الديموقراطية النووية
14Mar. 2005
د. بثينة شعبان
في زهوة ما يحاول البعض في العواصم الغربية تصويره على أنه انتصار "للحرية" و "الديمقراطية" في الشرق الأوسط الذي يقع المزيد من أقطاره تحت ظل احتلال عسكري غربي جديد، و تُسفَك دماء آلالاف من أبنائه دون أن تصل ألوان دمائهم إلى الصفحات الأولى من الإعلام الغربي تتهيج رغبات الحقد العنصري الدفين لدى السيناتور الجمهوري "سام جونسون" ضدّ العرب ليعبّر عنها بشكل علني يراوغ أقرانه في الكونغرس لاخفائها في تصريحاتهم المبطـّنة بعبارات "الحرية" و "الديمقراطية".
أثناء تجاذب الحديث بين الرئيس بوش و السيناتور جونسون خلال دعوة إفطار كان الرئيس بوش قد وجّهها إلى عدد من أقطاب الحزب الجمهوري عبّر جونسون عن رغباته الحاقدة: "أنني أود أن أنطلق بطائرة أف 15 مزوّدة بقنبلتين نوويتين ثمّ أسقط أحداهما على سورية فلا نحتاج إلى القلق في شأنها بعد ذلك" !!! و قد مثـّل هذا الحديث العفوي قرارة ما يفكـّر به جونسون و العديد من مخططي السياسة الأمريكية حول الأهداف الحقيقية لهذه السياسة التي يتبعونها اليوم في الشرق الأوسط و التي تتحدّث عن الوطن العربي إما كمنطقة خالية من سكانها أو كمنطقة يرغبون لدوافع عنصرية تتعلق بالإيديولوجية الغربية السائدة أن تكون خالية من السكان كي يضعوا أيديهم على البلدان و الموارد و الحضارة و النفط و المياه و الثقافة العربية ثمّ يتغنون بإنجاز "الحرية" و "الديمقراطية" تماماً كما قامت الولايات المتحدة على أنقاض حضارة سكان أمريكا الأصليين.
حقيقة أن هذا التعليق قد صدر خلال تجاذب حديث عادي يجعله أشدّ خطورة لأنـّه يعبـّر عن فكرة متعايشة و متجذرة في أعماق النخبة الحاكمة في أروقة السلطة الأمريكية ممن يؤمنون "بالحل النهائي" لموقفهم من العرب. أوليس هذا هو المنطق الذي اتبعه هتلر و غيره من طغاة الإبادة العرقية، الذين عجزوا عن التعايش مع الآخر؟ و يأتي هذا التهديد النووي لسورية ضمن التصعيد العدائي الذي تشنـّه إسرائيل و الموالين لها في أروقة السلطة في واشنطن. و لم تكن هذه هي المقارنة الأولى بين ما ارتكبته الولايات المتحدة في الماضي و ما يحلم الموالون لإسرائيل بارتكابه اليوم بحق العرب. ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول و الجهود المخططة مسبقاً لإثارة الحنق ضدّ المسلمين في الغرب ظهرت بعض الأصوات و الكتب التي تطالب بوضع المسلمين في مخيمات اعتقال شبيهة بتلك التي احتُجِـزَ بها اليابانيون في أعقاب الحرب العالمية الثانية. و من هنا أيضاً يمكن فهم السكوت المطبق و المريب عن حملات الإبادة الجماعية التي ينفــّذها شارون بحق الشعب الفلسطيني أطفالاً و نساءً و رجالاً فيما تغتصب آلته العسكرية و ايديولوجية الاستيطان العرقية أرضهم و مياههم و مقدّساتهم و تاريخهم و من أن الدعاية الضخمة المموّلة بسخاء من المخابرات الأمريكية التي تتكلم عن "الحرية" و "الديمقراطية" وفق مخططاتها، فتوجّهها نحو سورية و لبنان متى تشاء و تسخـِّر لذلك آلة حملة إعلامية مريبة بينما تقوم بتغطية المجازر و الاغتيالات و هدم المنازل و التقسيم على أسس عرقية و دينية و طائفية في فلسطين حيث الأحتلال الإسرائيلي و حيث يتم تجاهل قضية "الحرية" و "الديمقراطية" تماماً. و الغريب في الأمر أن العالم كلـّه تجاهل هذا التصريح النووي الخطير بينما ركـّـز اهتمامه على ربيع العراق الذي تطلع شمسه كل يوم على جثث عشرات العراقيين الذين أتى الاحتلال الأمريكي "لتحريرهم" و منحهم "ديمقراطية" تَنعُم بالاحتلال العسكري الأجنبي.
