كارثتان و موعد مع القمّة

 

5Sept. 2005

د. بثينة شعبان

كأن إعصار كاترينا، الذي أودى بحياة المئات في نيو أورلينز كان على موعد مع جسر هامت عنه المئات من الأرواح البريئة في بغداد  نتيجة التدافع الناجم من الرعب الإرهابي الذي يخيّم على العراق و في الحالتين كانت النتيجة كارثة بشرية   و خسائر في الأرواح يستحيل تعويضها على ذوي القربى المنكوبين. و المراقب للكوارث الطبيعية حيناً و عمليات العنف القاتلة حيناً آخر و الخارجة حيناً عن سيطرة البشر و حيناً بفعل تطرّفهم يتساءل كيف يساهم الإنسان في خلق المزيد من الآلام أوليس في الحياة ما يكفي من الكوارث  و المصاعب و التحديات؟  و تزامنت هاتان الكارثتان المأساويتان مع التحضير لقمّة التنمية العالمية في الأمم المتحدة و التي من المفترض أن تركـّز على التنمية كأداة أساسية من أدوات الحكم الرشيد و  الديمقراطية. كما أن الصور التي نُقِلت إلينا من بغداد و نيو أورلينز لا تترك مجالاً للشكّ أنّ القاعدة الأساسية لأي إصلاح في العالم هي أولاً توفير الاحتياجات الأساسية للبشر و تأمين مستوى معيشي لائق لهم بعيداً عن التنظير و الأهداف الإيديولوجية التي لا تتقاطع أحياناً مع الواقع في شيء. فماذا يريد العراقيون اليوم و الأمريكيون المنكوبون بإعصار كاترينا سوى بيت يأويهم و مياه تسقيهم و مدرسة للأولاد و عمل للمتضررين و أفق آخر أكثر إشراقاً لمستقبل الجميع. و بما أنّ منطقة الشرق الأوسط و خاصة في فلسطين و العراق تـُعتَبَر منكوبة بشكل يوميّ فإن العمل من أجل تحقيق التنمية فيها قد يكون هو السبيل لتحقيق الأهداف التي يتحدث عنها العالم يومياً دون أن يقترب منها، بل على العكس تبدو هذه الأهداف من "حريّة"  و  "ديمقراطية" أبعد اليوم عن شعب المنطقة مما كانت عليه حين شنّت الحروب باسم تحقيقها بل شهدت المنطقة زيادة حجم العنف و المعاناة. إذا كان الهدف الفعلي هو تحقيق الديمقراطية  و الحريـّة لأيّ شعب على وجه الأرض فلا شكّ أن البداية تبدأ من خلال تحقيق تنمية حقيقية و استثمارات ترفع من مستوى دخل و حياة المواطنين و تحقق من خلال إجراءاتها شفافية و مستوى من الوعي الاجتماعي و المدني و الديني يشكـّل حصانة متينة ضدّ التطرّف و ضدّ الحروب العرقية و الدينية. و الأمثلة على ذلك موجودة في عالم اليوم إذ أنّ التنمية التي حققتها ماليزيا في الثلاثين عاماً الماضية هي التي خلقت انسجاما و توازناً و مساواة بين أعراق كان يمكن أن تواجه مستقبلاً مختلفاً مما هي عليه اليوم لولا التركيز الواعي و الهادف على التنمية و المساواة و العدالة الاجتماعية. كما أنّ التنمية قد كسرت حدّة التطرّف الديني في المجتمع الماليزي و أسست من خلال العملية التنموية لديمقراطية و لحكم رشيد عزّ نظيره في الدول الإسلامية على حدّ سواء. و الأمر ذاته ينطبق على تركيا، الدولة المسلمة التي حققت مستوى عالٍ من النموّ في العشرين سنة الماضية و بذلك كسرت شوكة التطرّف و اقتربت من أسلوب الحكم الرشيد و توصّلت إلى نظام ديمقراطي على أساس العدالة الاجتماعية و المساواة.

