السيدة رايس: أي شرق أوسط نريده نحن لأطفالنا

21Mar. 2005

 

د.بثينة شعبان

حين قرأت العنوان:  " رايس  تتعهد أن تبني واشنطن نوعاً مختلفاً من الشرق الأوسط"  أدركت السبب الحقيقي للقلق الذي يعيشه اليوم ملايين العرب والمسلمين في الشرق الأوسط وفي المغتربات أيضاً. وعندما قرأت تصريح رايس " أن المنطقة بمفهومها الجديد ستكون أوسع وأكثر استقراراً وديمقراطية، و لن يكون أطفالنا مضطرين للقلق من إيديولوجيات الكراهية التي دفعت أولئك الناس إلى قيادة طائرات لصدم المباني في 11 أيلول/ سبتمبر 2001" الذي أدلت به وزيرة الخارجية الأمريكية لدى وصولها إلى قاعدة أميركية في كابول أدركت أنه تصريح رسمي بالنوايا الحكومية في واشنطن وأنه بذلك يحمل أكثر من محظور خطير على المنطقة وشعوبها حاضراً ومستقبلاً. فقد اتهمت رايس المنطقة برمتها بأنها تحتضن " إيديولوجيات الكراهية" كما تحدثت عن " أولئك الناس" وقصدت بذلك جميع سكان المنطقة واعتبرتهم هم الذين "قادوا الطائرات لصدم المباني في 11 أيلول".

 وهذا التعميم الخطير يجسّد الخطأ الفظيع الذي وقعت به الإدارة الأمريكية في حملتها لمكافحة الإرهاب ويفسّر النتائج المعقدة والتي ألحقت الضرر بسمعة الولايات المتحدة ومصداقيتها كما سببت كوارث ستمتد آثارها لعشرات السنين على الأجيال العربية والمسلمة في منطقة الشرق الأوسط .  وللإشارة السريعة لمعالجة مختلفة تماماً لموضوع الإرهاب ومكافحته ليس علينا إلا أن نستذكر ما قامت به اسبانيا منذ تعرّضها لهجوم إرهابي في 11 آذار وتضامن المسلمين من جميع أنحاء العالم وخاصةً مسلمي اسبانيا والمغرب مع الحكومة والشعب الإسبانيين ضدّ منفذي العملية الإرهابية والذين اعتدوا بعملهم هذا أولاً وقبل كل شيء على الدين الإسلامي الحنيف، وعلى كلّ ما يؤمن به العرب و المسلمون من قيم الحقّ والخير والعدالة.

أما الحديث عن مجموعة متطرفين قاموا بأعمال إرهابية أدانها العالم برمته باعتبارهم ممثلين عن شعوب الشرق الأوسط فهو مساوٍ في جوهره لاعتبار من قام بأعمال يندى لها جبين البشرية من التعذيب الوحشي والقتل في سجون أبو غريب و غوانتنامو وغيرهما وكأنهم يمثلون الشعب الأمريكي برمته وقيمه الدينية، أو اعتبار القتلة الذين ارتكبوا مجازر صبرا وشاتيلا أو كفر قاسم، أو دير ياسين أو قبية وغيرها الكثير ممثلين لشعبهم و قيمه الدينية! لقد كانت البلدان العربية والإسلامية حكومات وشعوب في مقدّمة من أدان أحداث الحادي عشر من أيلول وتعاونت كلها، ومنها سورية، مع الولايات المتحدة لإنقاذ حياة أمريكيين من هجمات إرهابية ومازلنا نعمل في سورية ، ومنذ الثمانينيات، بشكل مستقل ّ ،أو بالتعاون مع الآخرين، لمكافحة ظاهرة الإرهاب التي تهدد استقرارنا ووجودنا ومستقبل أطفالنا تماماً كما تهدد الشعب الأمريكي أو الأوروبي أو أي شعب في العالم.  

