صوت الناس و الاتجاه الإجباري الجديد
28Mar. 2005
د. بثينة شعبان
عشية انعقاد القمة العربية شاهدت على قناة الجزيرة برنامجاً بعنوان "صوت الناس" ضمّ ضيوفا في الاستوديو و الأهم من ذلك استضافة البرنامج لمواطنين عرب ليس داخل الاستوديو فقط و إنما خارجه في بلدان مثل مصر والمغرب. و انتابتني غبطة شديدة لسماع رأي أشقاء لنا في المغرب و هم يعبرون تماماً عمّا يدور في داخلي حيال قضايا نراها تهمّ المشرق العربي مثل فلسطين و الجولان و لبنان و لكنها بالتأكيد تهم مستقبل العرب و تمنيت على الإعلام العربي أن يخطّط لبرامج كهذه تحقّق تواصلاً عربيا طالما نفتقده جميعاً، إذ أننا في الغالب نتلقى أخبار الأشقاء من خلال وسيط ثالث أو رابع و ذلك بسبب ضعف آليات التواصل الإعلامية المباشرة بين الدول العربية. و إذا كانت القمة العربية قد تمسكت، في بيانها، بالحقوق العربية في الأرض و عودة اللاجئين و القدس و لكن من الواضح أن طموحات و تطلعات الجماهير العربية هي أكثر بكثير مما تمكّن القادة العرب الحاضرين منهم و الغائبين من تقديمه. و لكن مع ذلك عبرت القمّة إلى حدّ ما عن عدم القدرة على التفريط بالثوابت بشكل رسميّ و معلن.
و لكنّ العمل جارٍ في العواصم الغربية في كلّ الأحوال، لفرض واقع آخر على العرب – شعوباً و حكوماتٍ – واقع له اتجاه إجباري واحد يؤدي إلى إسرائيل لتكريس واقع احتلالها المتواصل للأرض و الحقوق العربية و انتهاكاتها دون رادع لكل القوانين الدولية و لكل قرارات مجلس الأمن و الأمم المتحدة. و الاتجاه إجباري واحد للحكومات العربية أيضاً و هو الإعلان عن تطبيع مع إسرائيل رغم الاحتلال و تعاون مع الولايات المتحدة حتى و إن كان ذلك على حساب العلاقات العربية البينية بل يُفضل أن يترافق ذلك مع الإساءة إلى العلاقات مع البلدان الشقيقة. و يدعم هذا التوجه تساهل مطلق من قبل القوة الوحيدة العظمى في العالم حيال الاستيطان الإسرائيلي، و الذي أعلن شارون عن توسع إضافي في الضفة، عشية إعلان القمة العربية عن الاستعداد الرسمي العربي لصنع السلام مع إسرائيل. و جاء الردّ سريعاً من حكومة شارون أنها ترفض عرض القمة و تستمر في الاستيطان و تهويد القدس و رفض عودة اللاجئين و مع ذلك أعلن مبعوثو الولايات المتحدة إلى رئيس وزراء السلطة الفلسطينية أنهم "لا يستطيعون الضغط على إسرائيل لإيقاف الاستيطان" و التعبير الأسلم هو أنهم "لا يريدون" الضغط على إسرائيل لإيقاف الاستيطان لأن مخطط زعزعة استقرار الشرق الأوسط كما كشف روبرت ساتلوف، المسؤول الأمريكي السابق، و أحد قيادات اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، هو السياسة الأمريكية الرسمية للإدارة الحالية، و التي يطلق عليها اسم سياسة "زعزعة الاستقرار البناءة في الشرق الأوسط " و تشتمل على حلقات متتابعة يتم تنفيذها الواحدة تلو الأخرى و التي ظهرت بشكلها الواضح عبر إصدار قرار مجلس الأمن رقم 1559 و ما تلاه من ضغوط على سورية و لبنان، و التي بدأت تأخذ شكلها الدموي الحاسم بعملية اغتيال الشهيد رفيق الحريري باعتبارها محطة أساسية على طريق زج البلدين في الاتجاه الإجباري و ذلك بالتخلص من توجه الاعتدال الذي يمثله الشهيد في المنطقة و البدء بعملية زعزعة سورية و لبنان معاً، و أتى تقرير باتريك فيتزجيرالد ليقدّم الغطاء السياسي الدولي اللازم للخطوات التالية و التي تهدف إلى إحداث تغيير شامل في البلدين، و ذلك بتطهير كل من يلتزم بالوطنية العربية أو يؤمن بها. و جاء الإعلان الأمريكي صريحاً على لسان المبعوث الأمريكي ديفيد ساترفيلد عن "تنظيف المؤسسات اللبنانية" مما سماه موالاة لسورية، و بذلك يعلن رسمياً عن البدء بسياسة مليء الفراغ باتجاه إجباري واحد هو إعلان الموالاة للسياسة الأمريكية و ما يتبع ذلك من تأثيرات و تبعات معروفة. و من ضمن هذا التوجه الإجباري الجديد يعلن دافيد ساترفيلد، و الذي لا صفة وظيفية توضح رسمياً جولاته و لقاءاته المنتقاة في لبنان، أن على حزب الله "عدم التدخل في الشؤون اللبنانية"، ضارباً عرض الحائط أن حزب الله اللبناني هو الذي سقى تراب لبنان دماً لبنانياً غالياً ليحرره من دنس الاحتلال الإسرائيلي و حقق انتصاراً تاريخياً لبلد صغير على أقوى قوة احتلال استيطاني عرفها تاريخ البشرية. و التوجه الإجباري الجديد يلزم القوى الموالية للولايات المتحدة أن تعتبر حزب الله الذي يمثل فخر لبنان بالانتصار على إسرائيل و الذي أثبت بالتضحيات عمق الانتماء لبلده لبنان و استقلال لبنان و سيادة لبنان و حرية لبنان، أن تعتبره، و لو بالتمهيد التدريجي لذلك، قوة غريبة موالية للخارج، و بالتالي إرهابية.