     و قد اكتشف الغرب هذه الحقائق من قبل حين قابل الخطر الشيوعي من خلال ضخ الاستثمارات في كوريا الجنوبية و من خلال وضع خطـّة مارشال لألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية و لم يجابه الشيوعية من خلال ملاحقة أشباح الشيوعيين هنا   و هناك أو المواجهة العسكرية و حسب، بل من خلال إحداث بديل الازدهار الاقتصادي الذي جذب القلوب و غيّر العقول. لماذا إذاً حين تعلـّق الأمر بالتطرف الإسلامي الذي رعته الولايات المتحدة و موّلته في مواجهة الشيوعية و حركات الاستقلال الوطنية وضع الغرب إستراتيجية مختلفة   و هي الحرب و قلب أنظمة الحكم أو التدخـّل من أجل إجراء انتخابات شكلية قد تبدّل حاكماً أو حتى نظاماً    و لكنها لا تخلق الأرضية المؤهلة لنظام ديمقراطي شفاف يحارب الفساد و يحقق سيادة القانون و يضمن التعايش العرقي و الديني في نظام اجتماعي عادل و كفوء؟؟  لنتخيّل للحظة لو أن الديمقراطية في الولايات المتحدة تعني  أن يحصل أتباع كل عرق أو دين على استقلالهم الذاتي و حقـّهم في العيش بدولة أو إقليم يمثـّلهم فقط هل سيصمد النظام الديمقراطي الأمريكي أمام معادلة كهذه، أم أنّ معدّلات التنمية العالية و المستوى المعاشي المرتفع و نظام الدولة الذي يعامل مواطنيه بمساواة و عدالة  و سيادة القانون هي ركائز الديمقراطية هناك.؟

    إذا كان يمكن سحب المعادلة ذاتها على الشرق الأوسط فإنه يجب الإقرار أنّ التنمية الشاملة وحدها هي التي يمكن أن  تلعب دوراً هاماً و إيجابياً في تحقيق الديمقراطية لأنّ تحقيق الازدهار و التنمية الشاملة هما الوحيدان اللذان يغيّران أفكار الناس و وجهات نظرهم و مواقفهم و هما اللذان يحققان ولادة طبيعية للديمقراطية متجذرّة في المواقف و الأفكار و الحاجات الفردية و الاجتماعية و هما اللذان يحدّان من ظاهرة التطرّف و من النقمة و الغضب، بعكس الحالة الراهنة المتّسمة باستصدار القوانين و الإجراءات التي تطال مئات الملايين من العرب و المسلمين لمكافحة تطرّف بعض الجماعات المعزولة مما سيزيد من الشعور بالنقمة و الشرخ بين الغرب و الشرق و سوف لن يخدم بأي حال من الأحوال تحقيق الديمقراطية بشكلها الطبيعي المتجذّر في الواقع و الأفكار و الازدهار الاقتصادي.

     إن نموذج كوريا الجنوبية و ألمانيا و ماليزيا و تركيا أثبت أن تحقيق و رفع المستوى المعاشي و التعليمي و الثقافي للمجتمع ككل هو الذي يغيّر العلاقات الاجتماعية و أنّ العائد السياسي للتنمية سيكون أكبر بكثير من العائد الاقتصادي.     و لذلك فإن المطلوب ليس المزيد من العنف بل استثمار مئات المليارات التي تـُهدر على الحروب حالياً في الشرق الأوسط هذا هو الحلّ  لمشاكل الاستبداد و الفساد  و الإرهاب  و ليس الحصار و المقاطعة  و العقوبات. إن تحقيق الازدهار يقويّ العملية الديمقراطية و يـُقنع الملايين بالانخراط فيها و الدفاع عنها و هذا بحدّ ذاته يقوّض أسس التطرف و الإرهاب و الاستبداد  و الفساد و خاصة إذا اقترنت التنمية بالتركيز على العدالة الاجتماعية، بينما يولد استمرار  الفقر و تدني التعليم و ارتفاع معدلات البطالة العوامل المشجّعة على التطرّف و الاستبداد و الفساد. فهل يمكن لنا أن نطمح أن ترتفع قمّة التنمية العالمية إلى مستوى المسؤولية بحيث تعكس التيار القائم اليوم الذي يتحدّث عن تحقيق الحريّة و الديمقراطية من خلال الحروب  و التغيير القسري للأنظمة بينما تزداد حياة الملايين بؤساً و معاناة فيتم استبدال حكـّام بحكـّام و أنظمة بأنظمة موالية و لكن جذوة النار التي يخمد لهيبها سوف تظل مشتعلة في الفقر و الغضب؟ بينما يجب التركيز على الاستثمار الكثيف في الشرق الأوسط من أجل تحقيق  التنمية الشاملة و الازدهار الشامل و السريع كأساس لا بدّ منه من أجل إنجاح مسار ديمقراطي سليم يعتمد على انخراط الملايين به و تغيير الواقع جذرياً و بشكل يجعل ولادة النظام الديمقراطي طبيعية تماماً كما كانت في دول العالم بما في ذلك الآسيوية■