ما تلا تفجيرات لندن أشد خطراً منها
25July 2005
د. بثينة شعبان
شبح الإرهاب الإجرامي البغيض المتنقل من بلد إلى آخر يترك ضحاياه الأبرياء، و عواقب وخيمة ذات تأثيرات بعيدة و شروخ عميقة على العلاقات بين الشعوب. ففي متابعة ما تلا تفجيرات لندن بوادر ظاهرة خطيرة قد تقود العالم إلى صراع مرير لا تحمد عقباه إذا لم يتمّ تداركها بحكمة من قبل الجميع. وهذه الظاهرة لا تحتمل أنصاف الحلول و لا يمكن لطرف واحد من الشرق أو الغرب التكفلّ لوحده بالقضاء عليها ألا وهي ظاهرة التشهير بالإسلام و المسلمين و اعتبارهم، لا بل و اعتبار تعاليم دينهم مسؤولة عن العنف و الإرهاب. فهذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها عدد كبير من الكتاب في أمهات الصحف الغربية إقناع الرأي العام العالمي بأن التعاليم الدينية التي يتعلمها المسلمون في مدارسهم تزرع الكراهية في نفوسهم! و أن هذه "الكراهية" لا علاقة لها بالسياسات الدولية و لا بنتائجها من المجازر اليومية و الاحتلال و المعايير المزدوجة التي تنزل الإهانة و الإذلال بمئات الملايين من المسلمين طوال أكثر من قرن على يد القوى الغربية في بلدان عديدة و بالأخص في فلسطين أو العراق !! و أن "الإيمان بالإسلام" نفسه قد غرس في نفوس أبنائه الرغبة بأن يصبحوا انتحاريين !؟ و بدأت تسمية "مروّجي الكراهية" تنتشر لتصيب كل المسلمين و تنطلق الدعوات في الجامعات الغربية لمراقبة و اقتفاء أثر كلّ الطلاب المسلمين أو طرد كلّ "إسلامي" حتى و إن كان يحمل الجنسية الأوربية مع الاختلاف الشديد طبعاً على من هو "إسلامي" أو "ليس إسلامياً". و بالمقابل يتمّ إهمال الإدانات الواسعة للمثقفين و المفكرين و أئمة المساجد في كل أرجاء العالم بما في ذلك الوطن العربي و قادة المسلمين في بلدان مثل استراليا و كندا و بريطانيا و الولايات المتحدة لتفجيرات لندن و غيرها من الأعمال الإرهابية المدانة، مهما كانت الأسباب, حيث اعتبرتها المنظمات الإسلامية جميعاً انتهاكاً لتعاليم الدين الحنيف و خرقاً فاضحاً لروحه و جوهره و أن من يرتكب مثل هذه الجرائم لا يمكن أن يكون مسلماً، بينما أخذ توم تانكريدو عضو الكونغرس الأمريكي عن ولاية كولورادو يهدّد بتدمير الكعبة إذا تعرضت الولايات المتحدة لهجوم إرهابي في استمرار لاستفزاز مشاعر المسلمين بعد تدنيس قرآنهم و انتهاك مقدساتهم و احتلال قدسهم الشريف و استقدام المستوطنين إليها أسبوعيا بعد طرد المسلمين و المسيحيين من القدس الشرقية و محاولة إخماد أي صوت متوازن و معتدل يحاول أن يشير إلى الحقائق كما هي, في محاولة لتطويق أزمة دولية, كصوت كين ليفنغستون محافظ لندن و الذي يقارب الموضوع بمنتهى الحكمة و التوازن في محاولة جادة لاستبدال مشاعر الحقد بمشاعر البحث الفعّال عن أسباب الأزمة و من ثمّ تطويقها و مكافحة الإرهاب من جذوره الحقيقية.
