دروس من عام 2004

3Jan. 2005

 

                                                                                                              د.بثينة شعبان                                                                                             

           في مراجعة سريعة لأحداث عام 2004 نرى أنه عام يستحقّ التوقّف عنده فعلاً لأن عدداً من الأمور المفهوماتية و الحياتية بدأت تتغيّر فعلاً و تتخذ منحىً لم نألفه من قبل لا بل و يتناقض مع كلّ ما تعلمناه و آمنّا به. و لا غرابة في أن تستأثر أحداث المنطقة التي نعيش بها باهتمامنا و تفكيرنا و تحليلاتنا. و إذا ما اخترنا البداية من العراق مثلاً و استبعدنا "أسحلة الدمار الشامل" التي تمّ شنّ الحرب لإزالتها، فإننا نرى أن احتلال العراق قد تمّ لاحقاً باسم الحرص على تحرير شعب العراق و إحلال نظام ديمقراطي "يكون نموذجاً في المنطقة" و لكن نظرة سريعة على كلّ الانتهاكات و الجرائم التي تمّ ارتكابها في سجن أبو غريب و الفلوجة و غيرهما و العنف المتواصل الذي  يحصد أرواح المدنيين العزّل و الممارسات الإرهابية التي انتشرت بشكل يهدد أمن و سلامة العراق و الدول المجاورة له على حد سواء، تشير إلى انفصام كامل بين المعلن من قبل من أتوا لترسيخ مسألة حقوق الإنسان و الديمقراطية في البلاد و بين الواقع الفعلي للحياة في العراق. و بعد ما يقارب العامين من الاحتلال الأجنبي للعراق تمّ ترسيخ الحديث عن سنّة و شيعة و مسيحيي و أكراد العراق كي تستمر محاولة تقسيم العراق و خلق الفرقة بين أبناء  الشعب الواحد أو التقديم لحرب أهلية كي يستمر الاحتلال الأجنبي. كلّ هذا يتمّ تحت شعارات " التحرير"  و  "الديمقراطية"  و   "الانتخابات"  و البلد ما تزال تئنّ تحت الاحتلال الأمر الذي يذهل الحسّ الطبيعي بالأمور.

      و في فلسطين أيضاً يتمّ الترويج لانتخابات تحت الاحتلال و يترافق هذا الجهد مع حرب يوميّة ضدّ المدنيين و هدم لمنازلهم و قتل لأطفالهم و رجالهم و نسائهم في الضفة و القطاع و منع المرشحين و الناخبين من التحرّك عبر الحواجز كلّ هذا كي يبرهنوا أن عرفات كان عقبة في طريق السلام و كي يدفعوا العالم إلى تناسي حقيقة هامة و أساسية و هي أنّ الاحتلال هو العقبة الكأداء  في طريق الديمقراطية و الحرية و حقوق الإنسان و أن كلّ ما يلبس لبوس الديمقراطية في ظلّ احتلال استيطاني عنصري يستولي كلّ يوم على مزيد من الأرض و المياه و ينكّل كلّ يوم بالجاثمين تحت نيره يهدف إلى مشاريع أخرى تبتغي تثبيت نتائج الاحتلال ضدّ مصالح   و حقوق الشعوب و لكن بشكل نهائي و دائم و بطريقة تكسب الرأي العام العالمي لصالح قوات الاحتلال.  و من هنا تأتي التصريحات المتلاحقة عن "الدولة الفلسطينية"  التي يبدو أنها أصبحت مطلباً إسرائيلياً بعد أن حاربتها لعقود طويلة كما كتب الكاتب عزمي بشارة لأن السؤال الأهم هو أي دولة و بأي حدود و بأي شروط و لأيّ فلسطينيين في المنافي و مع أيّ قدس؟  هذه هي الأسئلة الحيوية التي تشكّل عصب النضال الوطني الفلسطيني التي يراد لهذه الدولة أن تلغيها و تستبدلها بمفهوم جديد هو "الخلاف على الحدود" بين دولتين: إسرائيلية و فلسطينية!

    و اللافت للنظر في مجمل هذه القضايا هو أنّ الرأي العام العالمي يتحرك اليوم    و بسرعة لا سابقة لها لتفهّم هذه القضايا في فلسطين و العراق بشكل يقترب من طبيعة الحق العربي بينما يسير البعض في العالم العربي وراء أوهام "ديمقراطية"  شكلية تكتفي بالترشيح و الاقتراع  ترافقهما تغطية إعلامية و سياسية مكثّفة  تستهدف تثبيت الأهداف الحقيقية التي كانت وراء احتلال فلسطين و الجولان و العراق. ففي الوقت الذي تعقد إسرائيل اجتماعاً لسفرائها في الدول الأوروبية لدراسة مشكلة الصورة التي تعاني منها إسرائيل و خاصة في الدول الاسكندنافية حيث يرفض الكثيرون تأجير بيوت أو مقرّات للسفارات الإسرائيلية نتيجة الجرائم التي ترتكبها إسرائيل يومياً بحقّ الشعب الفلسطيني في هذا الوقت بالذات نرى اندفاعاً في التقارب من قبل بعض العرب نحو شارون رغم أن الأخير لم يغيّر سياساته و رغم استمرار جيشه في ارتكاب المجازر اليومية بحق الشعب الفلسطيني و توسيعه الاستيطان في الجولان و الضفة الغربية. لقد سببت المواقف الأوروبية المتصاعدة لصالح الحق الفلسطيني و العربي غضب شارون الذي اتهم الدول الأوروبية و ليس "العربية" هذه المرة بأنها  "لا تتبع نهجاً متوازناً"  و لذلك لا تستطيع المشاركة في العملية السياسية و أنّ ما يريده من أوروبا هو الضغط على الفلسطينيين لتنفيذ "إصلاحات" و أكدّ أنّه
"مثلما تعارض إسرائيل إدخال قوات دولية هكذا أيضاً تعارض تدخلاً أوربياً مباشراً في المفاوضات السياسية".

