سجناء رأي و سجناء خوف !
25April 2005
د. بثينة شعبان
إذا كنت تتابع الإعلام العربي فقط من الصعب أن تصل إلى حقيقة ما دار بين بوش و شارون حول الاستيطان في فلسطين لأن الحملة الإعلامية المركــّزة التي أطلقتها إسرائيل قبل زيارة شارون إلى الولايات المتحدة حاولت كالعادة أن تظهر ثقة لا متناهية بالعلاقة الأمريكية - الإسرائيلية بغض النظر عما تغتصبه إسرائيل من أرض و كم تقتل من فلسطينيين و لكنّ الصحافة الإسرائيلية خصوصاً و الغربية عموماً ألقت بعض الأضواء الهامة على خلافات جوهرية بين بوش و شارون مما دفع بشارون أن يغيّر خط محادثاته مع بوش بالتركيز على الهجوم على محمود عبّاس بدل الدفاع عن الاستيطان. و اعترفت وزيرة الاستيطان الإسرائيلية أن الأمور ليست سهلة بين الطرفين و أنه من الواضح أنّ خلافات أعمق ستحصل بينهما. و من الطبيعي أن شارون قلــّل من شأن هذا الخلاف و لكن حين أعلنت إسرائيل نيتها بناء 50 منزلاً في مستعمرة الكانا شمال الضفة الغربية قال المتحدّث باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان لصحافيين مرافقين للرئيس الأمريكي جورج بوش في سفره "سنسعى للحصول على إيضاحات من حكومة إسرائيل... لا ينبغي لإسرائيل أن توسّع المستوطنات". و رغم أن هذا الموقف يمثــّل أضعف الإيمان من قبل دولة كبرى اتجاه شعب أعزل فإنه مع ذلك يمثــّل نقطة هامة في توقـّف أميركي و لو مؤقت للكفّ عن الدعم الأعمى لإسرائيل في كلّ ما تقوم به من خرق لحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه و دياره. و مع المعرفة الدقيقة لحجم هذه الخطوة فإنه يمكن للعرب أيضاً أن يدفعوا العالم للتوقف عندها و التأكيد عليها و تشجيع كلّ الأصوات الحرّة في العالم أن تطالب الولايات المتحدة بالتوقف عن دعم حرب الإبادة التي يشنّها شارون بكل السبل ضدّ الشعب الفلسطيني و ضدّ حقــّه التاريخي في أرضه و دياره. و على العرب أن يتوقفوا عند مثل هذا المفصل ليتذكــّروا أن الظلم الذي يحلّ يالشعوب لا يمكن أن يكون قََدَرَاً مهما طال أمده إذا ما وقفت هذه الشعوب بحزم و صلابة و إيمان ضدّ هذا الظلم. ففي الوقت الذي حاول سيلفان شالوم استغلال الدعاية الكاذبة عن نجاح زيارة شارون بالتقدم بصفاقة من بعض العرب بخارطة طريق للتطبيع مع الدول العربية مع تجاهل احتلال إسرائيل للأراضي العربية و الحقوق العربية و مع استمرارها بسياساتها العنصرية الاستيطانية ضدّ العرب كان الأكاديميون البريطانيون في بعض الجامعات البريطانية يعدّون حملة لمقاطعة أكاديميي الجامعات الإسرائيلية احتجاجاً على تنكيل إسرائيل بالفلسطينيين و قتلها الأطفال الفلسطينيين. كما أثار قرار المحكمة الإسرائيلية بتبرئة الجندي الإسرائيلي الذي قتل المخرج البريطاني جيمس ميللر و هو يصوّر فيلماً عن أطفال فلسطين سخط الشارع البريطاني الذي سخر من القضاء الإسرائيلي و إدعاءاته الكاذبة بالنزاهة. و في الوقت ذاته استنكر ذوو الضمائر الحرّة في العالم تقليد الضابط الإسرائيلي الذي قتل الطفلة إيمان الهمص الفلسطينية وسام شجاعة و تبنت لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بأغلبية تسعة و ثلاثين صوتاً مقابل صوتين (لأمريكا و استراليا) و امتناع 12 عن التصويت قراراً يحضّ إسرائيل على وقف استيطانها في الأراضي المحتلة بما فيها القدس و الجولان السوري كخطوة أولى نحو إزالة المستعمرات و وقف توسّعها فوراً. و بالمناسبة فإن قرارات مجلس الأمن تنص على تفكيك المستعمرات و ليس على تجميدها أو على إزالة المستوطنات اللاشرعية إذ أنّ الاستيطان برمته غير شرعي و لا يؤثر إذا قال بوش أنه من غير الواقعي مطالبة إسرائيل بتفكيك و إزالة المستوطنات منذ عام 1949 إذ لا يملك بوش حق إهداء الأرض الفلسطينية لمستعمرين قادمين إذا ما قرّر الشعب العربي عدم التخلــّي عن حقوقه و ها هي تجارب الشعوب تثبت أنّ الشعب الذي يؤمن بحقـّه و يتمسك به و يناضل من أجله لا يمكن لقوّة في التاريخ مهما عظمت و مهما طال الزمن أن تلغي هذا الحق.