ووصف الحالة على الساحة الدولية بأنها في أزمة ليس وصفاً مبالغاً فيه على الإطلاق إذ أنّ الشباب المسلم في كلّ مكان يراقب ما يجري في فلسطين و العراق و غيرها, ويقرأ المقالات و الكتب الغربية, و يشاهد الأفلام التي تستفزه دون مبرر حين تهين تاريخه و مقدساته و نبيّه، و يشعر بالغضب نتيجة هذا الإذلال اليومي و القتل المتعمد لأبنائه و انتهاك حرماتهم و مقدساتهم و عصب أعينهم و إخراجهم إلى الإعلام معتقلين بمناظر مذلةّ بحيث يشعر من يشاهدهم من أبناء دينهم أنه يتمنى الموت قبل رؤية هذه المناظر. هذه الأفعال المذلة للملايين هي التي تخلق الأرضية الخصبة لانتشار فكر الإحباط الانتحاري و مفرزاته الإرهابية التي تصيب قلة مصابة بالتطرف و بالانفصام عن روح الإسلام و المسلمين. و المشكلة هي أنّ الرأي العام الغربي في الغالب، حتى قادته و المشرعين، لا يرى على شاشاته أو في إعلامه هذه المناظر المهينة، فلأن الإعلام الغربي "حر" فهو يركز فقط على ردود أفعال المسلمين دون أن يعطي مساحة مماثلة للأفعال التي سببت ردود الأفعال هذه. فقد أوردت كل وكالات الأنباء مثلاً ما قاله المغربي الذي قتل المخرج الهولندي فان فوغ، و مع كل الإدانة الشديدة لمبدأ القتل و العنف و الإرهاب مهما كانت الأسباب، إلا أنّ أحداً لم يذكر الإهانة الشديدة التي وجهها المخرج للإسلام و التي تسببت في موجة غضب عمت كل من شاهد أو سمع عن هذا الفيلم في العالم الإسلامي. أما أن يقال أن من يتفهم أسباب الغضب أو يحاول تشخيصها من أجل معالجتها و سدّ منابع الإرهاب، أن يقال عنه أنه يؤيّد قتل الإسرائيليين في عمليات انتحارية كما تمّ اتهام عمدة لندن فهذا ابتزاز مرفوض و تسويف لما قيل، و ذرّ الرماد في العيون، و أما أن يحاول البعض تعتيم صورة المسلمين و استصدار القوانين العنصرية بحقهم في محاولة للتغطية على الجرائم التي ترتكبها ضدهم يومياً في عدد متزايد من البلدان و خاصة فلسطين و العراق و غيرهما فهذا استغلال بشع لأزمة عالمية قد توصل العلاقات بين الأديان و الشعوب إلى مرحلة لا تحمد عقباها و تصبح نتائجها كارثية على العالم أجمع.
لا يزال العالم يرى في نيلسون مانديلا، و في سجنه الطويل بتهمة مقاومة الأبارثيد، تجسيداً لما عانته الملايين من البشر من ممارسات التمييز العنصري و كان التمييز بالأمس بسبب السحنة السمراء فهل ينتكس العالم اليوم أيضاً ليقبل بعذابات العرب و المسلمين مهما اشتدت في بلدانهم المحتلة و في السجون الإسرائيلية و الأمريكية و في المطارات و الجامعات و العواصم الأوربية، بحجة محاربة الإرهاب؟ إن تعاليم الإسلام كدين سماوي و المسلمين في كل بلدانهم يدينون تفجيرات لندن و شرم الشيخ وغيرها من الأعمال الإرهابية الشنيعة، التي عانى المسلمون منها قبل الغرب منذ بداية القرن الماضي، و هذه الإدانة الشعبية الواسعة تشكل حجر أساس يجب البناء عليها بخلق تحالف إسلامي غربي ضد الإرهاب و العنف و الظلم. و الخطوة التالية الضرورية هي معالجة وقائع الظلم و الاهانة و الإذلال و الإرهاب التي يعاني منها المسلمون في فلسطين و