احترام الحقيقة أم البحث عنها أولاً
24Jan. 2005
د. بثينة شعبان
حاولت حين كنت أستمع إلى شهادة السيدة كونداليزا رايس أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي أن أقرر ما إذا كانت السيدة رايس مؤمنة حقاً بما تقول أم أنها قد حبكت خطاباً سياسياً لإقناع غالبية أعضاء اللجنة بالتصويت لها بغض النظر عن مدى تطابق ما تدلي به مع ما حدث فعلاً على أرض الواقع أو ما تخطط لحدوثه في المستقبل. و لكني وجدت نفسي أتأمل في جوابها على سؤال عضوة مجلس الشيوخ باربرا بوكسر، المعروفة بأنها صوتت ضدّ الحرب على العراق، و قرّرتُ لدى سماعي الجواب أنه عليّ أن أؤمن أن السيدة رايس تعتقد مخلصة أنها "تحترم الحقيقة" و بأن ما تقوم به يخدم "حرية و رفاهية الشعوب".
لقد عبرت باربرا بوكسر في سؤالها عن اعتقادها بأن حماسة السيدة رايس لشنّ الحرب على العراق قد أدى إلى "إغفالها لاحترام الحقيقة". و أتى جواب السيدة رايس حاسماً و إن يكن متذمراً حيث قالت: "لم أفقد في حياتي أبداً احترام الحقيقة في خدمة أي شيء. هذا ليس من طبعي و لا من شخصيتي و آمل ألا تقصدي أنني أستخفّ بالحقيقة". حينذاك شعرت أنه عليّ أن أعود إلى نصّ شهادة السيدة رايس لأناقش معها بعض النقاط عن "حقيقة" ما يجري في الشرق الأوسط و الهوّة الشاسعة بين ما تعتبره السيدة رايس "حقيقة" و بين "الحقيقة" المريرة التي يعيشها أبناء هذه المنطقة أو يموتون بسببها دون أن يسجّل أحد معاناتهم أو أسماءهم في سجل المفقودين أو القتلى. و قد يكون من المفيد أن أبدي بعض الملاحظات حول الإطار العام لشهادة السيدة رايس – علماً أنني أكتب مقالي هذا بعد موافقة اللجنة بالإجماع على تسميتها وزيرة للخارجية - كي يدرك القاريء مدلولات و آفاق النقاط التي أثيرها حول الشرق الأوسط و الذي هو موضوع اهتمامي الحقيقي بحكم الانتماء و القلق على المصير.
لقد تحدثت السيدة رايس في شهادتها عن عالم يتألف من جزأين اثنين: الولايات المتحدة و أصدقاؤها و حلفاؤها و الذين أسمتهم في مواقع أخرى في الشهادة "بمجموعة الديمقراطيات" و الجزء الثاني و الذي يشكل الشرق الأوسط أبرز معالمه يتألف من "ديكتاتورية و قنوط و غضب، ينجب المتشددين و الحركات التي تهدد أمن أمريكا و أصدقاءها" و الملاحظة الثانية هي أن السيدة رايس قد اعتبرت "إجراء الانتخابات هو المعيار الوحيد للديمقراطية و الحرية" كما اعتبرت الولايات المتحدة القوة التي أوكلت إليها مهمة نشر الديمقراطية و الحرية بهذا المفهوم الذي يغض النظر عن نوعية حياة الإنسان و كرامته، الأمر الذي نختلف عليه اختلافا شديداً خاصة و أن الانتخابات التي أشادت بها في الأراضي الفلسطينية قد تزامنت مع مجازر بشعة ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الأطفال الفلسطينيين كما تبعتها إجراءات إسرائيلية في قطاع غزة تشكل قمّة الامتهان للكرامة الإنسانية و حرية الإنسان فضلاً عن كونها على تناقض صارخ مع كل القوانين و الشرعية الدولية. و من الجدير ذكره "حقيقة" أنه في جانب أصدقاء بل حلفاء إدارة السيدة رايس اليوم من الدول كما كانت دوماً أشد الديكتاتوريات و أنظمة الطغيان الفردي بشاعة حتى و إن كانت تجري فيها انتخابات و في العديد من الدول الحليفة و الصديقة للادارات الأمريكية المتعاقبة لا تجري الانتخابات بأي شكل كان بينما تقف الإدارة الأمريكية دوماً كما هي اليوم و على رأس سياستها الخارجية السيدة رايس موقفاً معادياً من العديد من الدول التي تتمتع بأنظمة ذات تعددية حزبية و آليات عمل انتخابية و مؤسسات دستورية لتداول السلطة.
و الملاحظة الثالثة و التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالملاحظة الأولى هي أن السيدة رايس قد فاخرت بالتنوع التي تتمتع به الولايات المتحدة و عبّرت عن عزيمتها "بأن يتم تمثيل الولايات المتحدة بأناس من كلّ الثقافات و الأديان لأن هذا تعبير واضح عن هويتنا و قيمنا" بينما يُعتبر هذا التنوع ذاته في منطقتنا و الذي يعود إلى آلاف السنين ذريعة تعمد السياسات الأمريكية لاستخدامه في المنطقة من أجل تقسيمها إلى طوائف و قبائل و كانتونات عرقية أو دينية، و إلا كيف يمكن فهم المفاخرة بالتنوع الديني و العرقي في الولايات المتحدة و تقديم الدعم اللامحدود لإسرائيل في منطقتنا ضد السكان العرب الأصليين لأنهم عرب "مسلمين و مسيحيين" كي يمكّنوا إسرائيل من الحفاظ على لون ديني واحد ضمن حدودها.
