فعلاً فريدمان: من يمتلك القدرات و الخبرات و الحوافز
لقتل الحريري ؟!!
21Feb. 2005
د. بثينة شعبان
لدى سماع دويّ الأنفجار المروّع في بيروت الذي أودى بحياة رئيس الوزراء اللبناني الشهيد رفيق الحريري في 14/02/2005 أخذ أبناء بيروت و الصحفيون المقيمون هناك ينظرون في الأفق ليكتشفوا ما إذا كانت الطائرات الإسرائيلية، و التي تخرق الأجواء اللبنانية بشكل شبه يوميّ، قد سببت هذا الانفجار، في حين تسابق مخططوا عملية الاغتيال لتنفيذ الأهداف المتوخاة من هذه العملية حيث تمّ توزيع الأدوار لتوجيه أصابع الاتهام بالسرعة الكلية لسورية! أمّـا نحن العرب الذين تسمّرنا أمام شاشات التلفاز فقد روّعتنا مشاهد النار و الدخان، و الجثث المحترقة، و المباني المدمّرة و هي تعود من جديد لأجمل عواصمنا العربية بعد أن اعتدنا على مشاهدتها يومياً في المدن العراقية بعد الاحتلال الأمريكي، و في المدن الفلسطينية منذ قرن، و في بيروت نفسها خلال الحرب الأهليّة و التي وضعت سورية و بالتعاون مع القوى الوطنية اللبنانية حدّاً لها قبل أن تعود بفعل عوامل عديدة، أهمها المخطط الدولي، إلى الانقسام الحاد من جديد. و بالنسبة لأبناء هذه المنطقة فإن مشاهد الانقسام اللبناني تُعيد إلى الأذهان كابوس المجازر و الاغتيالات المتبادلة بين الأخوة، و كذلك كابوس الأطماع الأجنبية التي لم تتورع سابقاً، و لن تتورع حالياً، و لا مستقبلاً عن زرع الفتنة، و ارتكاب المجازر، و علينا أن نتذكر صبرا و شاتيلا، و قانا، و جنين، و رفح، و الفلوجة..الخ و علينا أن نتذكر مجازرهم، و ضحاياهم من الأطفال و المدنيين في رام الله، و غزّة، و جنين، و الرمادي، و بعقوبة و غيرها. و بدا هذا الحدث الجلل لكلّ العرب نقلة نوعية خطط لها أعداء هذه الأمة و نفذوها، بدقّـة متناهية في تحديد الهدف و زمن و شكل القتل، لنقل الزعزعة و الفوضى من فلسطين و العراق إلى لبنان و سورية، مما يعيد إلى الذاكرة حوادث الاغتيال المتسلسلة، التي ارتكبتها أجهزة استخبارات دولية و حلفاؤها في المنطقة، للتخلص من قادة عرب، و لبنانيين بالذات، و لخلط الأوراق في المنطقة، و التي طالت الرئيسين رشيد كرامي و رينيه معوّض، و عباس الموسوي و غيرهم قائمة طويلة استشهدوا على أيدي أجهزة دولية لديها مجرمون مختصون بتدبير حوادث الاغتيال و تنفيذها بدقة لا يتركون بعدها أثراً و ذلك لتحقيق أهداف إقليمية و دولية.
و بعد ساعات من الحدث أذاع تلفزيون البي بي سي البريطاني أنّ "نوع الانفجار و المواد المتسخدمة متقدّمة جداً و قد تمّ استخدام تقنيات متطورة" و في إعلان لحركة السلام الأوربية التي عقدت اجتماعاً في برلين صباح يوم الثلاثاء 15/2/ 2005 و حضره جنرالات و خبراء أوربيون رجّحوا أنّ المتفجرات التي استخدمت في الانفجار الذي أودى بحياة الشهيد الحريري" على صلة مباشرة باختفاء أربعة آلاف طن من المتفجرات الشديدة الانفجار و الحرارية من العراق بعد الاحتلال الأمريكي". و هي التي ذكرت وسائل الإعلام في حينها أن الولايات المتحدة صمتت عن هذا الاختفاء المريب و خاصة تلك المعلومات المؤكدة عن تسليم الموقع لقوة إسرائيلية رافقت القوات الأمريكية المحتلة و التي قامت بنقل المواد إلى إسرائيل. و يؤكد المحللون أنّ المواد المستخدمة في الانفجار الذي أودى بحياة الشهيد الحريري لا تمتلكها إلا جهات دولية و إقليمية ذات مقدرة و خبرات عالية في هذا الميدان. و الجميع يعرف من هي الجهات الدولية التي امتلكت القدرة على التخطيط لإسقاط حكومات ديمقراطية مثل حكومة الرئيس مصدق و حكومة الرئيس الليندي و كلنا نعرف من دبّـر و نفـّذ اغتيال رشيد كرامي و رينيه معوّض و عباس الموسوي و غيرهم الكثير في لبنان، و نعرف من هي الدول التي أعطت أجهزة مخابراتها صلاحية تنفيذ الاغتيالات، و من هي الدول التي تناقش و تعلن قوائم اغتيالات مسبقاً و من ثمّ تنفّذ هذه الاغتيالات في مدن فلسطين، و في شوارع بيروت و دمشق، و على مرأى العالم و مسمعه. و كلنا يعرف من هي الدول القادرة على تنظيم العصيان المدني في إيران و تشيلي و فنزويلا و غيرها قائمة طويلة من الدول التي دفُنَِت فيها الديمقراطية و تمّ تنصيب طغاة دمويين لأنهم "أصدقاء" .
