كيف ينمو الشعور بالهوية ؟
2May 2005
د. بثينة شعبان
بينما كنت في طريقي إلى مقرّ جامعة الدول العربية في القاهرة لحضور حفل تكريمي لأحد عشر سيدة عربية متميزة في مجالات مختلفة قرأت في صحيفة دولية مقالاً عن الهوية الأوربية التي تتبرعم الآن و التي يتوقع لها أن تحلّ شيئاً فشيئاً محلّ الهويات القطرية مثل الفرنسية و الألمانية وغيرها. فقد تمّ استفتاء بعض الشباب الأوربي الذين يتقنون عدة لغات و يتنقلون بين الجامعات الأوربية، التي أحدثت برامج خاصة لهذا الغرض، و يعملون و يتزوجون و يمضون إجازاتهم في عدد من البلدان الأوربية فأفادوا أنهم يشعرون بأنهم أوربيون أولاً و لم تعد الهوية القطرية الأولى تعني لهم الكثير. كلّ هذا يحصل رغم حواجز اللغة و السياسة و الثقافة و التاريخ. ذلك لأنّ القائمين على صياغة الاتحاد الأوربي يضعون الأسس السليمة و الهامة من أجل هذا التشكيل المستقبلي للقومية الأوربية. فقد وضعوا الآليات و البنى التحتية ووسائل الاتصالات و بنوا الجسور الحقيقية كي يتمّ الاختلاط و التمازج بين الشعوب الأوربية و كي تنتشر هذه "الوحدة" من مقرّها في لاهاي إلى كلّ مدينة و حيّ و معمل و جامعة في أوربا. و من أجل هذا أوجدت البرامج في الجامعات و التي يمكن للأوربي أن يبدأها بجامعة ما و يكملها بجامعة أوروبية أخرى. كما أنك لم تعد بحاجة في معظم الأحيان أن تحجز بطاقة سفر مسبقة إذا أردت الانتقال بين مدينة أوربية و أخرى ففي معظم الحالات هناك قطار أو طائرة كلّ ساعة.
كامرأة عربية شعرت أنني أغبطهم و تذكرت ما قرأته من مذكرات جداتي في أوائل القرن العشرين و هنّ
ينتظرن في دمشق الجرائد لتصل من العراق و تونس. كما ردّدت مع زملائي و زميلاتي الصغار الأناشيد التي ملأت فضاءات المدارس في سوريا "قد عقدنا العزم أن تحيا الجزائر فاشهدوا، فاشهدوا" كما توجهت الكثيرات من سوريا و لبنان ليؤسسن لمجلاتهن في القاهرة عاصمة الثقافة العربية و بما أنّ اللغة واحدة و الهوية واحدة و المصير المشترك واحد فقد كان يصعب على وداد سكاكيني مثلاً أو مي ّ زيادة أن تقول لك ما إذا كانت سورية أم فلسطينية أم لبنانية أم مصرية و لم يكن هذا هاماً على الإطلاق. و حمدت الله أنني في طريقي أن أكُرَّم كامرأة عربية نلتُ المرتبة الأولى في الأداء الحكومي على المستوى العربي ووجدت في هذا التكريم تأكيداً على هويتنا العربية و أنا التي كنت و ما زلت أرفض في الجامعة أيّ بحث أدبي يركّز على المفهوم القطري للأدب. فالرواية عربية و القصة عربية و كذلك الشعر أيضاً و على الباحث أن ينطلق في تقييمه من هذه الهوية القومية للأدب كي يكون بحثه ناضجاً و موضوعياً. و كما الحال دائماً فقد وجدنا، نحن النساء العربيات المكرّمات، أنفسنا نتحدث عن ذات المشاكل و الهموم و الصعوبات و الطموحات و الآمال و كأننا كنا في تواصل دائم قبل قدومنا إلى القاهرة رغم أن معظمنا يلتقي و يتحدث مع الأخريات للمرة الأولى. و لذلك وجدت العروبة حيّة و منتعشة في عقول و قلوب الجميع مع أن الشاعرة سعاد الصباح أكدت في كلمتها باسمنا جميعاً أن "العروبة كالمرأة تعاني من الإهمال و القهر" و أنا أتفق معها لأن العروبة تعاني من الافتقار إلى آليات العمل ووسائل الاتصال التي تحقق الاندماج الصحيح و المستقبلي بين أجيال الشباب، و من "قهر" الثقافة القطرية التي تفرض عليها قسراً بفعل عوامل دولية و سياسية محلية تتعلق بطبيعة تكوين الأنظمة العربية.
