الزلزال و الاحتلال

10Jan. 2005

د. بثينة شعبان

 

 

لقد ارتفعت لدينا عتبة الألم و نحن نشاهد يوماً تلو الآخر مناظر البيوت المهدمة و الأطفال الجالسين فوق ركام منازلهم الباحثين عن لقمة العيش بدلاً من البحث عن المعرفة و التميّز حين ضرب زلزال "تسونامي" شواطئ آسيا مسبباً كارثة إنسانية في اندونيسيا و ماليزيا و سيريلانكا و المالديف و غيرها من البلدان المطلة على المحيط الهندي و سارع العالم برمته للتعبير عن تعاطفه مع المنكوبين و مساندته لهم في هذه المحنة الإنسانية المؤلمة. و انتابتني مشاعر مختلفة و أنا أشاهد يوماً بعد يوم صوراً متشابهة في نشرات الأخبار الفضائية التي تنتقل من مدن آتشي حيث الركام و الأشلاء إلى بيت لاهيا في فلسطين حيث الدبابات الإسرائيلية تمزق أجساد سبعة أطفال من عائلة واحدة و هم يلهون خارج منزلهم لتحولهم إلى أشلاء تجمعها أيدي الآباء و الأمهات و إلى الرمادي في العراق حيث نرى صورة الطفل العراقي الذي يبكي أفراد عائلته الذين قتلوا داخل سيارتهم بعدما أمطرها جنود الاحتلال الأمريكي بالرصاص و أتخيل حالته بعد أن أزيحت الكاميرا عن وجهه، طفل في العاشرة يرى كلّ أفراد أسرته يقتلون أمام عينيه، إلى أين يذهب و أي حياة ستكون له بعد ذلك. الألم الإنساني واحد لا يتجزأ سواء أكان نتيجة غضب الطبيعة أو نتيجة الاحتلال الأجنبي أو نتيجة السياسات الدولية التي تتعمد الاستهانة بالكرامة الإنسانية و حياة البشر لأسباب إيديولوجية عنصرية معادية للعرب.

 

     شعرت بالخجل و الإحباط لتباطؤ ردود الفعل العربية لأن ذلك أيضاً أحد علائم الوهن و الضعف اللذان يعتريان الكيانات السياسية العربية، و انتابني في كل مرة أشاهد الأخبار حزن داخلي حين أرى نجوماً و مشاهير و مسؤولين رسميين في العالم يهبّون للوقوف دقائق صمت على أرواح الضحايا و يتدافع المواطنون للتبرع من أجل إغاثة المنكوبين بينما قارب ضحايا الشعب العراقي لوحده ضحايا تسونامي و لم يقرع أحد أجراس التعاطف مع المدنيين المنكوبين، لا بل إن الدمار الذي جرى في العراق أكثر خطورة و تأثيراً على مستقبله لأنه استهدف إرثه الحضاري ووحدة شعبه و التنوع الديني و العرقيّ الذي شكّلت لوحته آلاف السنين من التعايش السلمي الحضاري، و نكبت البلاد بزلزال الاحتلال و موجات مدّ من عنف يترك أحقاداً و فرقةً و انقساماً تهدّد ببوادر حرب أهلية. و تساءلت مراراً و أنا أشاهد صور التعاطف العالمي مع ضحايا تسونامي: لماذا تهون النفس العربية اليوم إلى هذا الحد من اللامبالاة و أحياناً السادية على الضمير العالمي؟ و أعلم أن الجواب هو مزيج من عوامل عدّة أولها حالة اليأس و التشكيك بالذات التي يعيشها العرب و حملات التشويه المبرمجة التي تطال العرب و تاريخهم و مساهمتهم في الحضارة الإنسانية، و الأخطر أن بعض المهزوزين من العرب بدأوا بإطلاق حملات التشكيك بهويتهم و قوميتهم و مستقبلهم بينما يصف تقرير معاداة السامية الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية يوم الأربعاء 5 كانون الثاني المسلمين في أوربا بأنهم "قليلوا التعليم" و أنهم وراء زيادة الكراهية لليهود متجاهلاً بذلك حقيقتين اثنتين الأولى هي أن المسلمين في أوربا يساهمون في النهضة العلمية و الطبية و التقنية هناك و نال العديدون منهم أرقى أوسمة الشرف و الحقيقة الثانية هي أن المسلمين ساميون و أن تاريخهم يري أنهم كانوا دائماً الملاذ الآمن لليهود عندما يتعرضون لحملات الابادة على أيدي الغربيين المعادين للسامية و لكن تقرير "معاداة السامية" بصيغتها المعاصرة يهدف إلى تحريم نقد الجرائم التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية و انتهاكاتها للقيم الإنسانية النبيلة في فلسطين. و  مثل هذه التقارير المغرضة و الكاذبة تتسبب في الهجمات على المساجد في سراييفو و كورسيكا و هولندا و الولايات المتحدة لأنها تعزز الشعور العدائي الدفين في الثقافة الغربية ضد الساميين و هم في هذه المرة المسلمون.

