تحت المجهر
19Sept. 2005
د. بثينة شعبان
تكاتفت الأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة في الأسبوع الماضي لتضع ما يدور في معظم بلدان العالم و بين هذه البلدات تحت المجهر. و كان أهم هذه الأحداث و أولها إعصار كاترينا الذي أظهر للشعب الأمريكي أولاً و للعالم ثانياً أن البشرية كلها في قارب واحد و أن على البشر جميعاً أن يتكاتفوا لدرء أخطار الطبيعة التي قد تنزل بهم أشدّ الأذى في أي لحظة و علّ ذلك شكـّل دافعاً للجميع ليعيدوا النظر بالانتهاكات التي اقترفها الإنسان ضدّ البيئة و الغابات و الموارد الطبيعية و ضرورة العودة إلى الأساسيات في التعامل مع البشر و الشجر. و ظهرت هذه الدعوات أكثر ما ظهرت في المبادرة التي دعا إليها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون و التي حضرها مئات المشاركين من قادة أساسيين و رجال أعمال و قادة منظمات و مفكرين و شخصيات عامة. و ركـّزت المبادرة على مكافحة الفقر و الحكم الرشيد و النزاعات بين الأديان و التعامل مع البيئة و سرعان ما اكتشف الجميع أن كلّ هذه المواضيع متداخلة و يؤثر أحدها في الآخر سلباً و إيجاباً. و قام بعض الحضور بتوقيع التزامات لمحاولة التخفيف من حدّة الهوّة بين الفقراء و الأغنياء و تكريس بعض الموارد للقضايا الملحّة في آسيا و أفريقيا. على التوازي مع هذه المبادرة كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة منشغلة بتلاوة عشرات الرؤساء خطباً لن يتجاوز تأثيرها الخبر الذي كـُتِبَ عنها بينما كانت الوفود منشغلة بوضع اللمسات النهائية على الوثيقة الختامية لنتائج القمة العالمية لعام 2005 و التي ستُنضمّ إلى مئات الوثائق و القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة و التي تنتظر لترى طريقها إلى حيّز التنفيذ. و تبلـّور في النقاشات الدائرة في مدينة نيويورك قلق عالمي حول التحوّل الذي تشهده البشرية اليوم و إلى أين سوف يقود هذا التحوّل. فقد عبّرت القوى التي تقود النظام و الاقتصاد العالمي اليوم عن قلقها من سرعة نموّ قوى جنوب آسيا و خاصة الهند و الصين و التين سجلتا نمواً سيجعل منهما قوى لا يُستهانُ بها في المستقبل القريب. بينما عبّرت الدول الأفريقية عن قلقها من نوايا الولايات المتحدة و أوروبا في دعم منتوجاتها الزراعية و عدم رغبة أيّ منها بالتخلـّي عن هذا الدعم مما يؤثر سلباً على أيّ منافسة أخرى لهم. كما عبّرت دول إسلامية عن قلقها من وضع الإسلام كدين و المسلمين جميعاً في قفص الاتهام بالإرهاب و اختلاق معارك بين المسلمين و الغرب سواء أكان المسلمون في الغرب أم في بلدان ذات أغلبية إسلامية كما عبّر أصحاب الحقوق عن قنوطهم من الاحتفاء بمن يعيد فتاتاً من الحقوق بينما تبقى المسائل الجوهرية عالقة على ضمير الإنسانية. و اتفق الجميع على أن الإعلام اليوم هو سيّد الموقف و أنّ أحداً لا يتمكن من التعرّف على حقيقة الأمور حيث أن الإعلام هو الذي يصيغ المفاهيم و يقود الآراء و يصيغ المواقف بحيث أصبح من المتعذّر جداً التوصل إلى قناعات مخالفة لما يُشاع في وسائل الإعلام، الأمر الذي يُملي على أصحاب القضايا إيجاد الوسائل الإعلامية المناصرة لهم إذ أنّ ساحات المعارك تحوّلت إلى وسائل إعلامية مرئية و مسموعة و مقروءة و الكترونية. كما ظهر اتفاق غير معلن أن العالم يتخبّط اليوم و يبحث عن معالجة نتائج توجّهات غير ناضجة و غير مدروسة و غير واضحة و أنّ المطلوب هو التأمل و التأني في رسم السياسات المتـّبعة بدلاً من البحث عن وسائل معالجة نتائج سياسات متسرّعة أو مغرضة مع إدراك الجميع أنّ الأهداف الحقيقية للسياسات تبقى طيّ الكتمان لأنها لا تتلاءم و الكلام الوردي و المثالي الذي يتم التعبير عنه في مثل هذه المناسبات الاحتفالية و الخطابية. فما أن يلتقي المساهمون خارج قاعة الاجتماع حتى يتحدّثون عن حاجة العالم إلى المصداقية و الشجاعة و القيادة الصادقة و الجريئة، و أنّ التقدّم التقني لم يترافق مع محاولة إشاعة المساواة و العدالة الاجتماعية مع المكانة المحفوظة للكرامة الإنسانية بغضّ النظر عن الزمان و المكان.
