من والدة خالد غنـّام إلى الرئيس بوش

 

 18Apr. 2005

 

د. بثينة شعبان

 

وصلتني هذه الرسالة من والدة الشهيد خالد غنـّام و رجتني أن أوجهها للرئيس بوش عبر صفحات جريدة الشرق الأوسط و هاأنذا ألبيّ طلبها.

 

الرئيس بوش،

     عشية زيارة شارون إلى مزرعتكم في تكساس خرج ابني خالد مع زملائه أشرف موسى و عطا الله الجزار يلعبون كرة القدم قرب دارنا و بعد أقلّ من ساعة أعادوه لي مضرّجاً بدمائه مع زملائه الثلاث بعد أن قتلهم جنود إسرائيليون بدمٍ بارد و تزامنت صور زيارة شارون إليكم مع ترتيبات جنازة أولادنا و أعمارهم تتراوح بين الأربعة عشر و الخمسة عشر عاماً  و توقعت أن أسمع منكم، كأب أولاً،  و كرئيس دولة عظمى ذات اهتمام خاص بالشرق الأوسط ثانياً، إدانة لقتل هؤلاء الفتية دون أن يكونوا قد ضربوا حجراً أو ارتكبوا أي ذنب سوى أنهم وُلِدوا "فلسطينيين على أرض فلسطين". و بهذا أصبحتُ أنا الأم الثكلى لأنضمّ إلى آلاف الأمهات اللواتي فقدْنَ فلذات أكبادهن برصاص الاحتلال أو اللواتي يقبع أزواجهنَّ و أطفالهنَّ في سجون الاحتلال منذ عشرات السنين يعانون كلّ يوم صنوف الإهانة و التعذيب و الإذلال لا لشيء سوى لأنهم وُلدوا فلسطينيين و يريدون أن يعيشوا بحرية و كرامة على أرضهم و في دولتهم المستقلة. و رغم كلّ ما نعانيه من ألم و قهر بسبب دعمكم المطلق للاحتلال الإسرائيلي فأنا لا أتمنى لكَ أو لأي إنسان أن يعيش فقدان الأبناء لأنَّ هذا الفقدان هو تفتيت للروح و القلب و الذاكرة و يكاد ألمه يودي بصاحبه إلى الجنون..

