نساء يربّين الأمل

 

29Aug. 2005

د. بثينة شعبان

 

 

قالت محدثتي من العراق لقد قتل صدام زوجتي وترك ابني يتيماً منذ عامه الأول في الحياة ومع ذلك حاولت أن أحيا كي يصنع ابني وأمثاله مستقبلاً مختلفاً جداً للعراق ولكننا مازلنا نعيش القهر والفوضى وانعدام الخدمات فقد أنهك حصار العشر سنوات الشعب العراقي و قتل أطفاله و جردنا من البسمة و الحياة الحرة الكريمة و التي هي حق لكل البشر. واليوم نعيش خطر التقسيم والحرب الأهلية والتفتّت الطائفي والعرقي فهل أتخلىّ عن أمل أن أرى العراق كما كان في الستينات وأوائل السبعينات بلداً علمانياً غنياً آمناً مزدهراً أم أننا نحتاج إلى معالجة من نوع مختلف؟ في الفترة ذاتها أسست سيندي شيهان وسو نيدرر ونساء أمريكيات أخريات فقدن فلذات أكبادهنّ في العراق، أسسن "أسر النجمة الذهبية للسلام" من أجل نشر رسالتهن الرافضة للحرب لأنهنّ يعتبرن موت أبنائهنّ دون جدوى إذ أنّ الحرب لم تكتشف وجود الأسباب التي شنّت من أجلها وباتت شيهان وأمهات "أسر النجمة الذهبية للسلام" تشكلن محوراً للجهود المناوئة للحرب حيث يركزن على إظهار الحقيقة وكشف حجم التضليل الإعلامي الذي يحجب حقيقة ما يجري في العراق كي يمنع إثارة المشاعر الجماهيرية وتشكيل رأي عام عالمي ضدّ الحرب خاصةً وأن نسبة الأمريكيين الذين يقفون ضدّ الحرب تتناسب طرداً مع نسبة هؤلاء الذين يتمكنون من كشف حقيقة ما يجري على الأرض.

 

          وفي فلسطين عملت امرأتان ومن منظورين وموقعين مختلفين كشف حقيقة ما يجري في فلسطين من إحكام وتعزيز الاستعمار الإسرائيلي للضفة والقدس وهدم المقدسات الأثرية ومصادرة الأراضي الخصبة في الضفة على مرأى العالم و أسماعه تحت غطاء حملة إعلامية مضلّلة تصوّر الانسحاب من غزة وكأنه تحرير بينما تبقى غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي ويُضاف إليها استكمال تهويد القدس والضفة الغربية حيث المقدسات والماء والخضرة وسبل العيش الحقيقية أمام الفلسطينيين. هاتان الامرأتان هما أم جبر وشاح، المرأة الفلسطينية ممثلة أهالي الأسرى والتي تحدثت بلغة ومنطق يعجز عنه السياسيون المحنكون الذين قضوا دهوراً في الردهات السياسية، والمرأة الأخرى هي أميرة هاس والتي كتبت في جريدة هآرتس عن اغتيال الاستعمار الإسرائيلي الذي شكّل مستوطنوه نصف واحد بالمئة من سكان قطاع غزة لحرية وحياة وشباب وأطفال فلسطين الذين مثلوا تسعاً وتسعين ونصف بالمئة من سكان ذلك القطاع. حيث قالت أن ألفاً و سبعمائة و تسع عشرة فلسطينياً قتلتهم اسرئيل في قطاع غزة منذ أيلول عام ألفين وحتى اليوم وأنّ ثلثيهم لم يكونوا يحملون السلاح على الإطلاق ولم يقتلوا في معارك أو في هجوم على مستعمرة عسكرية وأنّ ثلاثمائة وتسع وسبعين منهم كانوا أطفالاً تحت سن الثامنة عشر ومئتين وستة وثلاثين كانوا تحت سن السادسة عشر وست وتسعون امرأة. إن أحداً لم يذكر هؤلاء وإن أحداً لم يطالب لأسرهم بتعويضات عن حياةٍ بريئة قتلت علماً أنه لا يمكن لشيء في الأرض أن يعوّض للأهل والمحبين ضحكة طفل وابتسامته والأمل الذي يقدّمه في الحياة كما لا يمكن لأحد في الكون أن يعوّض لأطفال الأم الرؤوم التي اغتالتها قوات الاحتلال كي لا تنجب أكثر أو كي لا تربيّ الأطفال على حبّ فلسطين. وبدلاً من  ذلك فقد تمّ تعويض المستوطنين الذين ارتكبوا هذه الجرائم وتمّ نقلهم إلى بيوت مجهزة ودفع الأموال الطائلة لهم.

