لا للإرهاب، لا للطغاة، لا للغزاة
15Aug. 2005
د. بثينة شعبان
من أجل كشف مناح ٍغامضة في السجال الدائر في وسائل الإعلام العالمية وبين المفكرين في العالم حول علاقة الإسلام بالإرهاب قد يكون من المفيد المقارنة بين ردود الأفعال على العمل الإرهابي الذي قام به ناتان زادا في شفا عمرو ضد ّ مدنيين عرب وبين ردود الأفعال على الأعمال الإرهابية في لندن والتي طالت مدنيين أوروبيين. ولا بدّ من الإشارة أولاً أنّ المجزرة التي ارتكبها ناتان زادا كان يمكن أن تضاهي مجزرة أنفاق لندن عدداً ومأساة لولا شجاعة طالبة عربية غامرت بحياتها وتمكنت ببسالة نادرة أن تسحب منه مخزن الطلقات بينما كان يحاول تعبئته مرة أخرى. صحيح أن الآلة الإعلامية الإسرائيلية قد أدانت العمل الإرهابي ونأت بنفسها عنه ولكن هكذا فعل أئمة المسلمين من كندا إلى ماليزيا إلى باكستان إلى مصر وعدد كبير من الدول الأخرى كما فعل ذلك قادة المسلمين في كلّ أنحاء العالم من أستراليا إلى مدريد. ولكن ردود الفعل على ما فعله ناتان زادا تلخصت بأنه "التفاحة السيئة" في الصندوق وأنه "يهوى العنف" وأنه "يكره العرب"! مع أنه عومل بعد ذلك كله كبطل قومي كما تمت معاملة باروخ غولد شتاين الذي ارتكب مجزرة عندما قتل بدم بارد تسعةٍ وعشرين مصلياً فلسطينياً وهم يسجدون لله في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل. أما السجال الذي ما زال دائراً في الأوساط الفكرية والثقافية والسياسية بعد أحداث لندن والذي شارك فيه العديد من الكتّاب، بمن فيهم مؤخراً سلمان رشدي، فإنه يدعو إلى إعادة النظر بالنص القرآني واتخاذ الإجراءات ضدّ المسلمين وترحيل من يشتبه بأنهم يحضون على الكراهية مع الحديث عن الإسلام والمسلمين وكأنهم يمثلون نسقاً فكرياً واحداً وموقفاً واحداً من الأمور. أو لم ير هؤلاء أن طقوس ومذاهب المسلمين وحتى مظهر حجاب المسلمات يختلف اختلافاً كاملاً بين أندونيسيا وباكستان والسعودية والمغرب مثلاً. إنّ إحدى شيم الإسلام هو حفاظه على هذه التعددية الثقافية التي وجدها في البلدان التي انتشر فيها وكذلك ازدهار التعددية الفكرية في مناهج تشريعية ولذلك من الجهل أو التجاهل أو الإغراض التحدث عن مليار مسلم وعن تفاسير الدين الإسلامي وكأنها نسق واحد من التفكير متفق عليه أزلياً بين كلّ المسلمين في كلّ زمان ومكان. ومن ناحية أخرى من المفيد المقارنة أيضاً بين أحداث لندن الأخيرة وما تعرضت له لندن من قبل الجيش السري الأيرلندي طوال عقود خلت من استهداف للمدنيين لأسباب سياسية، إلا أن أحداً لم يذكر النصوص الدينية الكاثوليكية وما إذا كانت هي المسؤولة عن العنف والدمار الذي حلّ بالمدنيين آنذاك ولم يحاول أي من الكتّاب الغوص في تعاليم الدين المسيحي لاكتشاف أسباب العنف، بل تمّ خوض مفاوضات سياسية طالت سنين ركزت على معالجة أسباب العنف والتوصل إلى تسوية ونجحت في ذلك بعد عقود من المحاولات المستمرة.
ويذهب بعض السجال الدائر حول ما يشهده العالم من تهديد إرهابي إلى القول أن الدول الإسلامية لم تحكم بشكل ديمقراطي وأنها تعاني من انتشار الفقر والفساد والتخلف والاستبداد ولذلك تشهد هذه الدول هذا الكم من الحقد والكراهية الموجّه داخلياً أو خارجياً باعتبار أن السياسات الغربية مسؤولة عن دعم الحكومات الموالية مع أنها تنشر الاستبداد والفساد والتخلف.
