قضايا تصغر وتكبر بين المركز والهامش !

 

 

1Aug. 2005

د. بثينة شعبان

 

 

يجب لقتل الشاب البرازيلي جان شارل مينيزس على يد شرطة اسكوتلنديارد في لندن من دون محاكمة، وأمام عدسات التلفزيون، ومن دون أن يتمّ توجيه سؤال واحد له، يجب أن يدقّ جرس الإنذار لدى الضمير العالمي بأن شيئاً ما يسير في الاتجاه المناقض لكلّ ما تفخر وتعتزّ به البشرية. لقد ظنَّ رجال الشرطة أنه يمثل خطراً عليهم، وإذ بهم يسلبون شاباً بريئاً الحياة لأنه هلع من منظر الشرطة المدججين بالسلاح وحاول الهروب منهم. وقد حدث هذا بعد أن تلقى رجال الشرطة البريطانية تعليمات بإطلاق الرصاص على أي شخص يشتبهون في أنه مفجر انتحاري، وكلمة «يشتبه» كلمة أُدخلت مؤخراً إلى قاموس المحاكمات السياسية، وأصبح من المقبول قتل «المشتبه فيهم» من دون محاكمة بحجة أنهم قد يمثلون خطراً على الآخرين.

 

حين رأيت جدة جان شارل مينيزس تنتحب على شاشة التلفاز، وتصفه بالشاب العاقل والحنون، حاولت مراجعة قائمة «المشتبه فيهم» الذين قضوا في أمكنة مختلفة من العالم ولم يستطع أحد أن يثبت أنهم أبرياء لأنهم ليسوا برازيليين أو من جنسية تمنحهم صك البراءة، مقابل جنسيات أو انتماءات دينية أخرى، يشكل الانتماء إليها تهمة وشبهة وأحياناً جريمة تستحق القتل. والأمر الآخر هو أن العالم لم يثر الضجة نفسها حول تفجيرات شرم الشيخ، ولم تلصق بها الصفة الإرهابية بالطريقة ذاتها التي تلصق الصفة بتفجيرات لندن ومدريد ونيويورك، وكأن الإرهاب الموجّه للمسلمين أو للبلدان الإسلامية أقلّ أهمية وعنفاً وبشاعة من الإرهاب الموجّه ضد الغربيين في الغرب. كما ان قتل الدبلوماسيين الجزائريين علي بلعروسي وعز الدين بلقاضي وقبلهما السفير المصري إيهاب الشريف على أيدي الإرهابيين في العراق، لم يثر في الصحافة العالمية الرعب والهلع الذي يقابل به خطف أو قتل أي دبلوماسي غربي من قبل قوى الإرهاب والشّر في أي مكان في العالم، كما أن مرور مفجري لندن في باكستان اعتبر تهمة بحدّ ذاته، وتطال التهمة عادة حكومات وقادة الدول الإسلامية التي انطلق منها الإرهابيون أو عاشوا فيها، الأمر الذي لا ينطبق على الحكومات الغربية التي وفرت طوال عقود لقادة الإرهاب والتطرف التكفيري الملاذ الآمن والحرية المطلقة، في نشر دعوتهم وتجنيد الانتحاريين طالما كانوا يستهدفون البلدان العربية أو مواطنيهم.

 

الأمر الآخر هو أن كل من قام بتفجير في الغرب في الماضي والحاضر سميت أعماله «بالأعمال العنيفة» أو «الإجراميّة»، واتخذ لأعماله وأهدافه أسماء لم تستدع من أحد الغوص في تعاليم الإنجيل أو التوراة، ليكتشف البعض الفقرات التي تحضّ على الكراهية والقتل أو التي قد تكون السبب في إنتاج هذه الظاهرة الخطيرة، بينما انشغل الكتاب في الغرب بالخوض في سور القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي، وتمّ الخلط بين بعض المتطرفين من المفسرين وبين الدين الإسلامي الحنيف، لإثبات وجود «إيديولوجية الكراهية لدى المسلمين». وإثبات وجود هذه الإيديولوجية أمر هام كي يتم تبرير السياسات والممارسات غير الشرعية ضدّ المسلمين واستصدار القرارات العنصرية ضدهم وتعميق الهوة بين العالم الغربي والعالم المسلم، وكأنّ الغرب لم يشهد حركات عنيفة تحت مسميات مختلفة وتمّ التعامل معها وإيجاد الحلول السياسية والأمنية لها، بينما يتمّ التركيز فقط على الحلول الأمنية المتطرفة ضدّ المسلمين ليقعوا بين مطرقة تكفير الجماعات الإرهابية لمجتمعاتهم وبين سندان الإدانة الغربية لمعتقداتهم. وتحت هذا الغطاء من الفوضى المفهوماتية التي تستهدف المسلمين سواء من قبل من يفجرون أنفسهم والأبرياء معهم، أو من قبل من يستصدرون القوانين التي تفرض عقوبات جماعية على المسلمين، يتم تمرير القضايا الحقيقية مثل تهويد القدس العربية، واستقدام مستوطنين يهود من فرنسا وغيرها ليحلّوا في بيوت الفلسطينيين الذين تقتلهم أو تهجّرهم إسرائيل، مع التنكر لحق العودة والاستمرار ببناء جدار فصل عنصري يلتهم الأرض والمياه.