 

          وتناغمت كلمات أم جبر وشاح مع إحصائيات أميرة هاس ومع هدف مقالتها حيث قالت أم جبر على تلفزيون الجزيرة كممثلة لأمهات سجناء الرأي الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية أنّ الشعب الفلسطيني دفع ثمناً غالياً من شهداء وسجناء ومن معوقين ومن حرمان الأولاد المطاردين لأنهم يؤمنون بالحقيقة والحرية وضرورة إعادة الحقوق لأصحابها الشرعيين، وقالت كيف تفرح أم الشهيد وأم الأسير إذا لم تكن حقوقهم واضحة وإذا لم يتم تحرير الإنسان فكيف يمكن تحرير الأرض، وناشدت كلّ نساء الأرض بالوقوف مع نساء فلسطين الذين يتذوقن أصعب ألوان الألم في الليل والنهار ويعانين الموت كلّ ساعة في المأكل والمشرب والنوم يرافقهنّ ظلّ أولادهن في السجون الطامحين إلى الحرية والكرامة بعيداً عن الاحتلال الإسرائيلي عن أرضهم، ووجهت اللوم إلى كلّ من يتجاهل معاناة أمهات الأسرى والشهداء في الحلول السياسية لأنّ إنهاء هذه المعاناة يجب أن يكون في جوهر أيّة حلول يتم التوصل إليها بعيداً عن المسرحيات الاحتفالية التي حدثت في غزة بينما تستمر معاناة الأمهات الفلسطينيات تحت احتلال بغيض.

 

          لو تمكنت النساء الفلسطينيات والعراقيات لانضممن إلى سيندي شيهان وأخريات في حركات نسائية منظمة تدعو لإنهاء الحروب والاحتلال والاستيطان والقهر ولإظهار الحقيقة بعيداً عن حملات التضليل الإعلامي، لأن الحقيقة هي الوحيدة التي تساعد في إحقاق السلام وإرساء أسس العدالة.  في هذه الحركات النسائية المتزامنة تدعو نساء من أقطار مختلفة إلى الحياة بدلاً من الموت، والحرية بدل الاستعباد، والسلام بدل الحرب، ويقفن ضدّ موت أبنائهن وأبناء الأخريات لأنهنّ يدركن أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة ويؤمن أن الحقيقة والحقّ ينتصران معاً فهل العالم مستعد للاستماع وهل يمكن لهذه الأصوات النسائية التي تبثّ الأمل في قلوب الجميع وهل يمكنها أن تكبر وتنمو وتشكل قاعدة هامة لكسب الرأي العام العالمي لنشر المحبة والسلام والأمن بدلاً من الحروب والفوضى والقتل؟ لا شكّ أن هذه الأصوات النسائية التي ربّت الأجيال تحاول الآن تربية الأمل ولا شكّ أن العالم بحاجة أن يصغي السمع للأمهات، فهل يمكن للأمهات في الولايات المتحدة والعراق وفلسطين والجولان أن يشكلن حركة واحدة لفضح التضليل الإعلامي الذي يعكس الحقائق في أنظار الناس ويصيغ آراءهم وفق موازين سياسية متناقضة مع كلّ ما هو إنساني وعادل، وهل يمكن أن يتمّ تمويل هذه الحركة من كلّ محبيّ السلام في العالم للتزامن مع ترشيح ألف امرأة لجائزة نوبل للسلام في العالم فيحصد البشر في كلّ مكان جائزة تحقيق السلام وإنهاء العنف والقتل والدمار كي تنعم البشرية بالحرية والازدهار وكي تغادر الأمهات الحياة قبل أبنائهن كما هي سنة الحياة