كيف نكسر هذه الدائرة المغلقة؟

د. بثينة شعبان

 

    وقفتُ مع الملايين من البشر حداداً على ضحايا تفجيرات لندن التي نالت إدانة عالمية تستحقها هي والأعمال المماثلة لها في أي مكان في العالم، و كنتُ ولا أزالُ أعاني من صدمة خبر مقتل مائة طفل عراقي في تفجير انتحاري ببغداد لأنّ كلّ إنسان عاقل في هذا الكون يمكن له أن يتخيل نفسه أو ابنه أو ابنته على متن ذلك القطار أو الباص في وسط لندن أو بغداد و كلّ إنسان يمكن له أن يقدّر حجم الكارثة التي كانت ستحلّ به لو فقد أحد أفراد أسرته فقط لأنه كان في المكان الخطأ و في اللحظة الخطأ. و رغم بشاعة التفجيرات فقد كان خطاب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير خطاب رجل دولة حرص خلاله على التوجه إلى الجالية المسلمة في بريطانيا و التأكيد على أنّ  "التطرّف ليس حالة دينية بل حالة ذهنية" و أنه سوف  "يعمل مع الجالية المسلمة كي يسمع العالم صوت الإسلام المعتدل و الحقيقي كما يجب أن يُسمع".  و كـُتِبَت بعد ذلك عشرات المقالات تدعو المسلمين و الدول الإسلامية إلى إيجاد طريقة لاستئصال هؤلاء الذين يدعون بينهم إلى مثل هذا الحقد و مثل هذه المرارة. و بعد ذلك اكتشفت الشرطة البريطانية بكفاءة و مهنية عالية أسماء هؤلاء الذين قرّروا أن ينهوا الحياة التي وهبها الله لهم و يدمّرون حياة أناس آخرين أبرياء مسلمين و مسيحيين و يهود في يوم عادي من أيام لندن التي تفخر بالتعددية العرقية و الدينية التي تضمّها بين ظهرانيها.

   و كما حدث بعد أحداث الحادي عشر من أيلول أخذ كلّ يتجاذب أسباب مثل هذا العمل الدموي المشين بما يخدم مصالحه و توجهاته و أهدافه فالبعض تحدّث عن  "كره إيديولوجي"  و الآخر تحدّث عن  "حقد على الشعوب المتقدّمة التي تنعم بالرفاهية"  و لكنّ المنفـّذين هذه المرّة هم بريطانيون وُلِدوا في أجواء الديمقراطية البريطانية العريقة و تنعمّوا  بتعدديتها الثقافية في مدارسها و عرفوا الطمأنينة المتوارثة من الاستقرار و الازدهار و عاشوا في جوّ الحريّة و الشفافية  المطلقة     و لذلك فإن ارتكابهم مثل هذه الفظاعة يثير الدهشة، فهم  ليسوا بالتأكيد من ضحايا أنظمة القمع والاستبداد والفساد و لم يعرفوا قطـّ  إذلال الاحتلال الأجنبي!

   في كلّ الأعمال المماثلة كانت الصحافة الغربية تروِّج نظرية تقول أن نوعاً معينا من الأنظمة هو الذي يولـّد الإرهابيين، وهي تلك القائمة على الاستبداد والفساد و التي تنشر الفقر والإحباط،  وكان الأمريكي تيموثي ماكفي الذي فجّر مركزاً في أوكلاهوما فقتل أطفالاً أبرياء مثالاً آخر على فشل هذه النظرية. خاصة وأن أصغر المرتكبين سنـّاً، حسين، بدا لأهله وجيرانه ومجتمعه شاباً عادياً لم يخطر ببال أحد أنـّه يمكن أن يرتكب يوماً ما عملاً بهذه البشاعة. و حسين إن كان متديناً فإنه كان يجب أن يعرف مثله مثل أي مسلم آخر أن قتل النفس البريئة محرّم و نهى عنه الله عزّوجل بأقوى العبارات بحيث اعتبرت الآية الكريمة أن من "قتل نفساً بغيرّ حقّ فكأنما قتل الناس جميعاً"  إذ لم يعدّ من المهم كم عدد الضحايا لمثل هذا العمل لأن قتل نفس بشرية واحدة التي حرّم الله قتلها تعادل عند الله عزّوجل قتل الناس جميعاً. و كائناً من كان الذي خطـّط لمثل هذه الجريمة، وكائناً من كان الذي صنـّع المتفجرات، فمن الأهمية بمكان أن ينشغل العالم برمته بالبحث عن الأسباب التي تقود شباباً عاديين إلى أن يصلوا إلى درجة قتل أنفسهم وقتل كلّ من يأتي في طريقهم بمثل هذه القسوة الرهيبة الخالية من أي شعور أو تفكير إنساني، إذ لا بدّ للعالم أن يواجه مسألة الأسباب عاجلاً أو آجلاً و يتخلـّص من نظرية "الإرهاب الإسلامي" العنصرية  و من نظرية  "الحقد على القيم الغربية"  لأن القيم الدينية و الإنسانية هي قيم مشتركة بين جميع البشر و ربّما كان تقسيم العالم إلى مسيحي "متحضـّر" و مسلم  "غير متحضـّر"   أو قيم  "تسامح"  و قيم  "إرهابية"  و غيرها من الدعايات المعادية للمسلمين التي  تملأ  الإعلام الغربي هو أحد العوامل الإضافية التي تدفع إلى  نشر النقمة والغضب ومن ثمّ تفسح المجال لاستغلال مشاعر النقمة والغضب هذه من قبل زمرة من المتطرفين.  