والمحظور الخطير الآخر في تصريح السيدة رايس هو  أنها اعتبرت هجمات الحادي عشر من أيلول مبرراً لما تخطـّط له اليوم الإدارة الأمريكية للقيام به في منطقة الشرق الأوسط. وهنا لا بد من تفسير نقطتين اثنتين: أولاً، إن أحداث الحادي عشر من أيلول قد ألقت بوزرها على العرب والمسلمين من جهة وعلى الأمريكيين من جهة أخرى إذاً لا بدّ أنّ من نفذ هذه الأعمال قد خططّ لاستهداف العرب والمسلمين ولذلك فهو عدوٌُّ للعرب والمسلمين أولاً.

والنقطة الثانية هو أننا لا بدّ أن نوضح للسيدة رايس ما يجري في الشرق الأوسط من وجهة نظر سكان هذه المنطقة الذين لا يتمكنون من إيصال أصواتهم في ظلّ سياسات حكومية غربية تتبنى ظاهرة" إعلام يسافر مع القوات" و" حظر القنوات التي تقارب نقل الواقع" كي لا يتحرك الضمير العالمي في مساندة المظلومين والمقهورين.

إنّ ما يجري في منطقتنا هو نتائج سياسة الكراهية العنصرية المعادية للعرب التي تتبناها الحكومات الغربية منذ قرن والتي أدت إلى تقسيم العرب إلى أوتوقراطيات وأنظمة موالية للغرب، وإلى حروب متواصلة أدت إلى اغتصاب الأرض وقتل الملايين من العرب في الجزائر كما في فلسطين والعراق والمجازر والعنف تلاحق العرب دون هوادة على أرض الواقع لتحصد أطفالهم كما شبابهم وفي التصريحات الرسمية الغربية والسياسات الحكومية المعلنة وخاصة ً الأمريكية، و في مقالات الحقد العنصري التي تنزل بالعرب تنكيلاً في مختلف وسائل الإعلام الغربية، وفي سياسات تجريد العرب من حلم الوحدة القومية، كما غيرهم من الأمم كالصين والهند، وتجريدهم من الحرية والديمقراطية بفرض أنظمة الفساد و العنف عليهم، وتهديد إنسانيتهم باتهامهم رسمياً بأنهم " يحملون إيديولوجيات الكراهية" كما أسمتهم السيدة رايس علماً أنّ هذه المنطقة هي مهد الديانات الثلاثة وتقاليد التعايش إلى أن دخلت عليها سياسات العنف والقتل و الدمار التي مهدت لاحتلال واستيطان بغيضين. إذاً ما يجري أولاً هو تجريد العرب من كل شيء: إنسانيتهم،وحريتهم، واستقلالهم، وكل ذلك من أجل تحقيق إيديولوجية قائمة على العنف المطلق من أجل إقامة دولة جديدة ذات صفة دينية واحدة على أشلاء شعب كامل!

و ما يجري اليوم هو المطالبة بتفكيك الفصائل الفلسطينية أو تجريد المقاومة في لبنان من سلاحها بينما تستمر إسرائيل في احتلالها للأراضي العربية رغم كلّ القرارات الدولية التي تحثـّها على الانسحاب إلى خط الرابع من حزيران 1967. وما يجري اليوم هو تهديد متطرفين و متعصبين في إسرائيل لأقدس مقدّسات المسلمين" المسجد الأقصى" و الاستيلاء على أحياء عربية كاملة في القدس توارثها الأبناء عن الأجداد لآلاف السنين و ما يجري اليوم هو عزل القدس الشرقية عن الضفة الغربية، وبناء جدار فصل عنصري يعزل عشرات الآلاف من الفلسطينيين عن مدنهم وقراهم ومدارسهم وحتى عن شمسهم وسمائهم ويقضم 10% من أخصب أراضي الضفة وأكثر من 50% من موارد مياهها .. هذه ه نتائج " إيديولوجية الكراهية" التي يتعرض لها العرب، والتي تهدد رايس ضحاياها بالمزيد منها.