أما الحافز الأساسي لجريمة الاغتيال فهو الهدف الاستراتيجي في تحقيق وجود عسكري دائم في دول المنطقة كلها! فقد أصبح جلياً للجميع اليوم أنّ المبرر لدخول الولايات المتحدة العراق ليس "الحرية"، و لا "الديمقراطية"، و لا حتى "أسلحة الدمار الشامل"، و ليس بالتأكيد "الشعب العراقي" الذي قـُتِلَ منه حتى اليوم ما يزيد على مئة ألف مدني في المجازر بالفلوجة و النجف و سامرّاء و غيرها و في أقبية التعذيب في أبو غريب و غيرها و الذين لم يأبه أحد حتى بعدّهم أو ذكرهم، و إنما السبب الحقيقي هو خلق قواعد عسكرية دائمة في العراق و في تلك الدول التي ما زالت خارج العبودية الأجنبية في المنطقة. فمنذ احتلال العراق تمّ بناء العديد من القواعد الدائمة بتكاليف بلغت المليارات من الدولارات التي تمّ إنفاقها لحدّ الآن هناك. و الهدف هو التحكـّم بالنفط، و وضع مقدرات المنطقة في يد إسرائيل، و وضع حدّ للحرية و الاستقلال و السيادة التي تمتع بها العرب في النصف الثاني من القرن العشرين.
و هذه القواعد بحاجة إلى موانئ "آمنة" لتزوّدها بالإمدادات و لتربطها بالقواعد الأم في أوروبا. و لذلك يتوجّه الضغط اليوم للنفاذ إلى لبنان و لوضعه تحت الوصاية المعادية لتأمين موانئ عسكرية و إنهاء المقاومة. من هنا تبدو العلاقة السورية اللبنانية عقبة لمن يخطط للسيطرة على لبنان ضمن مخطط نشر القواعد العسكرية في جميع أرجاء العالم، و منها المنطقة العربية فليس هدف هذا المخطط الحرص، كما يدّعون، على "الحريّة" أو "الديمقراطية" أو "السيادة" في لبنان فالمعارضة الوطنية في لبنان جزء من الحياة السياسية الديمقراطية التي ساعدت سورية على إعادتها إلى لبنان، و لكن الهدف من المخطط المعادي الحالي هو استباحة حريـّة و استقلال و سيادة و وحدة لبنان و تأمين موانئه و وضعها في خدمة الوجود العسكري الاستراتيجي في المنطقة.
و الغريب أن فريدمان (مقالته في الشرق الأوسط 18/2/2005: "ما بين قواعد حماة... و قواعد بغداد"، و بعض أعضاء الكونغرس و غيرهم من الإعلاميين و الساسة الغربيين يعطون الانطباع بأنهم منشغلون بالدفاع عن "الحرية" في دول معينة بذاتها و هي البلدان التي احتلوها أو التي يريدون بسط احتلالهم عليها في حين يتجاهلون قضايا الحرية الحقيقية مثل قضية الشعب الفلسطيني المكافح منذ قرن من أجل الحرية و الاستقلال من الاحتلال الاستيطاني الوحشي الذي يدعمونه بالمال و السلاح و الحماية.
و إذا كان فريدمان و أمثاله حريصين على حرية العرب فلماذا لم يكتب مقالاً واحداً عن العلماء العراقيين و الأكاديميين العراقيين الذين اغتالتهم القوى التي تتبنى الاغتيالات كخطـّة لتغيير وجه المنطقة و استسلامها؟ و لماذا لم ينعي مدينة بابل التي تشكـّل جزءاً هاماً من هوية العراق و إرثه الحضاري؟ و إذا كان الإعلام حراً في الولايات المتحدة كيف يجنـّد الإعلاميون أقلامهم ليصبحوا أبواقاً لما تريد إدارتهم تنفيذه من أفغانستان إلى العراق و إلى لبنان و سورية اليوم؟
إن اغتيال الشهيد الحريري هو إشارة انطلاق لمخطط الإستيلاء الأجنبي المعادي على لبنان و الذي توضـّحت معالمه بالتصعيد ضدّ سورية. فالذين خططوا للاغتيال و نفذوه بدقـّة، أسلوباً و تقنيةً توقيتاً، خططوا أيضاً لتداعياته و التي تستهدف أول ما تستهدف أمن و استقرار لبنان، و العلاقة السورية اللبنانية. و إذا كان اكتشاف منفذ الجريمة يتحقق من خلال معرفة المستفيد منها فإن أول المستفيدين من هذه الجريمة هم أنفسهم المستفيدون من احتلال فلسطين و العراق و زعزعة الاستقرار في لبنان و استهداف سورية و تمزيق العرى الوثيقة بين الشعبين اللبناني و السوري. لقد كان الشهيد رفيق الحريري واعياً لهذه المخططات، و يقف ضدّها، و إزاحته بهذه الطريقة الدموية المدوية من المعادلة اللبنانية تمهّد الطريق لقوى دولية و إقليمية معروفة للجميع بقدراتها، و خبراتها، و حوافزها، لتنفيذ مخططات الاستيلاء على الشرق الأوسط من أجل تأمين إسرائيل و استنزاف ثروات المنطقة و انتهاك حرية العرب و استقلال و سيادة بلدانهم. و ذلك عبر تهيئة الظروف للاحتلال و بناء القواعد و الموانئ العسكرية من جديد و كلّ هذا يتم هذه المرّة باسم "الديمقراطية"، و "الحرية" بعد أن كان يتم باسم مكافحة الشيوعية حيناً، أو مكافحة الإرهاب، أو أي مسمى آخر. غريبٌ جدّاً أن لا يتذكر فريدمان الفلوجة و ماي لاي و أبو غريب و غريب جداً أن ينسى مصدق و اليندي و رينيه معوّض و غيرهم الكثير من القادة و المجازر و المواقف التي توضّح له من له القدرات و الخبرات و الحوافز لقتل الشهيد الحريري■