 

وفي خضمّ ذلك تحاول الإدارة الأمريكية إضرام نار الإذلال المتواصل للكرامة العربية المطعونة عبر إعادة العلاقات المقطوعة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية ورعاية مؤتمر دولي تشترك فيه الدول المرشحة لإقامة علاقات مع إسرائيل مع إبقاء إسرائيل لاحتلالها المستدام للأرض العربية والتنكيل يومياً بالفلسطينيين. كما تتهم وزيرة الخارجية الأمريكية «حزب الله» الذي حرّر أرض لبنان من الاحتلال الإسرائيلي البغيض، بأنّ يديه ملطخة بالدماء، ولا تتهم شارون الذي احتل بيروت وارتكب مجزرة صبرا وشاتيلا، والذي ما يزال يقتل ويعتقل يومياً العرب بأن «يديه ملطخة بالدماء». وها هو شارون يدعو يهود فرنسا للقدوم إلى إسرائيل للإقامة فيها، طبعاً مكان الفلسطينيين الذين يقتلهم ويهجّرهم ويعتقلهم يومياً ويمنع عودتهم لديارهم.

 

لن يكون من المفيد أن يتذكر العالم الفصل الأسود الذي يكتبه شارون في التاريخ الفلسطيني بعد سنوات كما تذكر ويليام فولر في 28 تموز الأكاديين الذين قُتلوا وهجروا من ديارهم في 28 تموز 1755 في كندا، وهذه هي أول سنة يتم تذكر تاريخهم وحضارتهم وقتلهم واحتلال أرضهم من قبل مستوطنين قادمين، بل على العالم أن يتحرك اليوم لإيقاف كتابة هذا الفصل الأسود من تاريخ منطقتنا. وأن يتم التمييز تماماً بين الإرهاب في كلّ مكان، وبين ما يجري في فلسطين كما ميّز بحكمة وبصيرة قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر، وعدم الانجرار وراء المنطق الإسرائيلي الذي يطالب العالم بإدانة مقاومة الاحتلال بدلاً من إدانة الاحتلال، والذي يسلّط الضوء على أي عمل مقاوم ويسميه إرهاباً ويستشيط غضباً إذا ذكر أحد الجرائم التي ترتكبها إسرائيل يومياً بحق الفلسطينيين، هذا المنطق الذي يحاول إقناع العالم أن الإرهاب ينبع من الشرق ويستهدف الغرب وقيمه وانفتاحه، لتبرير استصدار إجراءات محاكم التفتيش بحق العرب والمسلمين وتناسي أخطر ما تعاني منه منطقتنا وهو الاحتلال والاستيطان والاستعمار الإسرائيلي للأراضي والحقوق العربية. يضاف إلى كلّ هذا ممانعة إسرائيلية دائمة لكل قرار عربي ودولي يهدف إلى بدء عملية سياسية توصل المنطقة إلى برّ أمان السلام العادل والشامل.

 

أوليس هذا هو السبب الأساسي الذي يقف وراء ممانعة الولايات المتحدة من التجاوب مع دعوة الأمين العام للأمم المتحدة بتعريف الإرهاب ؟ لماذا نواجه جميعاً عدواً يرفضون تعريفه؟! إنّ هذا لا يتناسب ودقة الولايات المتحدة في تعريف الظاهرة قبل معالجتها، ولكنّ تعريف هذه الظاهرة سوف ينجم عنه من دون شك التفريق بين الإرهاب الإجرامي الذي يستهدف المدنيين لأهداف سياسية، تماماً كما تستهدف إسرائيل الفلسطينيين الآمنين في ديارهم، وبين حقّ الشعوب في مقاومة الاحتلال، هذه المقاومة التي تعمد إسرائيل إلى صبغها بصبغة الإرهاب خاصة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، حتى لكأن أحد أهداف العمليات الإرهابية هو تعامي العالم عن حقيقة الاحتلال، وضرورة إنهائه بما ينسجم مع كل الشرائع والقوانين الدولية.

 

إن أعداء الحرية وأعداء الحضارة هم الذين يرفضون الحرية والكرامة للشعوب ويعمدون إلى إقصاء شعوب بكاملها عن الحق في العدالة والحرية والمساواة. لا بد أن نعيد المركزية للوعي والحكمة والتبصر بعيداً عن الإجراءات العنصرية العشوائية ضدّ المسلمين في الغرب، وضدّ العرب الجاثمين تحت نير الاحتلال في فلسطين والجولان والعراق، هذه الإجراءات التي تبدو كأنها الهدف الأساسي وراء الأعمال الإرهابية المشينة.

 

1Aug. 2005