و بعد أيام فقط على إعلان سام جونسن عن رغبته النووية العنصرية تتقدم عضو مجلس النواب الامريكي إليانا روس ليتنن رئيسة اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأوسط في المجلس بنص كامل أسمته مشروع "قانون تحرير لبنان و سورية". و القارئ لنصّ هذا المشروع بدقـّة يرى أن إليانا روس تريد إلقاء قنبلة ذرية من نوع آخر على الشعبين اللبناني و السوري لتحرمهما من كلّ مقومات العيش الحرّ و الكريم لا لذنبٍ ارتكبه هذان الشعبان بل لأن إليانا روس لتنن و زملاءها من الموالين لإسرائيل في الكونغرس يريدون ثني إرادة هذين الشعبين كي يخضعا لكلّ المخططات الإستيطانية التي تحيكها إسرائيل في المنطقة التي أصبح الموالون لإسرائيل في واشنطن يسارعون لوضع الختم الرسمي للولايات المتحدة عليها كي تخرج بمظهر دولي بعد ممارسة الضغوط المعهودة على "حلفائها" و الأنظمة الموالية لها في المنطقة. و بينما يهدد أعضاء الكونغرس سورية بالقنبلة الذرية بعد تغليفها بالطبع بعبارات "الحرية" و "الديمقراطية" تظهر وقائع الأحداث في فلسطين و العراق و لبنان أن ّ الهدف الأساسي هو تمزيق العرب إلى كتل متصارعة يتنازعون على خطوط في الرمال أو على أقاليم شمالية و جنوبية و وسطى بعد أن يتم حرمانهم من السيادة و تـُفرَض عليهم أنظمة موالية ضعيفة تذعن للأحتلال الأجنبي و تكرر ما يقوله "الأسياد" في واشنطن و لندن و العواصم الغربية. بينما يبني الأوربيون و الأمريكيون تجمعات إقليمية ضخمة تزيدهم قوة و إزدهاراً و قدرةً على إبادة شعوبنا متى شاؤوا ذلك أو على الأقل التباهي بقدرتهم على القيام بذلك، و في كل الأحوال تمكنهم من إلغاء كفاح شعوبنا من أجل الحرية و إعادتها إلى "ديمقراطية" و "حرية" و "سيادة" أنظمة ترضخ للاحتلال العسكري الغربي من جديد كي لا يسود في ديارنا سوى الذل و السجون و المجازر و كي لا تقوم لهذه الأمة قائمة بعد مئات السنين. و يتبعون من أجل تنفيذ هذا المخطط الأسلوب المعهود في الترهيب و الترغيب مع تقسيم زمني واضح و متدرّج فيهددون سورية بعد ضمان وقوع الشعبين الفلسطيني و العراقي تحت قبضة احتلال دموي مهين و يمتدحون من يشارك في حملة التهديد هذه تحت طائلة المحاسبة بالعقوبات الدولية إن لم يعلنوا تخليهم عن الشقيق السوري هذه المرّة و إعلان ولائهم للسيد الأمريكي أملاً بشفاعة تأجيل قدرهم المحتوم و ما هو إلا تأجيل بسيط لأن القارئ السياسي لما تــُعلِن عنه واشنطن يُدرك أنها بصدد إحداث تغيير شامل و نهائي في الشرق الأوسط يستهدف كل الأنظمة العربية دون استثناء و لكن واشنطن و حلفاءها تستدرجهم نظاماً بعد آخر بتهمة مـُختـَلـَقَة أو ذرائع تنكشف بعد فوات الأوان أنّ لا أساس لها من الصحّة دون أن تستوقف البعض الدوافع و المخططات الحقيقية وراء هذا الأستهداف الكاسح و الشامل للعرب في كافة أقطارهم.
إن من يقرأ مبررات الكونغرس لتقديم "مشروع تحرير سورية و لبنان" يكتشف فوراً أن لا أساس من الصحّة لأية جملة وردت في بند تبرير مشروع القانون. فسورية حاربت الإرهاب منذ الثمانينات و تعاونت مع جميع الدول بما في ذلك الولايات المتحدة لإحباط أعمال إرهابية كانت ستزهق أرواحاً أمريكية. و سورية فتحت الباب لعملية سلام بنـّاءة و شاركت بها حتى تمّ إفشالها على يد اليمين الإسرائيلي. و كشفت الوقائع أن نتنياهو ثمّ باراك هما اللذان تراجعا عن تحقيق السلام قبل أن يقضي عليها نهائياً شارون. و سورية اليوم تدعو إلى السلام الشامل و العادل في الشرق الأوسط و لا يوجد في أي من سياساتها ما يشكـّل تهديداً لأحد بل عوناً و شريكاً في خلق السلام الحقيقي القائم على العدل و الشرعية الدولية و الكرامة المتساوية للبشر. و سورية هي التي وقفت ضدّ الحلول المجتزأة و قالت أن هذه الحلول لن يكتب لها البقاء لأنها لا تلبيّ طموحات الشعوب و هاهو التاريخ يثبت صحّة كلّ مقولاتها في المنطقة. فسورية التي أهدت العالم أبجديته و التي انطلقت منها الأديان السماوية إلى العالم و ضربت أنموذجاً للتعايش بين الأديان و الأعراق لأنها مهد الحضارات الإنسانية تقول اليوم لأمثال سام جونسون و إليانا روس ليتنن إن النشوة النووية التي تدعوهما للتهديد باستخدام قوة السلاح و الاحتلال ضدّها تعيد إلى الذاكرة تاريخاً يمتد قرناً من العدوان الغربي المتواصل ضدّها، فباسم الحضارة قصف الفرنسيون دمشق و أحرقوا البرلمان السوري و قضوا على أول دولة عربية في العصر الحديث و لكن في النهاية انتصرت سورية مهما تراءى للآخرين ضعفها ضمن موازين القوى.
و على الآنظمة العربية أن تدرك أن تقديم التنازلات للآخرين ضدّ أشقائهم لن تنفعهم من المصير المحتوم حين يأتي دورهم و أنّ الأسلوب الوحيد للخلاص المؤكد هو مقاومة العدوان الغربي المتواصل ضدّ العرب و التمسّك بالحقوق و السيادة العربية و الشرعية الدولية و الأسس السليمة لسلام عادل و شامل و تضامن عربي يؤسس لمستقبل حقيقي للحرية و الديمقراطية للعرب جميعاً■