من تورونتو
26Sept. 2005
د. بثينة شعبان
كان الجوّ ماطراً جداً و حركة السير بطيئة أو متوقفة و مضيفتي تتصبب قلقاً من ألا نتمكن من الوصول إلى الجمهور الذي دُعي للاستماع إلى محاضرتي عن "الحقّ العربي و العالم" في جامعة تورونتو بينما كان قلقي الصامت ينصب على نوعية الحضور و مستواه و النقاش الذي سأنخرط فيه بعد المحاضرة لمدة ساعة و نيّف. وصلنا بعد تأخير طفيف و كانت القاعة مكتظة بالأساتذة و الطلبة و الإعلاميين و المتحدرّين من أصلٍ عربي و المهتمين بشؤون المنطقة. و بعد تقديم مقتضب تحدثت للحضور على مدى نصف ساعة عمّا يجري في منطقتنا العربية من العراق إلى فلسطين و لبنان و سورية أيضاً و حاولت أن أنقل لهم الصور و الحقائق التي نادراً ما تظهر في الإعلام الغربي و أسلـّط الضوء على حقائق يجري التعتيم عليها عن عمد و سابق إصرار في غالب الأحيان. و كأستاذة جامعية أستطيع أن أقدّر اهتمام الحضور من خلال حركات أعينهم و أيديهم جمود أجسادهم أو عدمه و حتى من تعابير وجوههم و بعد أن قلتُ كلّ ما يجب على عربي يؤمن بعروبته و ماضي و حاضر و مستقبل أمته أن يقوله بصراحة و موضوعية و شفافية وقف الحضور جميعاً ليصفقوا. و بعد ذلك كانت النقاشات و الأسئلة و ردود الأفعال مختلفة باختلاف الشخصيات الحاضرة و انتماءاتها و هنا تكمن المفاجأة.
لقد تحدّث بعض المعنيين عن ضرورة تلازم الحلول السياسية للاحتلال و الاستيطان مع حركات إصلاح حقيقية و حقوق إنسان و محاربة فساد و تنمية في معظم أقطار العالم العربي. كما دعا بعض العرب إلى جهود أكبر في إيقاف نزيف الأدمغة من العالم العربيّ لأن العالم العربي بحاجة إليهم و توفير المناخ المناسب لهم للبقاء و الإنتاج و المساهمة هو أول شروط التحوّل هناك. أما أسئلة و تعليقات الأساتذة و المختصين الكنديين فقد تركـّزت حول ثلاث محاور أساسية لامست بدقـّة الرسالة التي أردتُ أن انقلها إلى الجمهور المستمع. الرسالة الأولى هي لماذا لم يتناول المتحدثون العرب في الأمم المتحدة مؤخراً و في كلّ مكان يتوجّهون إليه المبادرة العربية التي أُطلقت في قمّة بيروت عام 2002 و التي تمّ التأكيد عليها في قمّة الجزائر و يعيدون التأكيد عليها عشرات المرات إلى أن يُدرك العالم برمته أنّ العرب جميعاً مجمعون على إقامة السلام مع إسرائيل و أنّ شارون هو الذي يرفضه على أساس الشرعية الدولية و قرارات الأمم المتحدة وهو يسعى للإبقاء على الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية.