العراق و أفغانستان و في كل مكان و إيقاف هذه الموجة العنصرية المغرضة ضدّهم بحيث أصبح كل ذي سحنة سمراء و شاربين و لحية متهماً و يصبح قتل المتهم مبرراً حتى قبل أن يوجّه إليه سؤال أو أن يتمّ استنطاقه و على العالم أن يتذكر أنه حتى وقت ليس ببعيد كان أصحاب السحنة البيضاء يعتقدون في الولايات المتحدة أو في جنوب أفريقيا أنّ صاحب الجلد الأسمر لا يتمتع بالمشاعر ذاتها التي يتمتع بها صاحب الجلد الأبيض فهل نعود إلى معادلة مشابهة بأن المسلم ينشأ على الكراهية بسبب دينه، و أنه من المباح قتله و إذلاله و احتلال أرضه و تهجير شعبه و استقدام المستوطنين و بناء جدران الفصل العنصري على ترابه الوطني و التمييز ضده حيثما وجد و في أي بلد كان و من ثمّ إطلاق صرخات التعجب على حجم الغضب و النقمة ؟!! أذا سألت أي إنسان في العالم ما هو الشيء الذي يصبح الموت بالنسبة له سهلاً يقول لك "الذل". الذلّ أصعب من الموت و لا يمكن لبشر طبيعيين أن يختاروا الموت لأنفسهم و للآخرين لو لم يطفح كيل الشعور بالذل لديهم فهل نعالج الأمر بفرض إذلال و عقوبات أشدّ على الملايين و بمهاجمة مقدساتهم بسبب أعمال مدانة تقوم بها فئة متطرفة منبوذة في مجتمعاتها أساساً، أم بالعمل يداً بيد ضدّ كلّ من و ما يؤجج مشاعر الغضب و النقمة. هناك متطرفون على الجانبين يحاولون إذكاء نار الحقد و الكراهية و تصوير الآخر على انه تجسيد للخطر و لا بدّ من القضاء عليه لإزالة الخطر و لكن الشيء الوحيد الذي يجب القضاء عليه لإنقاذ العالم هو التطرّف و انعدام العدالة و امتهان الكرامة الإنسانية و يكون ذلك بأن نعود إلى دروس التاريخ لنلحظ كم من العنصرية بدأت تظهر في التصريحات حتى من قبل أناس في مواقع عليا من المسؤولين بل أصبحت هذه التصريحات سبيلأً لإعلان ترشيح مطلقيها لمواقع أعلى في المستقبل.
لا بدّ من تطويق هذه الموجة بمعادلة واحدة لا بديل عنها و هي المساواة في الكرامة الإنسانية و الإيمان بأن الأديان جميعاً تعلمّ المحبة و الأخوة و التفاني و أن ممارسات البعض في منطقة الشرق الأوسط خصوصاً هي التي تولدّ الشعور بالغضب و الحقد و النقمة و بالتالي البيئة المناسبة لانتشار التطرف و الإرهاب. و أنّ الحديث ضدّ ممارسات إسرائيل الإجرامية ليس معاداة للسامية بل ضرورة لإنهاء الاحتلال و الاستيطان و الظلم الذي يشكل البذرة الأساسية للعنف المتبادل. فليبدأ الغرب بالاستماع لأخبار المسلمين في ديارهم و دياره و لنعمل جميعاً لإرساء أسس العدالة و الكرامة بعد إنهاء الاحتلال و الاستيطان و لنعمل جميعاً كبشر متساويين في الكرامة الإنسانية كي لا تتم إعادة إنتاج فكر و ممارسات الأبارتيد العنصرية و لا يتم إعادة إنتاج عصر العبودية بذريعة أن من يختلفون في الشكل أو المعتقد يختلفون في المشاعر و الروح و القلب. حينذاك فقط، حين نوجّه التحية إلى عمدة مدينة لندن و أمثاله لمنطقهم السليم و الصائب نكون قد وضعنا قدمنا على الطريق الصحيح لتطويق أزمة قد تكلف العالم مستقبله الهانئ المزدهر الذي تحلم به الأجيال الشابة في كل مكان.
25July 2005