متى تتبنى السياسات الخارجية الأمريكية

القيم التي يتحدث بها قادتها...

 

 7Feb. 2005

                                                                                                                    د. بثينة شعبان

 

رغم تأكيد الرئيس بوش الصريح في خطاب حالة الإتحاد بأنه ليس لدى الولايات المتحدة "الحق أو الرغبة أو النية بأن نفرض أسلوب حكمنا على أي أحد آخر" فإن ما جاء في خطابه حول فلسطين و العراق و سورية و إيران، و حول ضرورات الإصلاح في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، يشير إلى عكس ذلك. فرغم الحديث الأمريكي المتكرر عن "الانتخابات كمعيار للديمقراطية"،  و التأكيد المتواصل على أن "معيار الحرية هو الحد الذي يقسم العالم إلى معسكرين"، فإن أشد العبارات استخدمت ضد الدول التي تشهد انتخابات في مواعيدها الدستورية، و التي تتسم حياتها السياسية بالتعددية الحزبية، و الفكرية، و بنشاط معارض يعكسه الإعلام.

ما يقلق في خطاب الرئيس بوش بهذا الصدد هو أنه يعطي الانطباع و كأن شعوب هذه المنطقة هي وليدة اليوم، وأنها بحاجة لمن يعّلمها القيم الإنسانية الأساسية، و التي يلخصها الرئيس بوش "بالديمقراطية" أحياناً، و "الحرية" أحياناً أخرى، و التي تمنحها الإدارة الحالية مكافأة لأصدقائها من الأنظمة، و الحكام، و تحرم منها "الدول المارقة" بغض النظر عن الانتخابات، و المؤسسات الدستورية، و التعددية الحزبية و كل ذلك!؟

و لا يختلف اثنان على أن الديمقراطية تعني ليس فقط إجراء الانتخابات، بل و أيضا،ً تداول السلطة في مواعيدها الدستورية على مختلف المستويات الحكومية السياسية، و التشريعية، و التنفيذية، و حرية الاختيار الفكري، و السياسي، و التعددية الحزبية و سيادة القانون، و إدارة الدولة وفق الأسس الدستورية، و احترام الأغلبية لحقوق الأقلية، و تمثيل الأخيرة في السلطات الثلاث.

و الشعب العربي في أقطاره الحرة من الاحتلال الأجنبي مثله مثل جميع شعوب الأرض يسعى إلى أن يسلك الطرق المتلائمة مع ثقافته، و احتياجاته، و إمكاناته، و أهدافه للتوصل إلى هذه القيم التي أصبحت من القيم المشتركة للبشرية. و قد عانت الأمة العربية الأمرّين من أنظمة "صديقة" للولايات المتحدة التي غطت إداراتها المتعاقبة على أساليبها الاستبدادية، و دعمت و جودها حتى بالتدخل العسكري.

و إذا أخذنا جوهر ما يقصده الرئيس بوش فإننا نرى أن المنطقة العربية و التي تفخر بأنها مهد التعددية الدينية، و التعايش الاجتماعي، منذ فجر الحضارة،  و التي أهدت البشرية أبجديتها، و القيم السماوية، و ثقافة الحوار، و مفاهيم الحرية الفكرية و الاقتصادية، و مجتمعات العيش المشترك بين الأعراق و المذاهب و الطوائف، و فق معايير التنوع و التمازج، و التي يعكسها الغنى الثقافي التراكمي لحضارات متعددة متعاقبة التي تعايشت هنا، و اغتنت، و أغنت بعضها بعضاً، مولدة القيم الإنسانية التي سادت الحضارة العربية منذ قرون و شكلت الهوية الثقافية للقومية العربية التي تفخر بأن أرضها كنز للمقدسات التي يتطلع إليها مليارات البشر عبر القرون و القارات. و لذلك فمن المستغرب أن نسمع في خطاب الرئيس بوش عن جهود حديثة لكسر النماذج القديمة من "العنف و الفشل" و العكس هو الصحيح حيث جاء "العنف و التعصب، و الشوفينية، و العنصرية، و التطرف" مع مجيء الاحتلال الأجنبي، وتطّبع المتطرفون بممارساته، و أساليبه، و اتسمت ردود أفعالهم بالصورة المقلوبة لواقع الأحادية التي تتسم بها الثقافة الغربية، و ازدواجية المعايير التي تتسم بها سياستها الخارجية،  فاكتسبوا من المحتلين قيم العنف المنفلت ضد المدنيين الأبرياء من سياسة "العقاب الجماعي"، و تبنوا قيم "الانغلاق" من المفاهيم و السياسات العنصرية الغربية التي تتسم بالتعالي العرقي و التعصب الديني مثل النازية، و الفاشية،....الخ.