و علّ أهم ما نتج عن هذه النقاشات هو العودة إلى الأساسيات و ربما البدهيات في الحياة الإنسانية و منها الصراع بين الفكر و المادة و بين من يحاولون إصلاح مسار الأحداث في العالم و بين من يستثمرون كلّ مسار من أجل مضاعفة الثروات بغضّ النظر عمّا تسببه هذه السياسات من فرقة أو تمييز أو ألم إنساني. و لكنّ الأكيد في كلّ هذا هو أن القوى و البلدان تتسابق اليوم من أجل تسخير التحوّل الذي يجري اليوم في حركة التاريخ لصالحها و صالح شعوبها و أنّ الجميع مُدرك أننا في مرحلة يتحوّل بها التاريخ من شكل إلى آخر و الجميع يحاول أن يُؤثر في هذا لتحوّل أو يغيّر في مساره بغض النظر عن نقاط الاتفاق أو الخلاف في أيّ من المواضيع المطروحة فإن الشيء المؤكـّد هو أنّ المعركة اليوم فكرية و معرفية لأنّ القناعة المشتركة للجميع هي أن الفكر هو الأصل و هو المحرّك الأساسي لحركة الإنسان و التاريخ. أوليس هذا ما اكتشفه العرب قبل غيرهم منذ قرون حين كانت مكتبة قرطبة تشعّ نوراً و معرفة للإنسانية جمعاء. فكيف حاول الآخرون إقناع من كان سبّاقاً في إنتاج الفكر و اللغة و الأدب و قبل كل ذلك، الأبجدية طبعاً، أن المال و المادة هما الأساس و أن من لا يمتلكهما لا يمتلك شيئاً، بينما عادوا أنفسهم اليوم يتسابقون لجذب الأفكار و المفكـّرين و العلم و العلماء مدركين أن الفكرة هي الأساس و أنّ من لا يمتلك الفكر لا يمكن أن يمتلك شيئاً من عناصر القوّة.
لقد عبّرت المساهمات المختلفة لأبناء شعوب و بلدان و حضارات مختلفة عن انقضاء عصر العولمة بمفهومه التسطيحي الذي أريد له أن ينسحب على كلّ البشر و كلّ الأشياء بشكل و نموذج واحد و أكـّد الكثيرون على خصوصية رؤيتهم أو ثقافتهم أو معاناتهم أو توجّههم مع الاعتزاز بالتفرّد و الدعوة غير المعلنة لاحترامه و التعلـّم منه. كل هذا يعيد للمعرفة المحلـّية قيمتها و مصداقيتها و للثقافات و التراث المختلف ألقه و دوره في الحضارة البشرية، و يجب أن يُعيد للدول المستضعفة عسكرياً أو مادياً شعورها بالقدرة على الإغناء بالفكر و الرؤية و العطاء الإنساني، و يُعيد للبشر جميعاً أهمية العودة إلى الأساسيات في التقييم الأخلاقي و الإنسان حيث تحتلّ الشجاعة و القيادة موقعاً هاماً في تحوّل التاريخ.
كلّ هذا يجب أن يقشع الضباب الذي أصرّت دوائر عدّة على إشاعته عن الحداثة و العصرنة و القوة لإحباط أصحاب الحقوق و أهل الحضارة و التاريخ و دفعهم إلى اليأس و القنوط قبل أن تبدأ المعركة. لقد وضعت أحداث إعصار كاترينا و النقاشات الحادة و المتنوعة في نيويورك حركة التاريخ في عالم اليوم تحت المجهر لتثبت من جديد أنّ الإنسان هو غاية الحياة و منطلقها و هو الذي يوجّه الحدث و يصنع التاريخ و أنه هو الرأسمال الأهم لأنه هو صانع الحدث و موجّه التاريخ■