 

     استوقفتني عبارة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول عن أن التبرعات التي تقدمها الولايات المتحدة للمنكوبين تهدف "إلى تحسين صورة الولايات المتحدة و موقفها من المسلمين" و هنا يشعر المرء أن الحياة الإنسانية أصبحت سلعة إعلامية يتداولها السياسيون و حتى التعاطف مع الشعوب أصبح رهناً بفائدته الدعائية علماً أن ما رأيناه هو إيصال الماء و الغذاء والأغطية للمنكوبين و كأن ذلك فضلٌ عظيم تسبغه الحكومات الغربية على المنكوبين بينما ما تحتاجه هذه المناطق هو إعادة بناء البنية التحتية التي دمّرها الزلزال و المدّ البحري و الأمر الآخر هو أنّ هذه الأرقام التي سمعناها مبالغ فيها و للمبالغة هدف سياسي هو إقناع العالم أن الغرب ليس ضدّ هذه الشعوب و لا يذهب للحرب عليها فقط و إنما لمساعدتها في المحن أيضاً. الوعود ذاتها بتقديم المليارات من المساعدات الغربية كانت قد تكررت أثناء زلزال بام في إيران و كذلك تم التطبيل عن المنح و المساعدات لإعادة إعمار العراق و لبنان و فلسطين قبلها و لكنّ الواقع في بام و في العراق و لبنان و فلسطين يبرهن أن مثل هذه الأرقام التي يتم تسليط الأضواء الإعلامية عليها هي أرقام للدعاية السياسية و ليس للتنفيذ الحقيقيّ. هذا إذا تناسينا إن ميزانيات درء الكوارث في الدول الصناعية المتقدمة قد أنفقت في معظمها على خلق كوارث جديدة لهذه الشعوب و كأنه يكفي الناس في فلسطين و العراق و اندونيسيا أن يحصلوا على الماء و القوت و الغطاء بينما يتنافس أبناء الغرب في العلوم و التكنولوجيا و إذا ما أصبح لدى بلد مثل العراق علماء  فإن هؤلاء  يصبحون هدفاً للحرب عليه و تتم تسميتهم "بالجرثومة" أحيانا و "النووي" أحياناً أخرى و تلاحقهم فرق الاغتيال المعروفة، على خلاف كلّ علماء العالم في هذه المجالات الذين تفخر بلدانهم بهم و تعتبرهم ثروة قومية هائلة.

