هل ما تزال الولايات المتحدة مخطئة ً

في الشرق الأوسط؟

4Apr. 2005

 

د. بثينة شعبان

 

لم ينتظر الكثيرون في العالم اللجنة الرئاسية الأميركية التي دققت في الأسباب وراء فشل الاستخبارات الأمريكية حول موضوع أسلحة الدمار الشامل في العراق كي يعلموا بأن العذر الذي وضعته الولايات المتحدة لشنّ الحرب على العراق كان مجرّد ذريعة و ليست معلومات دقيقة كما كان يؤكد أركان الإدارة الأمريكية لشن الحرب. فقد حاول البروفيسور هانز بليكس، رئيس فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة، جاهداً إقناع مجلس الأمن و الإدارة الأميركية لمنحه مهلة ستة أشهر إضافية فقط كي يستطيع التحديد بدقة قراره حول وجود أو عدم وجود تلك الأسلحة في العراق. و أكد في المحفل الدولي حينها أنه سيتمكن خلال ستة أشهر من تقديم تقريره النهائي حول تلك الأسلحة و لكنه كان يعلم – كما كان يعلم الجميع – أن قرار شنّ الحرب على العراق قد اتُخذ َ مسبقاً و أن الإدارة الأميركية لا ترغب بسماع أي شيء يقود بالاتجاه المعاكس لشنّ الحرب.

و لم يحتاج الأمر حينذاك إلى فنيين و تقنيين لإثبات ما قاله بليكس فقد أدركت ملايين الناس في المدن الأمريكية و الأوربية أن أسلحة الدمار الشامل ليست إلاّ مبرّراً سياسياً لشنّ الحرب على العراق. و حاول العالم ثني الإدارة الأميركية إلا أنّ كلّ هذا اصطدم بأبواق إعلامية ظلت تردّد عباراتٍ و تهويلاتٍ عن الخطر الذي يشكله العراق على الأمن القومي الأميركي و البريطاني و العالمي و السرعة القصوى المطلوبة لمواجهة هذا الخطر قبل أن ينقل أسلحته خلال دقائق إلى أيدي إرهابيين يهددون حياة الأمريكيين. و مع أن التقرير قد أكّد عدم وجود أدلة لدى الاستخبارات الأمريكية تبرّر الحرب عبر الادعاء بوجود أسلحة دمار شامل و لكنّ التقرير لم يذكر كيف استخدمت الإدارة المعلومات المتاحة أو أساءت استخدامها لتنفيذ المخطط المرسوم مسبقاً.

     مع أنّ التقرير تحدث عن زيارات مكثفة و مطولة لمسؤولين اميركيين كبار لمركز الاستخبارات و الضغط الذي يشكله وجودهم للسير باتجاه معين. و السؤال الحقيقي هو: ما هي الأسباب الفعلية و راء إصرار بعض المسؤولين الكبار في الإدارة و البنتاغون و مجلس الأمن القومي، على شنّ الحرب الدموية على العراق؟ و بما أنّ التقرير يفيد أنّ الولايات المتحدة قد خسرت الكثير من صدقيتها و هيبتها في هذه الحرب، التي فقد العراق بسببها الاستقلال و السيادة الوطنية و بالإضافة إلى مئات الألوف من القتلى و الجرحى من العراقيين و الأمريكيين و غير ذلك من خسائر مادية تقدر بمئات المليارات من الدولارات لاقتصاد البلدين، فالسؤال هو: من المستفيد منها، و السؤال الأخطر هو أن الأشخاص أنفسهم الذين قادوا الولايات المتحدة لشن الحرب على العراق، هم الذين يسيرون بمخطط مماثل في فلسطين و لبنان و تهديدات ضدّ سورية لأسباب تشبه في مضمونها و أعذارها، رغم تغيّر المسمّيات، المعلومات و الأسباب التي قادت إلى الحرب على العراق. وها هو التقرير يشهد أنّ المعلومات المتاحة حول إيران و كوريا الشمالية معلومات غير كافية على الإطلاق و يمكن أن نضيف إلى هذه البلدان أيضاً لبنان و فلسطين و سورية.