      و ما يجري اليوم هو تهديد سوريا ذات التراث العلماني والطبيعة التسامحية، والمحبة المتوارثة عقائدياً وتعايشياً بين كل معتنقي الديانات، والتي كانت ملاذاً لكل مضطـّهد في تاريخها، و التي تنادي بالسلام العادل  و الشامل، وتطمح إلى خلق استقرارٍ حقيقيٍ في الشرق الأوسط قائمٍ على العدالة والشرعية الدولية، والتي لم تهدّد الولايات المتحدة و لا غيرها بل هي ضحية "عداء إيديولوجي" من أطرافٍ مواليةٍ لإسرائيل في الكونغرس بسبب رفض إسرائيل إنهاء احتلالها للجولان، ورفض حكوماتها تنفيذ قرارات مجلس الأمن التي تطالبها بسحب قواتها المحتلة من الأرض السورية، ورفض حكوماتها المتتالية المعلنة  لدعوات السلام السورية.

والسيدة رايس تعرف من تجربة شعبها في الولايات المتحدة أن الشعوب لا تستكين لواقع ظالم ولحلولٍ غير عادلة لقضاياها،  فقد ناضل أبناء جلدتها ضد الظلم العنصري إلى أن تمكنوا من تحقيق المساواة والعدالة والكرامة. وما يجري اليوم في الشرق الأوسط هو تمكين قوة السلاح من مصادرة حق الشعوب في أرضها وحريتها،  وكرامتها.  فهناك آلاف العرب القابعين في السجون الإسرائيلية لا لذنبٍ ارتكبوه سوى أنهم يتوقون إلى العيش أحراراً من الاحتلال الإسرائيلي. إن الشرق الأوسط الجديد بالشكل الذي يتحدث عنه مروِّجو حملة الكراهية ضد سورية من الموالين لإسرائيل في أروقة السلطة و الإعلام  بواشنطن يعني بالنسبة لأبناء وبنات الشرق الأوسط مكافأة المحتلين لأرضنا وقد ناضلت هذه الشعوب خلال آلاف السنين الماضية ضد الظلم والعدوان والاحتلال ولاشك أنها سوف تستمر بفعل ذلك إلى أن تحقق الحرية  والعدالة والكرامة. ستكون الولايات المتحدة محقـّةً فقط إذا ساعدت في جعلنا مطمئنين إلى أن منطقتنا ستكون أكثر استقراراً وديموقراطيةً و أنّ أطفالنا لن يكونوا قلقين من عنف جنود الاحتلال أو من التمييز العنصري ضدهم أو من طلقات رصاص الجنود على أجسادهم الغضـّة وهم على مقاعد مدارس الأونروا. ولا شك أن السيدة رايس تدرك أن هناك فرقاً كبيراً بين مراكز أبحاثٍ مواليةٍ لإسرائيل تــُقـَدَّم لها التقارير عن الشرق الأوسط ولا ترى به سوى ثروات قابلةٍ للنهب ونفطٍ ومياهٍ قابلةٍ للمصادرة وشعوبٍ مجرّدةٍ من السلاح يسهل احتلالها وقمعها بفرض أنظمةٍ ضعيفةٍ مواليةٍ وبين واقع شعوبٍ لها تاريخٌ طويلٌ باعتبارهم بناة الحضارة ورسل السلام والحرية والتي عملت دائماً كي يكون المستقبل أكثر أمناً ورفاهيةً واستقراراً. إن مفهوم الشرق الأوسط الذي تعد واشنطن ببنائه يثير القلق لأنه لا يتحدث عن إنهاء احتلالٍ، ولا عن شرعيةٍ دوليةٍ، ولا عن عدالة وكرامة وحقوق للشعوب. كما تريدون لأطفالكم مستقبلاً آمناً نريد نحن أيضاً لأطفالنا مستقبلاً آمناً يشعرون به بالحرية والكرامة والمساواة وتحقيق هذا ممكن اليوم ولا يتطلب سوى تحقيق مطلب عادل هو إنهاء كل أنواع الاحتلال والاستيطان والتمييز والكراهية ضد العرب والمسلمين