قشة الكوارث التي قصمت ظهر النظام العربي
7March 2005
د. بثينة شعبان
قد يقف المرء مندهشاً أمام سرعة الأحداث التي تعصف حالياً بأقطار الوطن العربي الذي تحول إلى عالم متنافر من الكيانات الواقعة في عين العاصفة الدولية منذ أحداث الحادي عشر من أيلول، فتتناثر صور التفتت و الدمار، دون أن يكون لها وزن أو حساب في المعايير الدولية. و من أجل عدم الذهاب بعيداً في نظرية المؤامرة أو الاستهداف، أو من ناحية أخرى اعتبار خلل موازين القوى سبباً و ليس نتيجة، أو استهداف العرب و المسلمين من قبل حلف غربي متربص منذ قرون لأسباب عديدة، لا بدّ لنا من أن نلقي نظرة فاحصة إلى الواقع العربي و ما انتابه من تراكمات، و أزمات، و تعقيدات لم يعمل أحد على حلّها، أو وضع الآليات الحقيقية و المناسبة لتجاوزها. فقد تراكمت على العرب في النصف الثاني من القرن العشرين حروب و هزائم و نكبات و غزوات و احتلالات و استيطان عمد البعض تبرير حدوثها بعد وقوع الكارثة بدلاً من اتخاذ أنجع التدابير في الوقت المناسب لمنع حدوثها، أو على الأقل منع تكرار حدوثها مرة أخرى، من خلال الإشارة إلى مصادر الخلل و الضعف التي أدت إلى وقوع مثل تلك الكوارث بدءاً من الأفكار و السياسات الخاطئة، و انتهاء بتحديد قصور عمل المسؤولين من الحكام و السياسيين، و تحميل كل مسؤوليته للنظام السياسي العربي الذي تأسس لتحقيق الحد الأدنى، من الوحدة العربية، عبر تحقيق وحدة الأهداف والآمال و المصير. هذا النظام تحنط عند سنوات تأسيسه، فأصبح ككيان وآليات عمل من مستحثات الأربعينيات من القرن الماضي، و عجز الجميع عن الخروج من ظروف تلك الفترة السحيقة. إن الانبعاث الحقيقي لأي أمة يحتاج إلى آليات عمل، و مكاشفة، و تسمية الأمور بمسمياتها، و عدم خلق واقع افتراضي لايهام الشعوب بحجم المسؤولية و حجم المعاناة، بينما واقع الجهد يركز على حجم المنصب، و مقدار الاستفادة الشخصية منه، أو الألق الشخصي من ورائه. و بهذا بقي النظام السياسي العربي بمجمله الجمعي بمستوى الأربعينيات، و بقي مفهوم المواطنية و الانتماء هشاً غير معرّف حتى في المناهج الدرسية، و بقيت كتب التاريخ و الجغرافيا و الثقافة تدرّس مفاهيم غامضة و مختزلة تستعصي أحياناً على الفهم و لا تساهم من قريب أو بعيد في تشكيل هوية قومية نفسية ثقافية أخلاقية موحدة لأبناء أمة يعيشون في القرن الواحد و العشرين. كما بقيت العلاقات بين الدول العربية رغم صفة "الشقيقة"، التي اعتدنا بروتوكولياً إلحاقها باسم كل دولة عربية، أقلّ بكثير من العلاقات بين الدول الجارة التي لا تجمع بينها اللغة أو الثقافة أو التاريخ، لا بل هي أضعف بكثير، بل و كثيراً ما كانت أشد عداوة و افتراقاً من علاقة تلك الدولة العربية بدولة عدوة للعرب بحيث يشعر المواطن العربي أن العاصمة العربية الأقرب إلى عاصمته جغرافياً هي سرّ من أسرار الكون قد لا يستطيع الوصول إليها أحياناً إلاّ بعد جولة أوربية متوسطية. إذ هل يعقل أن الجامعة العربية اليوم و بعد ستة عقود من تأسيسها ترجئ لاجتماع قمة قادم أموراً إجرائيةً تجاوزتها المنظمات المثيلة لها في كافة أرجاء المعمورة منذ تأسيسها مثل ما إذا كانت سوف تعمل بالتصويت أو بالإجماع في المسائل المطروحة؟ و هل يعقل ألا نتفق ما إذا كنا انتصرنا أم خسرنا في حرب ما؟ و ما إذا كان التنسيق بين البلدان العربية سليماً معافى أم كانت هناك اختراقات مصيرية سببت كوارث و ستؤدي إلى كوارث مستقبلية؟! و القائمة تطول كثيراً و لكنّ الأساس في كلّ التقصير هو الهدر للزمن و الموارد و القدرات و القيم و انعدام الشفافية مع الشعوب و التوجه دائماً لإرضاء الداخل بصيغ عربية تراثية قديمة محصورة بالخطابات و المكرمات و الفساد و القمع لإقناعه بأن الإنجازات كبيرة بدلاً من الحرص على المكاشفة و المشاركة الشعبية من أجل تحقيق تقدم حقيقي على ارض الواقع عبر اللحاق بالركب الدولي في جميع المجالات ومصارحة الشعب العربي بمواقع الضعف و الخلل. و لهذا و مع أول امتحان عندما يختلف حاكمان أو حكومتان عربيتان يقف النظام العربي عاجزاً عن معالجة تداعيات هذا الحدث أو ذاك، و يبدأ التدخل الأجنبي، الذي يأتي لأسبابه الخاصة، و لمصلحته الخاصة، و لبرنامجه الخاص و الذي سوف يزيد شعبه رخاء و ازدهاراً و يزيد شعوبنا فقراً و ازدراء لواقعها و قلقاً على مستقبلها. و لذلك نرى اليوم أحداثا تبدو عادية في الواقع العربي و لكنها تحدث تغيراتٍ هائلةً في النظام و الواقع العربي دون أن يستطيع العرب برمتهم اتخاذ أي إجراءات تجاهها، فقشة تأجيل الحلول لأزمات العرب الداخلية قصمت ظهر الجميع. و تستمر الحكومات العربية بالوقوع إما في تجاهل ما يتوجب فعله على الأرض، و إما في إلقاء اللوم كلّه على مخططات إيديولوجية وضعت لتقويض هذه الأمة و هويتها. و في التفاعلات التي سبقت هذه التغييرات في السنوات الأخيرة أبدت الشعوب العربية وعياً متقدماً سواء بطبيعة الصراع أو بالتوجهات الأساسية لإيجاد الحلول للقضايا المركزية و لكن تم قمع و إسكات كل الخيارات التي طرحتها النخب الثقافية و الفكرية مما عمّق من الأزمة الداخلية و أجج حركات التغيير التي اتسمت بشكل متزايد بالتطرف و التوجه نحو الخارج طلباً للعون على إحداث التغيير.
و اليوم لا بدّ لنا من الاعتراف أن التفاعلات الناجمة عن العجز العربي المتراكم عن إيجاد الحلول الذاتية لأزماته قد وصلت حدّ الكارثة فأصبحت أي قشة، عربية كانت أو خارجية، تحدث انهياراتٍ مريعةً في النظام العربي. و لا بدّ اليوم من أن نرى أنه في الوقت الذي يسارع بعض العرب للتقرب، تملقاً و عن ضعف ظاهر، ممّن أعلن حرباً على هذا الشعب العربي أو ذاك، يقف رئيس بلدية لندن كين لفينغستون ليقول كلمة حق بأن "شارون مجرم حرب و مكانه في السجن و ليس في المكتب"، و في الوقت الذي لا يتجراً بعض العرب اليوم على ذكر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية أو ذكر حقوق اللاجئين أو القدس أو جرائم الحرب المرتكبة يومياً ضد العرب، يعقد حاخامات يهود مؤتمراً لهم في بيروت ليطالبوا بحقوق الشعب الفلسطيني. و في الوقت الذي تختار أهم صحيفة أوربية عناوين عن دور سورية الفاعل في عملية السلام للمساهمة بدعم سورية في لحظة صعبة، تختار فضائيات عربية عناوين مثل "توقع ضربة أمريكية على سورية". و في الوقت الذي تخرج المظاهرات للمطالبة بتطبيق القرار 1559 لا تطالب هذه المظاهرات ذاتها بتطبيق القرار (194) أو (242) أو (425). لقد خرجت قضايا العرب اليوم من نطاقها العربي لتصبح أسيرة الكارثة، و هذا ليس بالضرورة أمراً قدرياً، بل هو من فعل العرب أنفسهم عندما تخلوا عن المبادرة في تغيير واقعهم نحو الأفضل و الأقوى. لا إمكانية لهدر الوقت أو إخفاء الحقائق عن الشعوب أو اتهام الآخر بأنه مسؤول عما يجري في بلداننا ولشعوبنا. بقدر ما تحمل هذه المرحلة من أخطار تحمل أيضاً احتمالات لانبعاث عربي جديد يبدأ فعلاً ببناء نظام عربي معاصر و فاعل و شفاف و قادر على وضع العروبة حيث تستحق أن تكون، في مكان لائق تحت الشمس. و رغم كل التجييش الإعلامي المعادي و الانهزامي المغرض فإني أرى في تفاعلات الشعب العربي الصادق مع عروبته و انتمائه و الحافظ لدماء شهدائه و حقوق أمته أملاً في صياغة هوية عربية معاصرة تفخر بالحضارة و الثقافة العربيَين، و تتمسك بالحقوق و تتخذ الإجراءات التحديثية في الزمن و الشكل المناسبين و بما يقود شعوبنا إلى مستقبل تستحقه و تعمل من أجله بعيداً عن العدوان الأجنبي و هدر الكرامة والمقدرات على يد من أوصلهم العجز إلى مرحلة الانكسار.