحواجز بين الشعوب بالعقوبات و الحصار و الحروب. ما يحتاجه الشرق الأوسط اليوم ليس المزيد من الحروب و الاحتلال التي لن تقود إلا إلى المزيد من العنف و الدمار و المعاناة و عدم الاستقرار، بل إن ما يحتاجه هو المزيد من الحوار و التنمية و الاندماج بالعالم على أسس من المساواة في الكرامة الإنسانية و التعاون و ليس بالسماح لمواقف بعض المتطرفيين و العنصريين أن تصبح سياسات تقود العالم من كارثة إلى أخرى و من أزمة إلى أزمة ■