إذا العروبة كفكرة و كمفهوم و تكوين ثقافي متقدّة في الأذهان و عزيزة على القلوب و ذلك لأن الحدود كانت مفتوحة بين أجدادنا و جداتنا و لأنهم عاشوها و مارسوها فكراً و نضالاً و حرصاً على كلّ العرب في جميع أمصارهم. أما اليوم فالعروبة تواجه حملة عاتية قد لا تظهر نتائجها للعيان الآن و لكنها دون شك ستؤثر تأثيراً سلبياً على أجيال المستقبل و شعورهم بهويتهم. و قد اتخذت هذه الحملة أبعاداً خطيرة بعد الانتفاضة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي و الحرب على العراق إذ بدأ الأعداء يتهمون كلّ مقاوم للاحتلال الإسرائيلي و الحرب على العراق بأنه "إرهابي" و بدأوا يطالبون الدول العربية برفع الجدران العالية و السواتر الترابية و ربما أجهزة المراقبة على الحدود بين قطر عربي و آخر بحجة منع الإرهابيين من التسلل و لكنّ الهدف الحقيقي لمثل هذه الإجراءات التي يصرّ عليها من يخططون لنسف هوية هذه الأمة و استقرارها، هو قطع الأوصال بين أبناء الشعب العربي و خلق شعور بالغربة الحقيقية بين أبناء البلدان العربية في الأقطار المختلفة. و مهما كانت الخلافات بين بلد عربي و آخر أو الشكوك بين حكومة عربية و أخرى لا بدّ من أن تبقى مصلحة الجماهير العربية المستقبلية هي الأهمّ و لا شك أن هذه المصلحة تتمثل في التواصل و التبادل و خاصة أن العرب في كافة أقطارهم يتوقون لمثل هذا التواصل الحقيقي كأحد مستلزمات عالم اليوم: الاقتصادية و السياسية و الثقافية و الاجتماعية. إذ كيف يعمل الأوربيون على فتح الحدود بين بلدانهم المختلفة كما يعمل الجميع في دول أمريكا الجنوبية و بلدان جنوب شرق آسيا على خلق تكتلات إقليمية اقتصادية و اجتماعية و سياسية بينما يُفرض على العرب بناء جدران العزلة على حدود خطهّا لهم الاستعمار الأجنبي بطريقة تحقق أهدافه و مصالحه؟ و هل هذا يعني موقفاً عنصرياً آخر من العرب و المسلمين بأنهم وحدهم المتهمون بالإرهاب و أنهم وحدهم يشكلون خطراً على السلام و الأمن و الاستقرار؟ تجربتان أحداهما أوربية و الأخرى عربية: الأولى تتجه نحو خلق وحدة بفعل مخطط فاعل، و الثانية وحدة يتم تخريبها منذ قرن بفعل مخطط مدروس.
لا بدّ أن يأتي الجواب من الإرادة العربية ذاتها و من تفعيل القرارات العربية المتخذة مراراً و تكراراً ببناء خطوط السكك الحديدية و النقل البريّ و الجويّ بين الدول العربية بحيث لا يمرّ المسافر إلى المغرب و السودان مثلاً من خلال باريس أو لندن. و لا بدّ من ربط حقيقي بين المؤسسات التعليمية و الاقتصادية و الاجتماعية و الإعلامية بين البلدان العربية بحيث تضمن لهذه الهوية العربية التي برعمت منذ قرن مضى أن تثمر الآن و تعطي أكُلها لملايين العرب الذين يتوقون الى الاندماج كعرب و الظهور أمام العالم بهوية قومية واحدة تحقق لهم الاحترام و الكرامة و المكانة التي يستحقون. دعونا نحن الكتاب العرب نتفق أولاً على أن نعرّف أنفسنا: كاتبة عربية من سوريا، أو كاتب عربي من مصر، أو لبنان، بدلاً من كاتبة سورية أو كاتب مصري، أي أن نسبق صفة العربي و نضع القطر ثانياً و مع أنها خطوة تمثل أضعف الإيمان إلا أن كلّ نقطة مطر هامة جداً في تشكيل مواسم الأمطار المباركة.
الأمر الآخر الذي علينا جميعاً أن نفعله هو أن نعرف بعضنا مباشرة و أن نتعرّف على ما يفكّر به العرب في الأقطار الأخرى من خلال الاجتماع بهم و التحدث إليهم و ليس من خلال إعلام طرف ثالث مغرض يعمد إلى تقويض إيمان العرب بعروبتهم و تشويه صورتهم حتى في أنظار أنفسهم. و كلّ من يتفاجأ بحرارة الشعور بالعروبة حينما ينتقل في الأقطار العربية يعلم بالضبط ما أرمي إليه لأن الإعلام المغرض يصوّر بعض العرب و كأنهم تخلوّا عن هويتهم كي يدبّ اليأس و القنوط في قلوب الآخرين. لا شك أن الجواب على كل هذا يكمن في أمرين أثنين أساسيين هما الإيمان بالنفس و التواصل الحقيقي و المثمر المستند إلى آليات عمل ثابتة لا تخضع لأهواء أو مزاج أو أغراض سياسية مؤقتة.