لقد شعرت و أنا أشاهد شهادة السيدة رايس و من ثم أقرؤها مراتٍ عدة أن الشرق الأوسط الذي تتحدث عنه السيدة رايس ليس هو ذاته الذي أعيش به و أتحدث لغته و أعشق تربته و أفهم قضاياه وأحلم بمستقبل مشرق و آمن و مزدهر له. شعرت أن السيدة رايس لا تعلم الكثير عن معاناة العراقيين و الفلسطينيين و لم تقرأ تقرير المتحف البريطاني أو جريدة الغارديان البريطانية السبت (15) كانون الثاني 2005 و التي تحدثت في صفحتها الأولى عن "حقيقة" تدمير القوات الأمريكية المريع للثروة التاريخية و الأثرية لمدينة بابل و لم تقرأ عن "حقيقة" اختفاء أكثر من مئتي عالم عراقي و لا تعرف عن "حقيقة" قتل و خطف أكثر من ثلاثمائة طبيب عراقي و قتل أكثر من مئتي أستاذ جامعة عراقي، و هي لا تعرف عن "حقيقة" خوف النساء العراقيات من الخروج من منازلهن و هي بالتأكيد لا تعرف "حقيقة" إمبراطورية الخوف و الجريمة و الإرهاب التي ولدها الاحتلال الأمريكي في العراق ولا "حقيقة" الأحداث الدموية التي تهدف إلى إيصال العراقيين إلى حرب أهلية. وعلّ روبرت فيسك قد قدّم بعض الأسباب التي تقف وراء عدم معرفة السيدة رايس، كما هو الحال مع غيرها من الأمريكيين، "بحقيقة" ما يجري في الشرق الأوسط حين وصف الإعلام في العراق بأنه "إعلام الفنادق" بعد "إعلام القوات" حيث لا يتجرّأ الصحفيون مغادرة الفنادق إلى الشوارع و المدن والقرى فيكتبون من مخابئهم الآمنة و الضحية الأولى بكتاباتهم هي "الحقيقة". كما أسمت السيدة رايس الفلسطينيين بإسم لا يدل على أنها "تحترم الحقيقة" حين قالت أنهم "شعب الأراضي الفلسطينية" بينما هو شعب فلسطيني عريق له حقوقه و هويته منذ آلاف السنين و تتم إزاحته كلّ يوم من أرضه و دياره و يتم قتله و تهجيره فكيف يمكن لانتخابات أن تعوّض هذا الشعب عن كرامته و حقّه في الحياة و الازدهار و الحرية؟ و السيدة رايس لا تعرف "حقيقة" أخرى و هي أنّ من يقبعون اليوم في السجون الإسرائيلية من فلسطينيين و سوريين و لبنانيين و عرب يشبهون إلى حد كبير أولئك الأبطال الذين قاتلوا و ضحوا في الولايات المتحدة ضدّ التمييز و الذين عبّرت السيدة رايس عن امتنانها لهم، كما أنها لا تعرف "حقيقة" مهمة و هي إننا اليوم في الشرق الأوسط نقاوم، كما قاوم والدا السيدة رايس، القنوط و اليأس و نتشبث بالأمل و نعمل من أجل إنهاء الظلم و الظلامية من كوكبنا و نحن مثل السيدة رايس علّمنا آباؤنا و أجدادنا ألا نستمع لمن يقول لنا "لا، لا يمكن لكم فعل ذلك".
إن السياسات المغفلة "لحقيقة" ما يجري في الأرض عن قصد أو غير قصد هي التي تشعل نار "الحقد و الكراهية و الصراعات و العنف" و تنشر أولاً و قبل كل شيء مشاعر الخوف و إذا طبقنا التجربة التي اقترحتها السيدة رايس حول الخوف فإني أؤكد لها أن الشعب الفلسطيني و الشعب العراقي هما أكثر من يعاني من الخوف في هذا العالم، الخوف من القتل و العنف والدمار و الإرهاب الناجم عن الاحتلال و الاستيطان و الاعتقال و الخطف. إن الكلمة السرية التي تحتاجها البشرية اليوم هي "التحرر من الخوف" و هذه حاجة بشرية للجميع في الولايات المتحدة و في أوربا و الشرق الأوسط و آسيا و إفريقيا. و لكي تتمكن وزيرة خارجية الولايات المتحدة من العمل من أجل الحرية والازدهار لا بد من البدء من البداية الصحيحة و هذه البداية هي التعرف على "حقيقة" ما يجري فعلاً على الأرض و من ثمّ تطبيق المعايير و القيم الواحدة نفسها دون ازدواجية على الجميع و اعتبار البشر جميعاً إخوة في الإنسانية دون تقسيم العالم إلى أصدقاء و أعداء و أماكن نور و مناطق ظلام. إن السؤال الذي أزعج السيدة رايس، سؤال السيناتورة باربرا بوكسر هو السؤال الأهم لأنه عبّر عن آراء ملايين البشر هنا في الشرق الأوسط، وقبل البدء بجملة علاقات عامة لا بدّ من التعرف على "حقيقة ما يجري على أرض الواقع" و هي مختلفة تماماً عن "حقيقة" التقارير التي تعدها مراكز اللوبي المعروف ومصادر المعلومات المضلّلة و المغرضة، إذ لم يعد يكفي لوزيرة خارجية الولايات المتحدة أن تعلن أنها "تحترم الحقيقة" بل أصبح من الضروي قيامها أولاً "بالبحث عن الحقيقة" و معرفتها "لحقيقة الأمر الواقع فعلاً" وليس "الحقيقة مسبقة الصنع" وفق الأهواء السياسية أو الأيديولوجية و من ثم قيامها بوضع السياسات على أساسها، و المعيار لمعرفة "احترام الحقيقة" هي مدى تحقيق هذه السياسات لحرية و ازدهار الشعوب و كرامة و حقوق أفرادها في العيش الكريم و الآمن.