ماذا ينوون فعله ببلداننا و ماذا فعلنا لبلداننا؟
28Feb. 2005
د. بثينة شعبان
أعلنت الولايات المتحدة لأسباب عديدة، أن الشرق الأوسط أصبح محط اهتمامها الرئيسي، و لكن ما يجري حالياً في الشرق الأوسط و حول الشرق الأوسط أمر مثير للإرباك و التساؤل و الترقب. و لكن و لكي نعيد الأمور إلى نصابها الصحيح لا بدّ أن نفصل بين أمرين اثنين: ما يريده الآخرون لبلداننا وما نريده نحن شعب هذه المنطقة لهذه البلدان، و نقارن أولاً بين ما فعلوا هم لبلدانهم و ما فعلناه نحن ببلداننا و من يتحمل حقيقة وفعلياً في نهاية الأمر مسؤولية ما يجري: هل هم الشعب أم من ائتمنهم من المسؤولين على الأوطان و المستقبل و التاريخ؟! لقد أصبح من نافل القول الحديث عن مخطط لإعادة هيكلة الشرق الأوسط، إذ يبدو اليوم هذا المخطط واضح المعالم إلى حدّ كبير. فهاهي أخبار العراق و فلسطين و السعودية و ليبيا و اليمن و الكويت و السودان تعطي الأولوية حالياً لأخبار لبنان و سورية، البلدين الذين يمثلان المرحلة القادمة من مشروع إعادة الهيكلية و ها هي العلاقة الأمريكية-الأوربية تركز في معظمها على استكمال أبعاد هذا المخطط و خلق المسوّغات المختلفة و تسويقها إعلامياً و سياسياً من أجل تنفيذ هذا المخطط. و الغرب في هذا له خطته و أهدافه و مصالحه من أطماع في النفط و الأرض و المياه و البشر إلى استخدام كلّ هذا من أجل تقدّم صناعته و رفاهية شعبه و امتصاص خيرات مناطق أخرى لما فيه خدمة منطقته و تقدّمها معتبراً إسرائيل جزءاً من الغرب طبعاً و لا أحد يستطيع أن يوقف مثل هذه المخططات بالتمني و الجمود على المواقف و الأساليب المعالجات و الخطابات القديمة.
بالمقابل ماذا تفعل الحكومات العربية في هذه أو تلك من الدول المستهدفة و التي تقع في هذه المرحلة أو تلك في دائرة الهدف في مخطط التغيير هذا. من الواضح أنه ليس هناك وضوح في الرؤيا، لدى المثقفين و المفكرين و الساسة على حد سواء، حول أهداف هذا المخطط بل معظمهم منشغلون إما بتسيير الأمور وفق النمط المعتاد للسياسات العربية و كأن شيئاً لم يتغير حولهم أو بإقامة علاقات عامة يتوهمون أنها تمثل جوهر مشروع "الحرية" و "الديمقراطية" في الوقت الذي تمثل فيه هذه العلاقات انزلاقاً حقيقياً عن الحقوق و الثوابت التي أقرتها الشرعية الدولية و اعترفت بها كلّ الضمائر الحرة في العالم. و في قلب هذه البلدان المستهدفة تنطلق مجموعات تكبر ككرة الثلج لتصوّر التنازل إنجازاً و التقارب مع الطامعين بالأرض و المياه انتصاراً و التدخل بهوية المواد الدرسية و التاريخ و اللغة انصياعاًَ لتقدّم حضاري لا مفرّ منه. و يوازي هؤلاء آخرون كان من المفترض أن يكشفوا الخطط قبل أن تولد و يُعدّوا العدّة لمواجهتها بسياسات ناجعة و بديل يشكل مرجعية لحقوقهم دون تشنج أو عزلة أو صمت أو مواربة بل تقديم هذا المرجع و المنطق بلغة العصر المفهومة و بما يستحقه من شرح تسويقي إلى كلّ بقاع الأرض و إلى كلّ بلدان العالم كي لا يسمع العالم صوتاً واحداً قادماً ممّن لديهم الخطط ضدّ أوطاننا و يقابله من هذه الأوطان إما صمت مطبق في دائرة الجمود و الانغلاق و العزلة و إما نكوص في دائرة من يريد أن ينسى العالم موضوع الأرض و المياه و الشهداء و المعتقلين و كلّ التضحيات التي قدمها الأهل في فلسطين و الجولان و لبنان كي لا يظنن أحد أن هذه الأمة فقدت من يدافع عنها و عن قيمها و مستقبلها.
