عواقب خطيرة لصدور قوانين تبرر التعذيب

 في الدول الديمقراطية

 

17Jan. 2005

 

د. بثينة شعبان

 

إن قصة جندي "المارينز" انديز رايا ذات مغزى للجميع. فعندما عاد من العراق بإجازة قصيرة، أخبر أفراد أسرته بأنه "لا يريد العودة إلى العراق" و قاوم محاولة إعادته إلى مسرح الحرب في العراق مما أدى إلى قتل شرطي و جرح آخر قبل أن تقتله قوات الشرطة. هذه القصة يجب أن تكون مقلقة للجميع لأكثر من سبب. ذلك أن جندي البحرية هذا الشاب ذي التسعَ عشر عاماً، و الذي ربما لم يغادر الولايات المتحدة قبل الحرب على العراق، وجد نفسه فجأة في وضع يستطيع أن يقتل و يعذب و ينهب و يهين من يشاء في العراق و دون حساب. و مع أن كلّ ذلك متاح له عسكرياً و مهنياً إلاّ أنه لم يتمكن من التأقلم النفسي مع وحشية القتل و لم يجد طريقة للتخلص من هذا الواجب الدموي الثقيل الملقى على عاتقه إلا الاستمرار بالقتل حتى و إن كان الضحايا من أبناء بلده، الأمر الذي أودى بحياته هو أيضاً.

و التحليل السليم يجب أن يستنتج أن السماح بقتل و تعذيب النفس البشرية البريئة سواء أكانت في العراق أم في الولايات المتحدة  تنتج هذا الاستهتار بالحياة الإنسانية بحيث يعتاد الإنسان على القتل و ليس مهماً بالنسبة له بعد ذلك جنسية  أو لون أو دين من يقتله فبعد أن يقتل المرء نفساً بشرية بريئة دون خوف من عقاب يصبح من السهل عليه أن يقتل ثانية و ثالثة و رابعة. و ربما هذا هو المنطق المقصود من الآية القرآنية  الكريمة  "و من يقتل  نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً". لأن من يقتل نفساً يستطيع أن يقتل الناس جميعاً. و لذلك نرى نحن العرب خطورة ما ترتكبه القوات الإسرائيلية من جرائم حرب في فلسطين وما ترتكبه القوات الأمريكية في العراق ليس على الفلسطينيين و العراقيين فحسب و إنما على العالم برمته.

 

     و عبارة "العالم برمته" ليست مبالغة أو تضخيماً لما يجري، بل هي تسجيل لتوقعات محتملة لإمكانية استمرار العنف المتبادل و اتساع رقعة انتشاره في العالم وخطورة  عواقبه في العقدين القادمين على جميع المجتمعات بما في ذلك أقوى البلدان عسكرياً. و من هنا يتبين ضيق أفق من يسن قوانين في الغرب حالياً خاصة باعتقال و التحقيق مع الأجانب و السماح بتعذيبهم أو إغتيالهم بعذر أنها تختلف عن القوانين المعمول بها للقوات العسكرية التابعة للبلد المعنيّ. و من هنا وجدت في قرار الكونغرس بإسقاط الفقرة التي تتضمن قيوداً على استخدام "أساليب ووسائل تحقيق متطرفة" و معناها الحقيقي التعذيب قراراً خطيراً على حياة و حرية و حقوق الأمريكيين من أصل عربي أو معتقد إسلامي أولاً وعلى غيرهم من الأمريكيين ثانياً و على أسس "نموذج" الحرية و سيادة القانون و حقوق الإنسان التي قامت عليها الأنظمة الديمقراطية و الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تعميمه على العالم.  لقد كان مجلس الشيوخ محقاً جداً حين وافق على وضع هذه القيود بأغلبية 96 صوت إلى صوتين و كان بتصويته هذا يحاول حماية أهم أسس النظام الديمقراطي  وهو "مراقبة السلطة التنفيذية". إذ ما هو الفرق في النهاية بين الأنظمة الديمقراطية و الديكتاتورية، و بين أنظمة الاستبداد و النظام الحر  سوى الحد من ممارسات السلطة المطلقة؟ و ماذا فعل ستالين أو هتلر على سبيل المثال سوى أن يلغوا أي قيود رقابية على تصرفاتهم بحيث  أصبح من الممكن لهم أن يقتلوا من يشاؤون و أن يصدروا الأحكام التي يرتأون بحق  من يريدون. و إذا كانت الرسالة التي وجهتها مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس تعارض الاقتراح بحجة أنه " يوفرّ حماية قانونية للسجناء الأجانب و التي ليست متوفرة لهم اليوم وفق القانون النافذ"  فإن الجواب على هذا يكمن في القول إن الحرب على الإرهاب قد خلقت مناطق ضبابية كثيرة  تسببت في الكثير من الظلم والأحكام العشوائية الجائرة التي ذهبت و ما زال يذهب ضحيتها الآلاف و لذلك فإن الحاجة لهذه الفقرة التي صوّت عليها مجلس الشيوخ حاجة ماسة بالفعل.

