إرث البابا يوحنا بولص الثاني لشعوب الشرق الأوسط

 

11April  2005

 

د. بثينة شعبان

 

لماذا هبّ ملايين البشر من كافة الأديان و الأعراق و الجنسيات للمشاركة بتشييع جثمان قداسة البابا يوحنا بولص الثاني إلى مثواه الأخير في الفاتيكان؟ و لماذا أصبح في العقد الأخير أكثر شخصية محببّة في الكون إلى قلوب البشر؟  و كيف حوّل الفاتيكان في عصره من مقر تاريخي لطائفة دينية إلى محطة أساسية لنشر ثقافة الحرية و العدالة و الكرامة الإنسانية يؤمها ملايين البشر بمن فيهم الرؤساء و القادة و الوزراء و الشخصيات الإعتبارية؟

    لا شكّ أنّ قداسة البابا كان شخصاً استثنائياً منذ طفولته فقد كان شاعراً و كاتباً و مسرحياً تعلـّم لغاتٍ عدة و أتقنها و كان عليه أن يختار بين المسرح و الكنيسة فاختار الكنيسة. و على الصعيد الإنساني تعرّض لامتحان صعب في شبابه المبكـّر حين فقد والدته و أخاه الكبير و أخذ منذ ذلك الوقت يتأمل معنى "العذاب". و كحبر مقدّس أنجز للكنيسة الكاثوليكية مكانة دبلوماسية و سياسية لم تعهدها منذ عصر النهضة.

   حين زار قداسة البابا سورية عام 2001 زار الجامع الأموي حيث كان المسيحيون و المسلمون يدخلون المعبد في القرن السابع فيتجه المسلمون إلى اليمين و المسيحيون إلى الشمال ليصلــّوا و بعد ذلك اتفقوا على بناء كنيسة منفصلة عن الجامع و لكنّ الكنيسة و الجامع ظلاّ متجاورين متحابين في سورية طوال تاريخهما تعبيراً عن جوهر الثقافة العربية المتمثـّل بالتعايش.

     و لأن الأراضي المقدّسة في فلسطين كانت و ما زالت محرومة من عوامل السلام و تنتشر فيها ثقافة الكراهية و الاستيطان و القتل،  فقد أبدى اهتماماً خاصاً بها و لذلك كان، مثلنا نحن العرب، يرى أنها يجب أن تكون مثالاً للعيش المشترك بين معتنقي الديانات الثلاث. فصلـّى عند حائط المبكى معتذراً عن الماضي و لكنـّه أدان جدار الفصل العنصري و قال إنّ  بناءه يدمّر أي أمل بخلق دولة فلسطينية و أكــّد  أنّ الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني هو جوهر كل الصراعات في منطقة الشرق الأوسط و أنّ الحلّ الأساسي يكمن في أن نضمن لكلّ شخص الحقوق الأساسية و الكرامة الإنسانية و أن نؤكد أن كلّ شعب له الحق أن يعيش في أرضه بسيادة و حريـّة و أن سلامة المسيحيين في الشرق لا تعني أنّ نحميهم كي يعيشوا في أماكن معزولة و "صافية مسيحياً"  لأن "الجسور" بالنسبة للمسيحيين هي أفضل من "الجدران" و لأن عيش المجتمعات اعتمد على التفاعل بين المسيحية و اليهودية و الإسلام. كما عبّر عن قلقه من طرد المسيحيين و المسلمين من القدس و قال يجب أن يستمر معتنقوا الديانات الثلاث بالعمل و الصلاة و الازدهار في الأراضي المقدّسة.