و السؤال الخطير الأهم الذي له علاقة بالمستقبل هو: هل ما زالت مصادر المعلومات الإستخباراتية الأميركية حول منطقة الشرق الأوسط هي ذاتها التي تتبناها الإدارة لتبني توجهاتها و سياساتها تجاه دول المنطقة اليوم؟ كل هذه الأسئلة تقود إلى السؤال الذي لا بدّ من الإجابة عليه خاصة بعد نشر التقرير، و هو: من هم الذين دفعوا في أروقة السلطة في الولايات المتحدة باتجاه شن الحرب على العراق؟ و لماذا؟  و إذا كانت هذه الحرب قد أضرّت بمصداقية و سمعة و مصالح الولايات المتحدة أوليس هذا سبباً كافياً يستحقون الحساب عليه؟  هذا على الأقل من وجهة نظر أميركية، أما من وجهة نظر العرب فإن أحداً لم يذكر أبداً ماذا كان ثمن الحرب هنا في الشرق الأوسط و من هو المسؤول عن هذا الثمن الباهظ الذي تدفعه شعوب المنطقة، و لاحظت أن كل من كتب عن التقرير قد أحصى خسائر الولايات المتحدة من هذه الحرب و هذا حقهم كما هو من حقنا نحن هنا أبناء هذه المنطقة و المتضرّرين فعلاً من "أخطاء" السياسات الأميركية القاتلة أن نحصي خسائرنا.

     إن الحرب على العراق قد تسببت في قتل ما يزيد على مئة وعشرين ألف عراقي و تركت أكثر من مئتي ألف يعانون من إعاقات بالغة في أجسادهم كما تسببت بقتل معظم علماء العراق و ثلاثمئة من الأكادميين البارزين في الجامعات و خيرة أطبائه و مفكريه و قادة المجتمع. كما تسببت بمآسي إنسانية و إذلال يصعب معرفة مداه نتيجة المعاملة الشائنة للسجناء في سجون أبو غريب و البصرة و الموصل و غيرها. كما تسببت الحرب بسرقة المتحف الوطني العراقي و سرقة آثار بابل و نينوى و ذي قار، أي سرقة هوية بلاد ما بين النهرين و التي، كما العلماء و الأطباء و المفكرين، لا يمكن تعويضها.

كما أحدثت الحرب فوضى في العراق و انعدام الأمن و الخدمات أصبحت معها حياة العراقيين جحيماً لا يطاق. كما أدخلت الحرب مفاهيم انقسامية تعتمد الانتماء الديني و العرقي والطائفي لتفتيت وحدة الشعب العراقي الذي عاش قروناً طويلة في تناغم وطني، كما أن الحرب تهدّد بتقسيم العراق على أسس طائفية و عرقية و دينية. و إذا كانت الحملة لإنقاذ حياة تيري شايفو قد استأثرت باهتمام الأميركيين و العالم.  و هذا دون شك أمر إنساني و حضاري، فكم يستحق مئات الألوف من العراقيين الذين قتلهم الحصار الذي سبق الحرب بمن فيهم الأطفال بسبب الحرمان من الغذاء و الدواء و تدمير البنية التحتية و كذلك مئات الألوف من الذين وجدوا أنفسهم ضحايا حرب مستمرة، في وقت يبدو واضحاً أن لا أحد يتحمل مسؤولية كل هذا العبث بحياتهم و مستقبلهم و أمنهم؟  

و من يتحمل في الولايات المتحدة مسؤولية إنفاق مئات المليارات من الدولارات على حرب سببت مآس ٍ إنسانية و حضارية و اقتصادية للعرب كما كلّفت الولايات المتحدة قسطاً كبيراً من صدقيتها و سمعة و سلامة أبنائها؟

     و السؤال الأهم: هل يبقى العالم صامتاً و مكتوف الأيدي إلى أن تتكرر مآسي دموية أخرى ذات نتائج مماثلة في لبنان و فلسطين و بقية أقطار الشرق الأوسط و فق أهواء الموالين لإسرائيل المؤثرين على مفاصل السلطة الأميركية؟ أم حان الوقت للتحرك الآن كي لا نترك مصير الشعوب أسيرا لكتب التاريخ، فما نريد أن نتركه لأبنائنا هو منطقة آمنة مزدهرة و ليس تقاريرَ تحقيق ٍ تضع اللوم على "طرق جمع" أو "مصادر" معلومات الاستخبارات دون أن يتحمّل أحد مسؤولية تدمير الحياة الآمنة لملايين البشر، و استباحة و قتل مئات الآلاف من الأبرياء، و إنزال ألم إنساني لا يُطاق بشعوب مسالمة، بل بالعكس ليخرج بعض كبار المسؤولين، بتصريحات مفبركة سياسياً و إعلامياً عن نشر "الحرية" و "الديمقراطية" في بلدان نشروا فيها الإرهاب و القتل و الخراب. و إذا كان الرئيس بوش قال بعد موت تيري شايفو أنه يريد أن ينشر "ثقافة الحياة" في الولايات المتحدة فلماذا يرسل قواته لينشروا  " ثقافة الموت و الخراب و الدمار و العنف و الاحتلال و الاستيطان "  في منطقة الشرق الأوسط؟.