تغتني سورية مثلاً بكل الأديان السماوية، و بجميع المذاهب و الطوائف الإسلامية و المسيحية و غيرها، و هي مثال التنوع، و التعددية الدينية، و السياسية، و الحزبية، و الثقافية التي تتعايش ضمن قيم التمازج الاجتماعي التي حملها السوريون معهم و بشّروا بها، و غرسوها حيثما حلّوا منذ قرون بعيدة. و لذلك حارب المجتمع السوري التعصب، و الانغلاق، و الإرهاب قيما،ً و سياسة، وفكرا،ً وثقافة. و كان السوريون دوماً رسل التواصل و التفاعل بين الحضارات و ملتقى لقيمها و ثقافتها.

     و في وقت أقرب، في ثمانينيات القرن العشرين، عندما واجهت سورية الإرهاب المموّل و المصدّر إليها من الخارج، و للمفارقة من قبل أولئك الذين يتهمونها اليوم زوراً بدعم الإرهاب، فكانت أول بلد في العالم يرفع لواء محاربة الإرهاب و يطالب المجتمع الدولي منذ ذلك الحين بعقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب و جمع الجهود الدولية لمحاربته، و كان هذا منذ عام 1985 و لكن الأسرة الدولية لم تستجب تحت ضغوط القوى الغربية نفسها التي كانت حينذاك تفضّل عبر أجهزة مخابراتها أن تستخدم الجماعات الإرهابية المتطرفة نفسها لقلب الحكومات "غير الصديقة" و تغيير الأنظمة التقدمية. و ليس سراً بعيداً أنها كانت حينذاك متحالفة مع قوى التكفير و الإرهاب نفسها و تحمي قادتها و توفر لهم المكان الآمن و مصادر التمويل و التدريب و تبرر جرائمها، و تدين مكافحتها تحت يافطة الدفاع عن "حقوق الإنسان".

كما فتحت سورية الباب واسعاً لبدء عملية سلام كان يمكن أن تحقق أمناً و استقراراً دائماً و ازدهاراً شاملاً تنعم بها المنطقة كلها لولا الانصياع الأمريكي للرفض الإسرائيلي للسلام. فمن أين أتى استنتاج الرئيس بوش بأن: "سورية تسمح باستخدام أراضيها و جزء من أراضي لبنان للإرهابيين الذين يسعون لتدمير كل فرصة للسلام في المنطقة" ؟!! و هل يعقل أن تكون الولايات المتحدة أكثر اهتماماً من سورية بالسلام في منطقة تشكل سورية قلبها وأحد محاورها الأساسية؟

يعلم الرئيس بوش جيداً بأن سورية عبّرت عن استعدادها دائماً للتعاون مع أي دولة في العالم ضد الإرهاب و قدمت هذه المساعدة في كل مرة طلب منها ذلك لأن ثقافتها الإنسانية العريقة ترفض الإرهاب و تعتبره خطراً على البشرية جمعاء.

