الطريق الثالثة
14Feb. 2005
د. بثينة شعبان
ينقسم الرأي العام اليوم في العالم العربيّ إلى تيارين أساسيين أخذت تتبلور ملامحهما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول و أشار إليها خاصة تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة للعام 2003 كما أن الحرب على العراق قد لعبت دوراً في إظهار و تعزيز هذين التيارين و هما التيار الرافض لأي تدخـّل أجنبي في الشؤون العربيّة لأنه يعتبر كلّ ما يخطط و يروّج له في الغرب يستهدف وجود و حقوق و مصالح العرب و ينطلق من موقف عنصري معادي للمسلمين و الإسلام كدين و ثقافة و قيم و يهدف بالنتيجة إلى تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى على الأراضي العربية و تقويض الثقافة و الهوية و اللغة العربية و لذلك يعتبر ممثلو هذا التيار أي فكر أو سياسة أو شعار لمرحلة أو مخطط قادم من الغرب أو أي تعامل معه على أنه معادٍ للأمة العربية و يلحق الضرر بحقوقها لا محالة. و التيار الثاني الذي يمثـّل الأكثريـّة الصامتة التي وقفت مع كل التوجّهات الفكرية و السياسية التي سادت و ما زالت في أرجاء الوطن العربي و التي عانت الكثير في مختلف أقطارها من تراكم المشاكل و الأزمات و بالأساس من عقم الأنظمة العربية و هدرها للجهود و الموارد و السنوات تحقيقاً لمصالح شخصية أو خلافات ضيّقة بحيث أخذ هذا التيار يتوصّل إلى الاستنتاج أن الخلاص الوحيد يكمن في المشروع النهضوي سياسياً بالمزيد من المشاركة الشعبية و اقتصادياً بالمزيد من كفاءة الأداء و تحقيق الازدهار من أجل إحداث صدمة منعشة للمؤسسات و الإدارات تلحق العرب بالركب العالمي و تمكـّنهم من الدخول كلاعبين على الساحة الدولية في عصر يشهد عولمة الديمقراطية و الذي يزداد سرعةً و تسارعاً و لا يرحم المتباطئين و المترددين و الفاشلين الذين يحافظون على مصالحهم في السلطة بالفساد و الاستبداد و يلحقون الضرر الجسيم بالحقوق و المصالح العربية.
و بين هذا التيار و ذاك ينشغل ملايين العرب المخلصين لوطنهم و قضيتهم و أمتهم بالقلق على مستقبل هذه الأمة و على وصل هذا المستقبل بالحاضر و الماضي و بناء إنجاز الآتي على ركائز الحاضر و إرث الماضي على وضعهما و فعلهما الحقيقي و الحقيقة المرة هو أن أيّاً من هذين التيارين ليس قادراً على حمل هموم الأمة و معالجة قضاياها الشائكة و الحفاظ على حقوقها المشروعة و إيصال صوتها لعالم أصبح معادياً بسبب التشويه الذي ألحقه بالعرب المتطرفون أو المتعصبون المنغلقون، جهلة ً كانوا أو مأجورين أو مرتبطين بمخططات و أجهزة مخابرات الأعداء، أو أولئك المستسلمون و الهاربون من هويتهم ليحصلوا على فتات موائد الغير تحت غطاء "ليس باليد حيلة". و بين هذا التيار و ذاك تقع مساحات هائلة من الصمت و انعدام الفعالية، و من طاقات الفعل البشرية و لكنها غير مثمرّة لأنها تحتاج إلى استراتيجية فكرية و سياسية واضحة و خطة لتوجيه طاقتها الخلاّقة من أجل أن تمسك بزمام المبادرة بشجاعة و لا تكتفي بردود الأفعال المتأخرة دوماً، كما هو حال النظام العربي السائد حالياً.