 

     ما أظهرته نكبة تسونامي هو الاستغلال السياسي لهذا الزلزال و الآلام الإنسانية التي خّلفها لدرجة إحداث زلزال دعائي يهدف أول ما يهدف التغطية على الاحتلال و آثامه في الشرق الأوسط  ويشغل العالم بانتخابات هنا و هناك  تمنع المقدسيين من زيارة القدس و الصفديين  من زيارة صفد  و تحّذر الأوربيين من الحديث  عن حقّ العودة  للفلسطينيين و تثير ضجة عن انسحاب في غزة كي تقضم أراضي جديدة  من الفلسطينيين  في القدس و تخطّ الجدار العازل على شرايين القرى الفلسطينية فتقطع أوصالها و مع ذلك لا يهبّ قادة و فنانون و علماء و رجال دين لدقّ ناقوس الخطر بأن شعوباً ُتبادُ و تاريخاً يتغير و ربما يكمن جزء  من السبب أن أكثر من ثلاثة و خمسين صحفياً قد قتلوا العام الفائت، تسعة عشر منهم في العراق و ذلك كي لا يوصلوا الصورة الحقيقة إلى ضمير البشرية عما يجري في منطقتنا المنكوبة  باحتلالات و حروب إبادة  و سرقة آثار و تشويه هوية و تزوير تاريخ و قتل  أطفال و اغتيال علماء و تهجير كوادر و تبديد طاقات و إنزال نكبات متتالية بها، و لكل ذلك في قلوبنا وقع أكبر زلزال في تاريخ العالم.

 

     في زحمة هذا الزلزال الدعائي المشوّه للحقيقة تتم الدعوة "لتأهيل الفلسطينيين للسلام" و هم أبناء بيت لحم حيث ولد رسول السلام المسيح عليه السلام و يتم تشكيل فرق قتل أمريكية إسرائيلية لاغتيال "ناشطين إسلاميين" في دول عربية بعد أن برّر الزلزال الإعلامي الذي أعقب أحداث الحادي عشر من أيلول القتل لمجرد الشبهة و بعد أن أُلصقت تهمة الإرهاب بكلّ من لا يقبل بجرائم إسرائيل أو يتجرأ على انتقادها.  بحيث أصبح تحويل سبعة أطفال فلسطينيين إلى أشلاء خبر عادي بينما اعتبرت "زلة لسان" بعبارة "العدو الصهيوني" جريمة لا تغتفر و قديماً قال العرب "أذلُّ الناس معتذر إلى لئيم".  و في خضم هذه الحقبة الصعبة يتمّ اعتبار اللغة العربية لغة استراتيجية في الولايات المتحدة، طبعاً لأسباب أمنية، و يقفز اسم محمد إلى المرتبة ال20 في بريطانيا، بينما نستلم دعوات لمؤتمرات في بلدان عربية تقول"لغة المؤتمر اللغة الإنكليزية" و لا يشعر بعض العرب بالخجل حين يقولون أنهم لا يتقنون لغتهم التي تفخر بعلمائها و أدبائها و مفكريها و تراثها الحضاري الناصع. و يتهاوى آخرون أمام المدّ العنصري المعادي للعرب فيهاجمون قوميتهم العربية و لغتهم و تراثهم.

 

     زلزال تسونامي يذكّرنا بزلزال حقيقي يضرب وجود أمتنا العربية منذ عقود على دفعات ليغيّر الثوابت الحضارية للقومية العربية القائمة على التعايش و الانفتاح و يروّج للعرقية و الطائفية و التجزئة بهدف حرماننا من أن نكون أمة واحدة في دولة واحدة كالهند و الصين و بريطانيا و أسبانيا و غيرها من أمم الأرض و بهدف تحويلنا إلى فتات على مائدة اللئام الدولية. و لكنني أرى أننا كأشجار النخيل التي استقبلت الزلزال و المدّ و بقيت شامخة بعد أفول تسونامي.   والأمة العربية بلغتها و حضارتها و حقوقها و بقدرات كل المؤمنين بها ستتجاوز زلازل الاحتلال و العنصرية و القتل و الدمار و تطلّ من جديد على العالم بمساهمات أبنائها في الحضارة البشرية و بقيمها الأخلاقية الحضارية التي ترفعّت دوماً عن مشاعر العنصرية و الانغلاق و قدّمت للعالم مجتمع التنوع و ثقافة التعايش و المودة الإنسانية الشاملة■