و على هذه المستوى نلاحظ بأن الانتقائية السياسية و الإعلامية تركز دائماً على ما يريدون أن يفعلوا بأوطاننا مع تضخيم مخاوفهم على أمنهم و حياتهم و عدم ذكر عذابات شعبنا أو حقوقه أو حصيلة ما يجري و أثره على مستقبل أبنائه، بل يتم التهليل لفتوحات في علاقات تعني التخليّ عن دعم الأشقاء في معركة الصراع العربي-الإسرائيلي و تناسي أساسيات هذا الصراع التي ما يزال يُعمل بها في بلدان العالم الأخرى. و يتساءل الغربيون ذوو الضمائر الحرة لماذا لا تُسمِعونَ أصواتكم لشعوبنا و لماذا لا تقفون كتلة واحدة في وجه الظلم و المخطط الذي يستهدف هويتكم ووجودكم؟ ففي الوقت الذي يتحدثون فيه عن "الحرية" و "الديمقراطية" في لبنان و سورية لفتح الأبواب للتدخل الأجنبي تتخذ إجراءات لبناء ستة آلاف وحدة سكنية في الضفة الغربية و عزل القدس الشرقية عن محيطها في الضفة و طرد سكانها العرب مسيحيين و مسلمين بينما تنهال الدعوات من قبل عرب آخرين على من يخطط و ينفذ هذه السياسة الخطيرة على الحق العربي بما يعتبر مكافأة على ارتكابه جرائم الاستيطان و المجازر و الإرهاب.
إنّ ما يروجه الإعلام اليوم عن لبنان و سورية يشكّل استكمالاً لمخطط رهيب لا يستهدف الهوية السياسية فقط و إنما الفكرية و اللغوية و الدينية و الحضارية و تبدو الشعوب العربية اليوم كما بدا الشعب الفلسطيني للأعوام السابقة تعاني من خلل هائل في التوازن و تتخبط في فضاء يملؤه الآخرون بأفكارهم و مخططاتهم بحيث لا تظهر أحياناً حتى ردود الأفعال على هذه المخططات. إذا كان من اللازم أن نتعلم من غيرنا، فلننظر ماذا فعلت الولايات المتحدة و أوربا لإبعاد الخلافات عن طريق تعاونهما و ذلك باللقاء المباشر لتقريب وجهات النظر من أجل الاتفاق على المشترك و وضع المختلف عليه من الأمور ورائهم قبل أن يبدؤوا أي عمل يريدون القيام به حيال الآخرين. و السؤال هو ماذا فعل القادة العرب من أجل تقريب وجهات نظرهم المختلفة حول العديد من المواقف المتعلقة بالمتغيرات التي تعصف بهم جميعاً و لا تستثني أحداً؟. و السؤال الذي علينا أن نكرره اليوم ماذا فعل القادة الغربيون لبلدانهم و ماذا ينوون فعله ببلداننا؟ و لكن قبل هذا و ذاك علينا أن نسأل أنفسنا نحن اليوم ماذا فعل الحكام العرب لبلدانهم و شعوبهم، هذا السؤال يفتح أبواباً مشرعة من تراكم الفردية المفرطة و هدر الموارد و الاستبداد المقنن و الإهمال و اللامبالاة التي لا بدّ أن يُسلّط الضوء عليها قبل أن نتمكن من الإمساك بزمام المبادرة و إيصال صوتنا للعالم برمته كي تكون رياح "الحرية" و "الديمقراطية" نسائم خير بدلاً من أن تكون عصفاً مدمراً لحقوق العرب و أداة للسيطرة على الموارد من نفط و مياه و تحويل العرب إلى عمّال بأجور زهيدة في معامل من يعملون لفرض سيادتهم على هذه الأرض و لا بأس أن تكون البداية من بعض التفاصيل الصغيرة و الهامة التي توصلنا في النهاية إلى رسم الصورة كاملة كما ترتأيها و تطمح لها شعوبنا لا كما تريدها قلّة منتفعة غير جديرة بالتجديف في هذا البحر الهائج.