      و لكنّ السبب الجوهري في تحول الحرب على الإرهاب إلى حرب مفتوحة وحلقة مغلقة بلا مخرج هو تفادي الجهات الدولية مواجهة حقيقة الإرهاب، و مواصلة التستـّر الطويل على الأسباب الحقيقية لحالة الغضب والنقمة هذه. فأنا أتذكـّر أنني قرأت مقابلة مع تيموثي ماكفي من سجنه تحدّث فيها خلاله عن ألمه العميق لرؤيته أطفال العراق يُقتَلون و غضبه مما شاهده حين كان جندياً أمريكياً في العراق و أنه أراد أن يشعر بعض الأمريكيين بمشاعر العراقيين حين يفقدون أطفالهم. و مع الاعتراض الشديد على هذا المنطق المعوجّ فإن تلك المقابلة كانت الأخيرة التي سُمِح لماكفي أن يعطيها و مُنِعَت بعدها جميع وسائل الإعلام من مقابلته و ذهب و ذهبت أسبابه معه التي مهما كانت كان يجب الاستماع إليها و التفكير بها. و المشكلة مع عشرات المقالات التي كُتِبَت بعد تفجيرات لندن هي الافتراض أنّ  "الإسلام بحدّ ذاته يشجّع التطرّف"   و يحضّ على   "العنف"  و هذا منطق عنصري مرفوض أدّت نظريات مشابهة له، استـُخدِمَت في القرن الماضي ضدّ اليهود، إلى ارتكاب جرائم ما زال العالم يحاول التخلـّص من ذكراها.  والمشكلة الأخرى التي تحول الحرب على الإرهاب إلى حصار مغلق بلا مخرج هي أن العالم " المتحضر"  وإعلامه " الحر" لا يحصي الضحايا إلا على طرف واحد و يشعر الطرف الآخر أن ضحاياه و أطفاله وحياته وأرضه وتاريخه وكرامته وقرآنه ومقدّساته وسجناءه لا قيمة لهم وأنه يتم امتهانهم و احتلال أرضهم و بناء جدران فصل عنصرية ضدّهم و تهجير أسرهم من بيوت الآباء و الأجداد و تفجير شوارعهم، و قصف مدنهم، و اغتيال مثقفيهم،  و اقتلاع أشجارهم، و تدمير نمط حياتهم  بالحديد و النار دون أن يستحقّ كلّ ذلك وقفة حداد أو احتجاجاً أو إدانة! إن مشاعر مئات الملايين من الشباب العرب أو المسلمين في أي مكان في العالم وردود أفعالهم على كل هذا الإذلال والقتل هي نفسها التي يرد بها السياسيون الغربيون أنفسهم على كل حادث إرهابي، وهي نفسها التي رد بها الشباب البريطاني على المسلمين وممتلكاتهم في المدن البريطانية، وهي ذات التأثير نفسه على المثقفين والإعلاميين المسلمين التي يتأثر بها المثقفون والإعلاميون الغربيون عند أي عمل إرهابي يصيب مدنهم. فقد حذّر وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس من عواقب عملية نتانيا التي قُتِلَ بها إسرائيليان ولكنّ الوزير الألماني لم يذكر الثلاثين فلسطينياً الذين قتلتهم إسرائيل منذ الاتفاق على الهدنة في شرم الشيخ فأكد بذلك ازدواجية المعايير التي يتعامل بها السياسيون والإعلاميون الغربيون مع الإرهاب.