    ثقافة المحبـّة و التعايش و الحوار هذه التي اعتنقها قداسة البابا طوال حياته بقناعة عميقة و بشـّر بها لملايين البشر هي ذاتها جوهر الثقافة العربية السائدة منذ فجر الإسلام في الشرق الأوسط و لكنّ ما يهدد المسيحيين و المسلمين و الأمن و السلام في الشرق الأوسط اليوم هي ثقافة "الكراهية" التي يُعبـِّر عنها بعض المتطرفين دون أن يلقى الجميع رادعاً متساوياً سواء من القوى العظمى أو من الأسرة الدولية بل اقتصرت ردود الفعل على بعضهم دون الأخر. فقد تصاعدت دعوات كبار الحاخامات في إسرائيل لإبادة الفلسطينيين تطبيقاً، كما يدّعي بعض المتطرفين منهم، لأحدى فرائض الدين اليهودي التي نزلت على نبي الأديان الثلاثة داوود. و زخرت المطبوعات التي توزع في الكنس اليهودية في إسرائيل بالكثير من الفتاوي التي وقـّع عليها كبير الحاخامات و التي تبيح إبادة الفلسطينيين و أنضمّ لهذه الدعوات الحاخام مردخاي الياهو كبير الحاخاميين الشرقيين في إسرائيل الذي يعتبر حالياً أكبر مرجعية دينية للحركة الصهيونية الدينية. فقد قال مردخاي أنه "يتوجّب على اليهود إبادة الفلسطينيين كما طبّق الملك داوود فريضة الإبادة على قوم عمليق الذين كانوا موجودين في أرض فلسطين قبل إقامة مملكة اليهود". و نشرت صحيفة "ينبوع الأسبوع" الناطقة باسم حركة شاس الدينية المتطرفة في إسرائيل "نعبـّر عن أسفنا لأننا فوتـّنا على أنفسنا فريضة الإبادة". و أيدت دعوات الإبادة العرقية الصحيفة الناطقة باسم حركة "حباد" اليهودية الأرثوذكسية و صحيفة "قليل من الضوء" الناطقة باسم حركة "غوش ايمونيم" المتطرّفة التي تتولى الإشراف على المشاريع الاستيطانية في الضفـّة و قطاع غزّة. و تزامن مع هذا التوجّه العنصري ضدّ الشعب الفلسطيني التحذير من عمليات إرهابية يهودية محتملة لتدمير المسجد الأقصى و تغيير طابعه الإسلامي في إصرار ينمّ عن الكراهية لأي وجود غير يهودي في المدينة المقدّسة، كما تزامن مع هذه الدعوات لـ "إبادة"  الفلسطينيين و منع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، عقد اتفاقات لاستقدام هنود إلى فلسطين ليحلــّوا محلّ الفلسطينيين الذين تعمل آلة الكراهية على قتلهم و اقتلاعهم من أرضهم و تهجيرهم في حملة رسمية منظمة تقوم بها دولة ترعاها الولايات المتحدة.  بينما تطالب الإدارة الأمريكية الحالية تغيير المناهج في البلدان العربية  نراها لا تولي اهتماماً لمناهج تدريسية و مطبوعات إعلامية و منشورات دينية تنشر ثقافة الإبادة و الاستيطان و الكراهية بتوقيع كبار الحاخامات في إسرائيل و ثقافة الكراهية هذه تتحول منذ أكثر من عقدين إلى سياسة حقيقية تُطَبَق من قبل حكومات إسرائيل المتعاقبة  على الأرض فتمارس بفعلها تلك الحكومات القتل و الإبادة و العنف و الاستيطان وفق حملة حكومية منظمة تهدف  إلى إبادة وجود و حقوق  شعب كامل.

     هل يستطيع الرئيس بوش، مثلاً، أن يتبنى  سياسة البابا يوحنا بولص الثاني الذي أكـّد دوماً على كرامة و حريّة الإنسان باعتبارهما  حقّ لكل البشر؟  و هل سيعمل الرئيس بوش و طاقمه الحكومي على ردع هذا الخطر الجسيم المتمثـّل بسيطرة ثقافة و سياسة الكراهية في إسرائيل بشكل  يهدد وجود شعب بكامله دفع مئات الآلاف منهم حياتهم و حياة أطفالهم من أجل نيل حريته و كرامته و استقلاله؟  إذا أراد الرئيس بوش الانتظار حتى يأذن شارون بالتسوية النهائية و إذا وافق شارون أنّ التسوية المستقبلية "يجب أن تأخذ الواقع الجديد الناشئ على الأرض بالحسبان،  و من ضمن ذلك جدار الفصل العنصري و المستوطنات الإسرائيلية" فهذا معناه الحقيقي هو المشاركة الفعلية في حملة الكراهية و الإبادة و التهجير ضدّ الفلسطينيين و مقدساتهم و مباركة  استقدام سكان آخرين مكانهم!!

    هذا الاصطفاف الحكومي الأمريكي المطلق مع ثقافة الكراهية الإسرائيلية و سياسات التهجير و الاستيطان و العنصرية ضدّ الفلسطينيين هو ما نتذكـّره يومياً في الشرق الأوسط و عبر العالمين العربي و الإسلامي و ليس الشعارات الرنانة "للحرية" و "الديمقراطية" !

    و لكن ما هو الإرث الذي سنتذكـّر البابا يوحنا بولص الثاني به نحن في الشرق الأوسط؟ إنها مفاهيم محببّة جداً للعرب لأنها قريبة جداً من ثقافتهم و تاريخهم، بل هي جزء جوهري من تكوينهم الديني الإسلامي و المسيحي على حدٍّ سواء: الحرية و الكرامة و التعايش. و هي تقف على عكس ما تطرحه ثقافة الكراهية الوافدة من إسرائيل اليوم و التي تؤكد على النزاع الديني و التعصب العرقي و التفتيت الطائفي للمنطقة التي كانت مهداً للديانات السماوية الثلاث و التعايش الجميل بينها■