أما بالنسبة للدول الإسلامية فإن ماليزيا وإيران وتركيا تمثل حالات من الدول الإسلامية التي تبنت نظاماً سياسياً يعتمد شكل الديمقراطية المناسب لتطورها والتي بنت قدراتها الذاتية وحققت تطوراً هائلاً ولم يكن اعتناق الدين الإسلامي عائقاً في ذلك. وهناك من يتهم المسلمين بالعيش في أحياء مختلفة عن نظيراتها في الغرب الأمر الذي يمكن مقارنته بسياسة التهجير والتدمير التي اتبعتها إسرائيل ومازالت للقرى والبيوت الفلسطينية ومن ثمّ قيامها باتهام الفلسطينيين بالعيش في المخيمات كلاجئين! ولكن التحدي الأكبر هو الذي يواجهه اليوم المفكرون والمثقفون والكتاب والإعلاميون المسلمون ومنهم العرب للمساهمة في هذا النقاش العالمي حول الإسلام والإرهاب، والإسلام وظاهرة انتشار الاستبداد السياسي والفكري في الحياة العامة، وظاهرة الضعف الشامل لوضع المسلمين في العالم الذي جعلهم عرضة لأطماع وحروب وجرائم الغزاة الأجانب والطغاة المحليين منذ قرون ٍ ولحدّ اليوم.
وللحقيقة يجب التأكيد على أن الغرب تاريخياً لم يساهم في انتشار الحرية والديمقراطية في العالم الإسلامي ولم يدعم المناضلين من أجلهما الذين يمثلون ضمائر شعوبهم التي وقعت بين سنابك الغزاة وسياط الطغاة وسيوف الإرهاب، ولم يكن إجماع الشعوب على نيل حريتها من الاستعمار والكفاح ضدّ الطغاة والإرهابيين من صنائعه، يوماً ما عاملاً هاماً في السياسة الغربية اتجاه الدول النامية ومنها الدول الإسلامية ولذلك من الخطل قيام كتاب غربيين بالتحدث عن انتشار الاستبداد كعامل في تشجيع المدّ الإرهابي طالما أن هؤلاء الطغاة ما كانوا ليستمروا لولا الدعم المباشر أو غير المباشر الذي حظوا به من الغزاة ضدّ نداءات وعذابات شعوبهم، ويمثل عراق صدام حالة ً مأساوية ً وأنموذجاً لذلك. كما أن قيام الدول الغربية بنشر الاحتلال والاستعمار والاستيطان وتمويلهم الحروب ضدّ المسلمين وتبريرهم المتواصل للجرائم التي ما يزال يتعرض لها الشعب الفلسطيني ومنذ قرن، والازدواجية العنصرية المتبعة في تطبيق قرارات الشرعية الدولية، وتجاهلهم قرارات المحكمة الدولية ضدّ جدار الفصل العنصري وضدّ الاحتلال الإسرائيلي للأراض العربية يقدم أمثلة صارخة على المساهمة الغربية في استمرار عذاباتٍ وآلام ٍ لا حصر لها فرضت على شعوبنا من قبل التحالف غير المقدس وغير المعلن بين الغزاة والطغاة والإرهاب الذين يسلبون شعوبنا الحرية والسيادة والازدهار والكرامة.
كلّ هذا يجعلنا ندرك أن جزءاً من السجال الدائر يريد تبرير غزو البلدان بحجة مكافحة الإرهاب أو مكافحة الطغيان ونشر الديمقراطية والحقيقة الناصعة هي أن الشعوب التي تدرك أن بينها "بعض التفاحات المعطوبة" تعمل منذ زمن وتستمر في العمل للتخلص من هذه "التفاحات..." وتدرك أن لا شيء في دينها أو ثقافتها أو قيمها يشجع على الإرهاب أو يسمح به، ولا شيء في أخلاقها وقيمها يبجّل الطغيان أو يسمح به، ولا شيء في دينها أو تاريخها أو أخلاقها يشجع الغزاة أو يسمح لهم بتدنيس الأوطان والمقدسات، ولذلك لن تسمح باستخدام الإرهاب، والذي تدينه كلّ الأخلاق والشرائع كذريعة لممارسة المزيد من الاضطهاد والعنصرية ضدّ المسلمين. ويتفق بهذا جميع المفكرين الأحرار في الشرق والغرب الذين يدعون إلى عدم استخدام أعمال إجرامية إرهابية لشنّ حرب عنصرية جديدة ولكنها متواصلة منذ قرون ضدّ الإسلام والمسلمين أو لغض النظر عن بعض الطغاة وتشجيع البعض الآخر أو لغزو بلدان آمنة لها حق السيادة والحرية والكرامة. وما لم يدرك راسموا السياسة الدولية أن الحرب على الإرهاب تحتاج إلى استراتيجية مختلفة، مبنية على أسسٍ تناهض الغزو والاستبداد والإرهاب في آن واحد، فإن شعوبنا ستبقى ضحية لإحدى هذه الشرور الثلاثة أو أكثر، وستستمر حلقة العنف والتخلف والاستبداد تخنق كل فرص الحرية والديمقراطية والسلام.