 

     في العدد نفسه من جريدة النيويورك تايمز 13/1/2005  الذي نشر نجاح البيت الأبيض في إلغاء الاقتراح بمراقبة التحقيق مع السجناء نقراً مقالاً بقلم كيت ذيرنيكي بعنوان "الجنود يدلون بشهاداتهم حول الأوامر لتطويع (و معناها الحقيقي التعذيب) السجناء في العراق" حيث يسرد قصصاً عن ممارسات نفوس سادية تقشعر لأعمالها الأبدان و يندى لها جبين الإنسانية خجلاً و اشمئزازاً و من الواضح من هذا التقرير أن المارينز غارنر و صديقته ليبنسكي كانا يتلذذان بتعذيب السجناء ووضعهم في مواقف مخزية تتناقض مع دينهم و ثقافتهم و مع أدنى درجات الإحترم لإنسانية الإنسان، و لا بدّ هنا  من أن نتذكر أن أمثال هؤلاء موجودون في كل مكان و لذلك أخذ الدستور الأمريكي النوازع الشريرة للطبيعة البشرية بعين الاعتبار ووضع قواعد صارمة تردع و تعاقب تجاوزاتها المحتملة. أما اليوم فإن المنطق الذي يسود إصدار الإجراءات المعادية للأجانب أو الأمريكيين من أصل عربي أو مسلم يفترض وجود الشرّ على الضفة الأخرى و يلغي احتمال وجوده على الجانب الأمريكي من أصول أخرى. و من هنا فإن هذه القوانين المصاغة وفق الإيديولوجية العنصرية السائدة حالياً و المتسمة بمعاداة العرب و الإسلام  تعتبر الأجانب و هم العرب أو المسلمين حالياً جميعاً فصيلة خطيرة يحقّ استخدام أي إجراءات إجرامية ضدها دون رقيب أو محاسبة  بينما تفترض نقاء الإنسان الأمريكي من أصل غير عربي أو مسلم الذي يمكن للنظام أن يثق بحسن ممارسته للقوانين. و أعتقد أن ما يبطّن مثل هذا الموقف الإيديولوجي المسبق هو نظرة عنصرية دفينة في الثقافة الغربية ضد الشعوب الأخرى تكشف عن نفسها بين فترة و أخرى بشكل فكري أو سياسي ضد هذا الشعب أو ذاك الدين.

 

      و في اليوم ذاته الذي نشرت بها هذه التقارير نشر في برلين تقرير عن مواطن ألماني من اصل لبناني –خالد المصري- خُطفَ و نُقل عنوة من رومانيا ليسجن في حفرة عميقة بسجن أمريكي في أفغانستان حيث أمضى النصف الأول من عام 2004 في رحلة تعذيب أصبحت تبررها القوانين الأمريكية لا يعرف هذا الإنسان من أسبابها سوى أن اسمه يشبه اسم أحد المطلوبين التابعين لتنظيم "القاعدة" الذين تطاردهم أجهزة الاستخبارات الأمريكية!! و في أمر أكبر و أهمّ ها هي الولايات المتحدة تغلق بهدوء و صمت ملف أسلحة الدمار الشامل في العراق و الذي اعتبرته الإدارة الأمريكية في وقت ما  سبباً يبرر شن الحرب على العراق باعتباره يشكل تهديداً  مباشراً و خطيراً  للأمن القومي الأمريكي  و لكن رغم تأكيداتها بوجود هذه الأسلحة هاهي تغلق الملف دون أن تعثر على شيء و دون أن توضّح لماذا إذاً تمّ شن هذه  الحرب التي ذهب ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين و التي أنزلت الدمار بالعراق و مؤسساته و شعبه. و لا يسعنا إلاّ أن نسمع لصوت نانسي بيلوسي زعيمة الديمقراطيين في الكونغرس و التي قالت" لم يكن هناك أي خطر لا على الولايات المتحدة و لا على غيرها من العراق " و هذا بالضبط ما قالته سورية في مجلس الأمن في شباط عام 2003 في محاولة لتجنيب المنطقة و العالم هذه الحرب. و تضيف بيلوسي أن "رئيس الولايات المتحدة كان مخطئاً لفترة طويلة". حين يخطيء أي منا يسبب ذلك ضرراً هنا و آخر هناك و لكن حين تخطأ (وربما عمداً) مصادر المعلومات المقدمة لرئيس أقوى دولة في العالم و تتسبب هذا المعلومات بشن حروب و تدمير بلدان و إذكاء نار صرا عات دينية أو عرقية و خلق مآس إنسانية تجعل الحياة نقمةً بدلاً من أن تكون نعمةً للإنسان حينئذ يحق لنا جميعاً أن نقلق لا بل يجب على الجميع أن يقلقوا. و لهذا فنحن نشاطر السيناتور رتشارد ديبرن من ولاية ألينوي قلقه على حذف إجراءات  مراقبة التحقيق و نشاطر الأمريكيين من أصل عربي أو مسلم و الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ايكلو) قلقهم من إصرار مايكل شرتوف وزير الأمن الداخلي في الولايات المتحدة على أن تكون  "السلطة التنفيذية  معفية من كل إجراءات المراقبة التي تمنعها من استغلال سلطتها". الخطوة القادمة هي أن يصبح القلق مشتركاً عبر ضفتي الأطلسي و أن يصبح التفكير بالحياة الإنسانية و الحرص عليها واحداً و أن يقلق من يقطنون على الضفة الأخرى من الأطلسي على مقتل كل فلسطيني و عراقي كما نقلق نحن جميعاً على مقتل أي نفس بشرية بريئة. هذه فقط هي الأسس التي يمكن أن تمنع ظهور  الاستبداد و الديكتاتورية بما في ذلك من تعذيب و اغتيال و ظلم و قمع بأشكال عصرية جديدة.

فما الذي ترغبه أي ديكتاتورية أكثر من وجود سابقة قانونية  في نظام ديمقراطي لتبرير التعذيب و الاغتيال و القمع؟!.