و من الغرابة أيضاً الإشارة إلى "هؤلاء الذين هم على الجانب السليم من الحرية" كما فعلت السيدة رايس في مؤتمرها الصحفي في لندن و كأن هناك بشر تواقون للحرية و آخرون لا يرغبون بها !! و كأن "الحرية" اكتشاف أمريكي سجل اختراعه باسم المحافظين الجدد!  كما تتم الإشارة من قبل السيدة رايس إلى البلدان التي "يشتركون معها بالقيم و البرامج لتقف سوية في الحرب ضد الإرهاب". و حقيقة الأمر أن سورية تدعو منذ ثلاثة عقود البشرية جمعاء لمكافحة الإرهاب و لدعم مباديء الحرية و العدالة و الكرامة التي تطمح إلى تحقيقها كل نفس بشرية يستوي في ذلك البشر جميعاً دون تمييز ديني أو عرقي تشهد على ذلك المواقف و المطالب السورية في المحافل الدولية بما في ذلك الأمم المتحدة.  و لا بد من أن تقترن الحرية بالعدالة، و الكرامة، و تستجيب لحاجات الشعوب في مختلف المجالات، غير الحاجات الأمنية التي تقوم الدول الغربية بتلبيتها بسخاء، في حين تبخل ما يعزز اقتصادات و ثقافات الشعوب.

و كم كان مستغرباً أيضاً أن تعلن وزيرة الخارجية الأمريكية أنها تأمل أن تنتقل عدوى الانتخابات من أفغانستان و العراق إلى البلدان الأخرى فكشفت أنها لا تعرف بأن الانتخابات سائدة في العديد من الدول في المنطقة و بالتحديد في الدول التي تعاديها الإدارة الأمريكية حالياً و التي تشهد حياتها السياسية منذ زمن إصلاحات تتسم بالتعددية الحزبية و الحرية الإعلامية بما في ذلك وجود المعارضة في حين تضم هذه الإدارة إلى صفوف معسكر "الحرية" الذي تقوده دولاً لم تعرف قط الحياة الحزبية أو الانتخابات أو أي شكل من أشكال الاختيار الحر.

و في بلدان أخرى يبدو أن الانتخابات التي يقصدها الرئيس بوش مفصلة وفق الأشخاص الذين تأتي بهم فإن كانوا "أصدقاء" كانت الانتخابات ديمقراطية و إن كانوا ذوي "آراء مختلفة" تم اتهامهم بالديكتاتورية.

و في حديث الرئيس بوش المتكرر عن "الحرية" و الذي يبدو غامض المرامي و الأهداف رغبت أن استذكر له ما قاله الشاعر الإنكليزي شيلي في تعريفه للحرية عام 1819 بمناسبة مجزرة بترلو في مانشستر إذ قال:

 

"من أنتِ أيتها الحرية؟

للعامل أنتِ خبزٌ وبيت دافئ

أنت لباس و مدفأة و طعام للمقهورين

أنت العدالةُ التي لا تباع بالذهب

و أنت الحكمة و السلام".

هذه هي الحرية التي تطمح إليها العديد من الشعوب التي تعاني من الاحتلال، أليس من المفارقة الحديث عن "الحرية" في ظل دعم طرف يتبنى سياسة الاحتلال و الاستيطان و الاغتيالات و العزل العنصري.

و مع إدراك هذه الشعوب للصعوبات التي تواجهها اليوم، و الناجمة عن الاحتلال، فإنها شعوب مصممة على امتلاك مكانها تحت الشمس، و هي شعوب تكدح يومياً من أجل حياة أفضل، و مستقبل أكثر أمناً، و استقراراًً و ازدهارا.ً و ما تحتاجه من الولايات المتحدة هو المواقف العادلة لإنهاء الاحتلال، و الاستيطان، و جدران الفصل العنصري، و قتل الأطفال على مقاعد دراستهم، و سلب الفلسطينيين أراضيهم، و تدمير أجمل أحيائهم القديمة. و ما تحتاجه هذه الشعوب هو عدم تغييب حضورها الراسخ تاريخياً، أثناء الحديث عن هذه المنطقة التي أشرقت منها شمس الحضارات، و الأبجدية، و المعارف، والسلام الديني، و قيم التعايش الاجتماعي، و الحوار، و التنوع، و التعددية.  

وسيكون العرب سعداء إذا ما تبنّت الإدارات الأمريكية قيم الحرية و الديمقراطية التي يبشّر بها قادتها في خطاباتهم وفق معيار واحد دون ازدواجية عانوا منها الكثير.