و لكنّ هذه الدعوة تصبح مفهومة أكثر إذا ما قورنت بما يحدث في فلسطين حيث أعلن في إسرائيل أنها ستخلي مخيم الدهنية في جنوبي غزة حيث يقيم فيه المئات من العملاء الفلسطينيين و المصريين بحماية جنود إسرائيليين و ذلك بهدف ضمان أمنهم بعد الانسحاب الإسرائيلي المرتقب من القطاع في الصيف المقبل، بينما يقبع عشرات الآلاف من الأسرى الفلسطينيين و اللبنانيين و السوريين و الأردنيين في معسكرات إسرائيل. و هذا هو جوهر سياسة زعزعة الشرق الأوسط "البناءة": تصفية كل مقومات المقاومة الوطنية العربية، و تحويل الأنظمة العربية كافة إلى كيانات تقبل بشكل رسمي التدخل الأمريكي، الموالي لكل سياسات إسرائيل، بشؤون بلدانهم و إطلاق العنان لحملة مكارثية ضد الوطنيين العرب و اتهامهم من قبل من يعتمدون على الاستقواء بالأجنبي بكل التهم المتوفرة، و اعتبار الدعم العربي المتبادل تهمة شائنة تحاسب عليها القوى الوطنية و تقمع بسببها سياسياً. هل الموالاة المطلقة لإسرائيل في أروقة السلطة الأمريكية هي المحرك الوحيد لهذه السياسة؟ بالتأكيد يأتي الجواب بنعم و لكن مترافقاً مع الإشارة إلى دور المصالح الاقتصادية الأمريكية فهاهي الشركات الأمريكية تعقد اتفاقات دسمة جداً لإعادة إعمار البلاد التي تدمرها حروبهم، و الدراسات تؤكد اعتماد الولايات المتحدة على النفط العربي للمستقبل المنظور. و تغطي سياسة الزعزعة البناءة نفسها منطقة مشابهة تحيط بروسيا و تشمل جورجيا و أوكرانيا و حالياً قرغيزيا، و تعني هناك الانفصال عن "الموالاة" لروسيا و تغليب التوجه الإجباري لخدمة المصلحة الأمريكية العالمية وفق سيناريو واحد يتغير شكلياً وفق ظروف البلد المعني و لكنه في النهاية سيناريو يتلاءم مع القرن الواحد و العشرين، حيث تم استبدال عملية تغيير الأنظمة عبر الانقلابات العسكرية التي كانت تدبرها المخابرات الأمريكية في الخمسينات و الستينات من القرن العشرين بالتغيير عبر "الجماهير" المتحفزة لإحداثه بأي شكل كان، فالتغطية جاهزة دولياً و يتم نسيان صناديق الاقتراع، و المؤسسات الدستورية، و الديمقراطية تماماً.
فهل يتمكن الشعب العربي من إظهار وعيّ حقيقي لهذا المخطط و تنظيم صفوف قواه الوطنية لإيقاف التداعيات الخطيرة لهذا المخطط على استقلال بلدانه و سيادتها و لتجنيد الرأي العام العالمي من أجل إدانة كل الانتهاكات و الحروب التي تُشن اليوم على العرب تحت ذرائع مختلفة. و الأهم هو القدرة على الدفاع عن السيادة و الكرامة الوطنية العربية و الوعي لضرورة وجود نظام سياسي عربي يكتسب شرعيته من ديمقراطية حقيقية تعبّر عن المصالح الوطنية و إلاّ فإن التوجه الإجباري سيعيد الجميع للتبعية الأجنبية.