لا بدّ من أن نعمل معاً على إنهاء مسلسل العنف والإرهاب، وإزالة أسبابه ، وأن نعمل من أجل سلام عادل و شامل، يُنهي الاحتلال و يحفظ للشعوب كرامتها.  ولتكن البداية بعقد اجتماع دولي لدراسة الإرهاب و أسبابه و سبل مكافحته، الأمر الذي دعت إليه سورية منذ عام 1986 حين ارتكب الإرهابيون في شوارعها و مدنها عشرات التفجيرات والاغتيالات أودت بحياة آلاف السوريين الأبرياء من قِبَل نفس العقلية المتطرّفة التي كانت تحصل آنذاك على الرعاية والتمويل والمأوى في الغرب و لنفرِّق جميعاً بين مقاومة الاحتلال الأجنبي المشروعة بكل الشرائع و القوانين الدولية و بين الاستهداف الآثم للمدنيين الأبرياء في أي مكان من العالم و الذي تدينه كلّ الشرائع السماويّة وليعتبر الجميع أنّ القدس وغزة وبغداد جزء عزيز من العالم مثل لندن و مدريد و نيويورك وألا يسمحوا باستمرار قتل المدنيين هناك بشكل يومي أو تعذيب سجنائهم، أو تدنيس قرآنهم،  الأمر الذي يزرع الإحباط والمرارة في ذاكرة الأجيال في العالم كله. إنّ انعدام العدالة في التعامل مع قضية إنسانية، مثل قضية شعب فلسطين واحتلال العراق وزرع الرعب والإرهاب في أرجائه و الإحجام عن اتخاذ موقف حازم يدين بالسويّة نفسها كلّ ما يتعرّض له المسلمون و العرب من جرائم حرب و ظلم  و الإصرار دوماً على إهانة  الإسلام و رموزه و مقدّساته في أجهزة الإعلام، و الإصرار على اتخاذ المواقف المزدوجة عند إدانة الإرهاب والعنف يولـّد غصّة حقيقية، ومرارة دائمة لدى مئات الملايين من المسلمين في كلّ مكان.

    و مع الإدانة المطلقة و الكاملة لقتل أي نفس بشرية بريئة و لكل عمل إرهابي كائن من يكون مرتكبه، فمن الواجب علينا جميعاً أن نتجرأ و نضع استراتيجية حقيقية لمكافحة الإرهاب، بعيدة عن الموقف العنصري المسبق، وعن الاعتبارات السياسية الضيّقة و عن المعالجات الأمنية التي تستهدف إعطاء الانطباع بالحزم      و الشدّة، ولكنها تدور في حلقة مفرغة، وفي كل الأحوال فإنها تعالج النتائج وليس الأسباب. أما المطلوب فهي استراتيجية قائمة على التعاون الدولي ومبدأ العدالة في العلاقات الدولية. ولا بدّ لفعل هذه من كسر الدائرة المغلقة بالكفّ أولاً عن سياسة تحويل الحرب على الإرهاب إلى الحرب على الإسلام  ومعالجة القضايا الحقيقية التي تهمّ الشعوب و التي يشكـّل الاحتلال الأجنبي والظلم الدولي المتواصل منذ عقود ربّما الأرضية الخصبة للأفكار والممارسات المتطرّفة التي تستغل الإحباط واليأس المتراكم في بعض النفوس الشابّة لترتكب الأعمال الشنيعة بكلّ المعايير. إن جرائم مثل مجازر دير ياسين،  وقبية، وصبرا و شاتيلا، وسبرانيتشا، ومشاهد الاغتيالات و التدمير و القتل للأطفال في مدن فلسطين، و قصف بغداد طوال سنين و غيرها تترك في نفوس المسلمين نفس الأثر الفاجع الذي تتركه مشاهد الإرهاب المُدانة في شوارع المدن الغربية في نفوس الغربيين.  والواجب الإنساني يتطلب من السياسيين في الغرب أن يبادروا إلى إزالة العنف  والإهانة والإذلال من حياة مئات الملايين من البشر الذين يعانون الاحتلال و الظلم أو يراقبون أمثالهم يعانون منه. والمطلوب دوماً إدانة الإرهاب في أي مكان بالعمل الحقيقي  وليس بالتصريحات الأحادية أو المعالجات الأمنية فقط والتي في معظم الأحيان تعالج النتائج وليس الأسباب بينما تستمر نار العنصرية والتفرقة وانعدام العدالة بين البشر. إنّ إعادة الاعتبار إلى مبدأ العدالة والشرعية الدولية والكرامة الإنسانية المتساوية، بالإضافة إلى الإجراءات الأخرى، تشكـّل دون شكّ أقصر الطرق لمكافحة الإرهاب و اجتثاث أسبابه■