    توقعت منكم أن "تسألوا" شارون عن سبب اغتيال أبنائنا و هم بعمر الورد و حرمانهم من حياة منحها الله لهم و حلمنا بهم شباباً و آباء و لكنّ شارون حرمهم و حرمنا من حرارة الحياة و اللقاء و العيش فارتكب بذلك أبشع جريمة ضدّ الإنسانية. و من ثمّ فوجئت بما تسرّب عن النقاش الذي دار بينكم و بين شارون و أعتقد أنـّك تعلم في قرارة نفسكَ أنّ المسألة الأساسية ليست الانسحاب من غزّة و المسرحية التي يحاولون تأليفها حول إخراج بضعة آلاف مستوطن من غزّة، إذ كما تتذكرون تمنى رابين "أن يستفيق يوماً و يجد أنّ غزّة قد ابتلعها البحر"  لكنّ المسألة هي الاحتلال و الاستيطان و هذا الاحتلال و الاستيطان هدفهما واحد و هو سلبنا أرضنا و مياهنا بعد قتلنا و تهجيرنا. هذا هو جوهر الصراع العربي الإسرائيلي باختصار شديد و هكذا كان منذ خمسين عاماً، أما الحديث عن الكفاح من أجل الحرية و الاستقلال باعتباره إرهاباً، و ربط الجرائم التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية في فلسطين بحربكم ضدّ الإرهاب فإنه مشاركة غير عادلة في حرب غير عادلة ضدّ الفلسطينيين لأنهم عرب و مسلمون و هو بمثابة إطلاق نار الإعدام على حقوق الفلسطينيين المشروعة في أرضهم و حريتهم، و قد ساعد قيامكم بوصمهم بالإرهاب شارون على تبرير قتلهم حيثما و عندما يريد حتى و إن كانوا فتية يلعبون كرة القدم. و لذلك فقد توقــّعنا أن نسمع منكم في لقائكم مع شارون موقفاً حازماً ضدّ قتل الأطفال، و ضد المستوطنات التي يتم جلب الفرنسيين و الهنود كي يسكنوا على أرض الفلسطينيين المُصَادرة و توقعّنا منكم المطالبة ليس بتجميدها فقط و إنما بتفكيكها إذ إن هذا ما تنصّ عليه قرارات مجلس الأمن، و بالمناسبة لا توجد مستوطنات شرعية و أخرى غير شرعية إذ أنّ الاستيطان الأجنبي للأرض الفلسطينية و الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين غير شرعيين بكلّ المقاييس و المعايير الدولية و يشكلان خرقاً مؤلماً للكرامة الإنسانية و حقوق الإنسان و حريته التي تدافعون عنها بشجاعة في خطبكم الإعلامية عندما يتعلق الأمر ببلدان أخرى. كما توقـّعنا أن تعبِّروا عن غضبكم حيال استمرار إسرائيل ببناء جدار فصل عنصري في الوقت الذي تؤكدون في خطاباتكم "على بناء الجسور و الانفتاح بين الشعوب"  و عن غضب أشدّ حيال عبث إسرائيل بهوية القدس و مستقبلها، هذه المدينة التي لا يحق لمعتنقي أي ديانة استبعاد معتنقي الديانات الأخرى عنها، فهي بطبيعتها و تاريخها مدينة معتنقي الديانات الثلاث. و حين رأيتُ السعادة التي ترتسم على وجهكم و أنتم تتجولون في مزرعتكم الخضراء توقعتُ منكم أن تعبِّروا عن احتجاج شديد لاقتلاع الجيش الإسرائيلي ملايين أشجار الزيتون من أرضنا الخصبة و تسميم آبار مياه الشرب و قتل القطعان التي تشكـّل عيشنا الأساسي. توقعّتُ منكم أن تتخذوا موقفاً إنسانياً حاسماً من كلّ هذه الجرائم التي تُرتَكب ضدّ شعبٍ آمنٍ و بالأخص من الاحتلال العسكري الإسرائيلي الجاثم على قلوبنا جميعاً و أنتم الذين تؤكدون في خطاباتكم: "أنّ لا ديمقراطية يمكن أن تتحقق في ظلّ الاحتلال". كنت أبتلع ألمي لفقدان ابني و فلذة كبدي آملة ً  أن أسمع منكم ما يطمئن الأمهات الفلسطينيات أنّ شارون لن يتمكن من اغتيال أولادهن بعد اليوم و أن المأساة الكبرى التي حلـّت بي لن تحلّ بأمٍّ أخرى. و لكن و كما تعلمون لستُ الأم الفلسطينية الأولى و لن أكون الأخيرة التي تفقد ابنها برصاصة إسرائيلية صوِّبت على رأسه لتقتل فيه الفرح و الحياة و الحلم بالعيش بحرية و كرامة. فقد شاهدتم على شاشة التلفاز عملية اغتيال الطفل محمد الدرّة عام2000  و منذ ذلك الوقت اغتالت قوات الاحتلال مئات الأطفال الفلسطينيين و آلاف الرجال و النساء و لكنها تأكدت عبر الموالين لإسرائيل في وسائل الإعلام أنّ صور قتلهم لا تصل إلى الرأي العام و اليوم أشعر أنه حتى أسماء أبنائنا الشهداء لم تصل إلى مسامعكم و إلا لكنتم أدنتم قتل الأطفال الأبرياء لا محالة.

   و أنا أستعرض في خاطري احتمال أن تتخذوا موقفاً حاسماً لحماية شعب يتعرض لحملة إبادة حقيقية حاقدة رأيتُ صورتكم و أنتم تقفون لتقدِّموا بمنتهى الود و السعادة الشوكلاتة إلى شارون الجالس بغطرسته المعهودة و هي ملفوفة بالعلم الإسرائيلي!!  لقد حرم شارون ابني ليس من الشوكلاتة و القراءة و الحرية فقط و إنما من الحياة و حرمني من الفرح و السعادة و حرم شعبي من الحرية و الاستقلال و الأرض و الكرامة، فلماذا تقدِّمون له الدعم المالي و السياسي و طائرات الأباتشي و الآن الشوكولاته؟!

السيد الرئيس بوش،

أسمع أنكم تنادون بالحرية و الديمقراطية في خطاباتكم فلماذا لا تنادون بها لفلسطين و شعبها الذي يتعرّض يومياً لاحتلال عسكري مهين و دموي؟  و هل هناك من أسبابٍ دفعتكم لكره الشعب الفلسطيني إلى هذه الدرجة و عدم الاكتراث بمأساته و التي تُمثــِّل دون شك أكثر مآسي الشعوب إيلاماً في القرن الواحد و العشرين و تُعَبِّر عن أقسى أوجه الظلم السياسي لشعبٍ كاملٍ لم يقترف ذنباً سوى أنه وُلِدَ في أرض المسيح المقدّسة و هناك من قرّر اغتصابه أرضه و مياهه و قرّر قتله أو تهجيره ليستقدم مستوطنين آخرين مكانه و يحرمه من العيش بسلام في أرض الآباء و الأجداد■