الرسالة الثانية هي لماذا لا يوجد إعلام يـُظهِر للعالم حقيقة ما يجري في العراق من قتل و دمار و انعدام أمن و سرقة آثار و تدمير هوية حيثُ لا يسمع المواطن الغربي بهذا الوجه من الحرب بل يـُركـّز الجميع على ربح أو خسارة الولايات المتحدة. و الرسالة الثالثة هي لماذا لا ترفع وسائل الإعلام العربية صوتاً واحداً ضدّ المنطق التقسيمي و الطائفي و ترفض استخدام مصطلحات "السنة و الشيعة" و التي إلى وقتٍ قريب لم تكن مُستخدمة في العراق و التي تهدّد هوية المنطقة خاصة و أنّ كندا تفخر بالتعايش المنسجم لعشرات الجنسيات و تابعي الأديان المختلفة و تتفهم خطورة استخدام هذا المنطق على شعوب منطقة الشرق الأوسط و التي عاشت آلاف السنين في تناغم و مودّة و انسجام. و الرسالة الأخيرة كيف يمكن للحريصين على أمتهم و ثقافتهم و لغتهم و استقلالهم السياسي في العالم العربي أن يتعاونوا مع القوى الحرّة في العالم و إطلاق حملات إعلامية و سياسية لكسب الرأي العام العالمي مع الحقّ العربي كي يقف العالم كما وقف مع شعب جنوب أفريقيا الذي بالنتيجة تمكـّن من إنهاء النظام العنصري هناك. بالمقابل وقفت فتاة عربية الملامح تسألني عن الديمقراطية في سورية و لماذا تأخّر مسارها و إلى متى على الشعب السوري أن ينتظر كي يعيش حياة ديمقراطية حقيقية؟ فسألتها من أيّ قطر عربي أنتِ فأجابت من العراق!! قلتُ لها: ومن من شعوب الأرض يريد الديمقراطية التي حلـّت بالعراق!! و مرّ في خاطري و أنا أقارن بين مستويين من الأسئلة و النقاش مقارنة أخرى بين منظمات بريطانية نشطت و أصدرت مذكرات توقيف بحقّ ضبّاط جيش إسرائيليين ارتكبوا جرائم حرب بحقّ المدنيين الفلسطينيين بحيثُ عاد الجنرال الإسرائيلي المونغ على الطائرة التي كان يسافر عليها إلى لندن دون أن يتجرّأ على النزول منها و أثارت منظمة حقوق الإنسان زوبعة ضدّ من سرّب الخبر إليه و حال دون اعتقاله في بريطانيا. و اضطر يوشي يعالون أن يُلغي زيارة إلى لندن بسبب خوفه من الاعتقال و حين وجّه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير دعوة إلى شارون لزيارة بريطانيا أجاب بأنه لا يرغب بالذهاب إلى السجن و في الأسبوع الأخير قرّر مجلس الكنائس الانغليكانيين في بريطانيا الاعتذار إلى المسلمين عن الدمار الذي لحق بالشعب العراقي نتيجة الحرب التي شنّت عليه. كما عبّر 83 % من الشعب الأمريكي عن امتعاضهم من هذه الحرب و خشيتهم من أنّ الإدارة لم تتخذ القرار السليم حين شنّت الحرب دون التأكد من وجود أسلحة دمار شامل و دون موافقة الأمم المتحدة. بالمقابل نقرأ يومياً في الإعلام العربي مقالات عن أسلحة حزب الله و أسلحة الفلسطينيين و تضخيم و تهويل لكلّ ما يشيعه الإسرائيليون ضدّ سوريا و ضدّ مواقفها المتمسّكة بالحقّ العربيّ. لا شكّ أنّ هذا الوضع الجديد يملي على المؤمنين بالحقّ العربي و المتمسكين به التحرك بطريقة جديدة إقليمية و دولية تضع ما يجري في منطقتنا العربية في الإطار الدولي و الإنساني و تُعيد الاعتبار لمنطق التاريخ الذي استخدمته جميع شعوب الأرض كي تـُنهي الاحتلال الأجنبي عن شعوبها و ترابها و تأخذ المكان الذي تستحقـّه تحت الشمس و لا شكّ أنّ الهدف من هذا هو دفع عملية الإصلاح في الأقطار العربية و مواكبة التقدّم العلمي و السياسي و الاجتماعي و الديمقراطي الذي يشهده العالم اليوم، لا أن يُستخدم التركيز على الإصلاح كبديل للحديث عن إنهاء الاحتلال الأجنبي للأراضي العربية أو الدعوة إلى الديمقراطية و تجاهل الأرض و الحقوق.