و إذا اتفقنا أن الاعتزاز بالهوية و الكرامة و الحقوق لا ينفي على الإطلاق القدرة على اتخاذ القرار العقلاني، و القدرة على وضع برنامج عمل لإسماع صوت هذه الأمة الحقيقي المعبّر عن رؤيتها و قيمها و أخلاقها و رأيها للآخرين فعلينا أن نتعلم من الآخرين و أن ندرس تجاربهم و نستفيد منها في محاولة مواكبة التقدّم الحاصل في العالم و بما يضمن الحقوق و يحفظ الكرامة. و في هذا الصدد فإن ضعف الصوت العربي ناجم أولاً عن شبه انعدام لآليات التنسيق و التفاعل بين الأطراف المعنية و عدم التوجّه للعالم ببرنامج عمل عربي يعالج كلّ النقاط التي تثير قلق العرب و تحدّد أولوياته المستقبلية. فها نحن نراقب الإتحاد الأوروبي يكبر يوماً بعد يوم و يصيغ هويّة موحّدة لجميع أبنائه بحيث أصبح الأوروبي يعرّف بأوربيته بالإضافة إلى جنسيته أو عرقه، و في هذا خلق لهوية جديدة تعتمد المشترك في التاريخ و المصالح و إعلاءً لشأن الجميع و رفعاً لكرامتهم بين الأمم وتعزيزاً لقدرتهم المادية و العسكرية و الإنسانية المجتمعة على التفاوض بجدارة مع الأمم الأخرى و المنافسة بكفاءة معها على الساحة الدولية. و علّ زيارة وزيرة الخارجية الأميركية لعدد من البلدان الأوربية يشير إلى حقيقتين هامتين: الأولى هي أن "أوروبا الموحّدة" أصبحت قوّة لا يمكن للولايات المتحدة أن تتجاهلها، و الثانية هي أن الولايات المتحدة تركـّز اليوم على علاقات متميّزة مع أوروبا كي لا تقع في المطبّ الذي وقعت به في الحرب على العراق و كي تكون للدول الأوروبية مساهمة فعّالة و إيجابية (من وجهة نظر أمريكية) في أي عملية تفكـّر الولايات المتحدة القيام بها تنفيذاً لاستراتيجياتها و أولوياتها. إذا كانت الولايات المتحدة، الدولة الأقوى في العالم، تبذل كلّ هذا الجهد من أجل علاقات عامة أفضل و من أجل كسب الآخرين إلى جانبها فكم يتوجب على العرب الذين لا يختلف أثنان على أنهم أصحاب حق، كم يتوجب عليهم أن يفعلوا من النشاط الإقليمي و الدولي و من العلاقات العامة، و الحوار، و قبل ذلك كم عليهم أن يفعلوا كي يوحّدوا كلمتهم و ينسقوا بين مواقفهم و يأخذوا زمام المبادرة في قضاياهم دون تشنّج أو استسلام، و دون تخوين أو رمي السهام في الظهور بحيث يكون الجميع منشغلين في إيجاد موقع لأمتهم تحت الشمس و ضمان مستقبل أجيالها و ذلك من خلال التمسّك بالحقوق و الكرامة و الانفتاح على الآخر و أخذ زمام المبادرة لوضع قضايا الأمة في الإطار الدولي المؤمن بالحق و العدالة و الكرامة الإنسانية.
إن المطلوب هو معالجة الأمور بضوء النهار دون مواربة أو انغلاق المهزوم على أزمته، و ذلك في إطار العلاقة الإيجابية مع التراث و الهويّة من جهة و مع حتميّة التفاعل مع التطورات الفكرية و السياسية التي شهدها العالم، و في إطار تحديد التوجّه المستقبلي بدراية و حكمة من جهة أخرى. و بين هذا التيار و ذاك تتراوح المواقف بين الالتزام بمواقف متشنجة و رافضة و بين مقاربة واقعية للأمور و لكن هذه المراوحة ستؤدي إلى الانهيار و كأن هذين التيارين يغذيان بعضهما البعض و تتداخل مصالحهما بطريقة يمكن النظر إليهما كوجهين مختلفين لعملة واحدة.
و من أجل فهم أبعاد هذه المعادلة لا بدّ من وقفة متأنية و بعيدة عمّا يتم الترويج له بحيث نرى أن الحقيقة قد وزعت نفسها في مواقع مختلفة من هذا المشهد المتشابك و لا يمكن لأيّ أحد على أي من الضفتين أن يدّعي أنـّه يملك الحقيقة كاملة. فمن ناحية علينا الاعتراف أن الأنظمة الغربية تشعر بهلع حقيقي من تطوّر قدرات الإرهابيين مهما كان دينهم أو عرقهم الذين يستخدمون أسم الدين ليبرروا ارتكاب أعمالٍ حرّمتها الأديان السماوية و الشرائع كلها حتى ضدّ شعوبهم كما يحصل في العراق. و لا شكّ أنّ المسلمين و العرب يشاطرون الغرب هذا الخوف و يرغبون بوضع حدّ لمن يحاول زعزعة الأسس الاجتماعية الآمنة للبشرية. و لكن، و من ناحية أخرى فإن هذا الخوف يتمّ استخدامه لحرمان المسلمين جميعاً، و في جميع أقطارهم، من امتلاك علوم و تقنيات يمتلكها الكثيرون في العالم دون أن يسبّب امتلاكها نقمة أو حرباً أو حتى عزلة دولية لهم. كما أن تعريف الإرهاب بأنه "إرهاب إسلامي" قد شمل معه جميع المقاومين و المناضلين من أجل الحرية و الديمقراطية و الاستقلال، الأمر الذي صبّ في صالح قوى الاحتلال و العدوان و القتل في منطقتنا و دعم موقف المتطرفين و أضعف من أزر المؤمنين بقضيتهم و المصممين على نصرتها وفق أسس الحق و العدالة الدولية و الكرامة الإنسانية. و المشكلة هي أنّ هذا الصوت المعتدل و العادل ليس هو الأقوى اليوم على الساحة الدولية و أنّ الانتقائية في المواضيع و الازدواجية في المعايير تمكّن المغرضين من استخدام أمثلة على التطرف و العنف تصبح مبرّراً لحملات المقاطعة و العزلة و التشويه، خاصةً و أنّ ما يصدر عن العالمين العربي و الإسلامي هو بمجمله ردود أفعال على ما يصدر من الغرب بحيث أصبح الجميع يدور في إطار برنامج عمل الآخر و ذلك لعدم وجود برنامج عمل مقابل■