و لاستعادة بعض الثقة بالشعب و الحقوق لننظر إما إلى داخل السجون الإسرائيلية حيث يقف آلاف المؤمنين و المؤمنات بأمتهم و حقوقهم و مستقبل شعبهم يمثـّلون إرادة هذه الأمة الصلبة و هم ليسوا "أسرى" كما يقال عنهم لأنّ إسرائيل لم تأسرهم خلال حرب بين جيشين بل هم "سجناء رأي" خطفتهم إسرائيل من بيوتهم و ديارهم و وضعتهم خلف القضبان لا لجرم ارتكبوه بل لأنهم آمنوا بحقـّهم و أعلنوا عن هذا الإيمان و عن استعدادهم للقضاء في سبيل هذا الحق. و لينظر العرب الآخرون إما إلى ما يحاول الشعب العربي قوله و إما إلى ما يحاول المؤمنون بالحقّ و العدالة من غير العرب التركيز عليه. فرغم ما تروّج له الدعاية الإسرائيلية بأن دولاً عربية ستطبِّع مع إسرائيل و رغم الإعلان مثلاً عن زيارة قادمة لوزيرة خارجية إسرائيل إلى موريتانيا تعتلي أصوات حرّة في موريتانيا لتقول لن يطبِّع الشعب الموريتاني إلى أن يعود حقّ العرب للعرب. و في اندونيسيا مثلاً خرجت مظاهرات عارمة تدعو إلى حماية المسجد الأقصى و إلى عودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه و دياره. و في بوتراجايا (ماليزيا) عُقِدَ في أواخر آذار مؤتمر دولي للمجتمع المدني من أجل السلام في فلسطين أكـّد فيه آلاف المؤتمرين على حقّ الشعب الفلسطيني في أرضه و دياره و على ضرورة العمل لحثّ الأسرة الدولية الوقوف ضدّ سياسة التمييز العنصري التي تمارسها إسرائيل في فلسطين و تطبيق السياسة التي طبّقها العالم ضدّ نظام جنوب أفريقيا العنصري إلى أن ينال الشعب الفلسطيني حقــّه كاملاً في أرضه و دياره. و ذكروا أنه حتى إذا انسحبت إسرائيل من كافة أراضي الضفّة الغربية و القطاع تكون قد ابتلعت 78 % من فلسطين و هذا ما يجب على إسرائيل و كل من يدعمها أن يقدّره كل التقدير. و ذكـّروا بالموقف الواضح و المطلق الذي تبناه المجتمع المدني من القضية الفلسطينية من خلال منتدى المؤسسات غير الحكومية بالتعاون مع قمّة الأمم المتحدة في دوربان – أفريقية الجنوبية عام 2001 كما قامت الأمم المتحدة بالمبادرة في تشجيع مؤسسات المجتمع المدني لدعم حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتغيير. و في أجزاء مختلفة من العالم ترتفع أصوات جريئة لمقاطعة البضائع الإسرائيلية إلى أن تتوقف إسرائيل عن التنكيل بالشعب الفلسطيني و سرقة أرضه و مياهه. و هنا يأتي دور العرب الذين يجب أن يتوقـّفوا عن الانخراط في اللغة و الإطار الفكري الذي تصمّمه لهم الدوائر الصهيونية المجهزة على حقوقهم و ديارهم و أن يتوقفوا عن الخوف من المدّ الأمريكي و الصهيوني و أن يؤمنوا بحقوقهم و شعوبهم و أن يعتبر كلّ عربيّ في أي قطر كان نفسه معنيّاً و قادراً على مواجهة الظلم بالإشارة إلى نور الحقّ و العدالة و الدعوة إلى السلام و ليس الاستسلام و من خلال التمسّك بالحقوق و الأرض و الهوية و هناك ما يكفي من ذوي الضمائر الحرّة في العالم الذين سبقوا العرب في تبني القضايا العربية العادلة و لا يحتاجون إلا إلى إيمان عربي راسخ يقود هذا التوجّه. فمع كل الدعم الدولي لشعب جنوب أفريقيا لم يكن لينجح لو تزعزعت ثقة ذلك الشعب بحقـّه في حياة حرّة كريمة و لو تخلـّى نيلسون مانديلا عن حقـّه و رضخ للمعاملة العنصرية المهينة. لا شك أن المرحلة صعبة للعرب جميعاً لأنهم مستهدفون أرضاً و شعباً و هوية و ثقافة و لكنّ الخيار الوحيد المتاح لهم هو الإيمان بهذه الهوية و الدفاع عنها و الموت من أجلها إن اقتضى الأمر و لكن عدم التنازل عنها تحت أي ذريعة كانت لأن التنازل عنها يعني مصادرة حق الأجيال بمستقبل كريم مشرّف. هناك آلاف من سجناء الرأي الشجعان في السجون الإسرائيلية و لكن لا شيء يرغم ملايين العرب الأحرار أن يكونوا سجناء خوف من إعلاء أصواتهم في كلّ مكان من أجل الحقّ و الخير و العدالة و السلام و مستقبل أفضل للبشرية جمعاء■