    إنّ ترجمة هذا الكلام تعني انبثاق وعي أوروبي حقيقي بمتطلبات السلام في المنطقة و بواقع الحال الذي يتلخّص في أنّ انتهاكات إسرائيل تشكّل العقبة الأكبر في تحقيق السلام. و الردّ الإسرائيلي على هذه المواقف هي توزيع الاتهامات بالإرهاب يميناً و شمالاً و توزيع الاتهامات باللاسامية لكلّ من يتجرّأ أن يتحدّث عن جرائم إسرائيل حتى و إن كان قد شهدها بأمّ عينه كما حدث مع بيترهانسن مدير وكالة غوث و تشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الاونروا"   و الذي أصبح محطّ هجوم إسرائيلي مكثّف لمجرّد أنه أعلن الحقائق و فضح الجرائم التي يرتكبها الإسرائيليون بحق الفلسطينيين الأبرياء في المدن و المخيمات الفلسطينية. فقد أعلن هانسن عن قتل الجيش الإسرائيلي للطفلة الفلسطينية غدير مخيمر و إيمان الهمص في المدرسة التابعة لوكالة الغوث و عن أطفال آخرين كما تحدّث عن قتل الجيش الإسرائيلي لموظفي الوكالة و الذي وصل عددهم إلى (11) شخصاً. لا شكّ  أن تصريحات هانسن سببّت إحراجاً للإدارة الإسرائيلية يضاف إلى مثيلاتها كلما ارتفعت أصوات في أوروبا تنتقد سياسة شارون و التي وصلت إلى المطالبة بعزل إسرائيل دولياً أسوةً بمصير دولة جنوب أفريقيا في حقبة التمييز العنصري. و لذلك بدأ الضغط الإسرائيلي على الكونغرس الأمريكي من أجل عدم التجديد لمدير الوكالة "هانسن"   و رغم التوقعات أنّ الأمم المتحدة لن ترضخ إلا  أننا قرأنا مؤخراً أنّ الأمين العام للأمم المتحدة لن يجدّد لبيترهانسن كمدير لوكالة الغوث "الاونروا" لأنه هو نفسه مهدداً أيضاً بالضغوط بالعزلة!!

     و هكذا فإن تطور الأحداث في المنطقة طوال عام 2004 يوضّح بشكل جليّ استمرار الضعف العربي أمام مخططات استعمارية استيطانية في فلسطين   و استنزاف العراق و إيهام العرب بأن لا مجال لديهم سوى السير في الركب مع إسرائيل و حلفائها و السكوت عن جرائمها و عدوانها في الوقت الذي يحدث تحوّل جوهري في الرأي العام لصالح الحقوق العربية و إن تزامن هذا التحوّل مع جهود إسرائيلية مكثّفة لكمّ الأفواه و إغلاق الفضائيات و تسريح من لا يسكت عن جرائم إسرائيل من المنظمات  الدولية و اتهام من يطالب بالحق العربي و الأرض العربية بالإرهاب أو اللاسامية. و رغم أنّ المسلمين و المسيحيين و اليهود عاشوا في المنطقة طوال قرون معاً نظراً لطبيعة الإسلام المتسامحة التي تقبل الآخر و تعتبره جزءاً متكاملاً من الحياة و رغم أنّه لا يوجد في الثقافة و التاريخ الإسلامي أي حادث أو واعز لاضطهاد اليهود أو غيرهم من معتنقي الديانات و العقائد الدينية فإن حملات التضليل الإعلامي و المفهوماتي التي تنطلق من إسرائيل مستمرّه في هذا المجال لتصل إلى الكونغرس و منه إلى الأمم المتحدة أو أوروبا مع ممارسة ضغوط سياسية على السياسيين و قمع الإعلام الحرّ. و ترافق كل ذلك عام 2004 مع خلل واضح في النظام السياسي العربي و انكشاف ضعف بعض الكيانات السياسية العربية أمام الضغوط الخارجية و الحملات الابتزازية التي تستهدف إرادتهم قبل كلّ شيء. لقد تمّ تغيير العالم بما فيه المفاهيم السائدة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول باستخدام القوة العسكرية و السياسية المفرطة و هناك محاولات لاستعادة جزء من توازن فيما يخصّ قضايا الإرهاب و لكن الوضع الرسمي العربي بعيد عنها و لذلك فإن الإجهاز على الأرض العربية حرب ما تزال مستمرّة، كما هو حال من ينتقد جرائم الحرب.   و السؤال هو ما الذي سيتغير عام 2005 هل سيكون عاماً مكمًلاً و تابعاً في تطوراته و أحداثه للأعوام التي سبقته، أم هل سيتغير الوضع العربي الرسمي بعد أن تجرى الانتخابات الموعودة في العراق و فلسطين؟  و هل سيعود لهذه المنطقة اعتبارها لأنها أنجبت الرسل و الأنبياء و انطلقت منها الرسائل السماوية و رسل المحبّة   و السلام للعالم برمّته؟  و الإجابة تكمن في الحقيقة الأبدية التي تمثّلها الآية الكريمة "لا يغيّر الله ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم"   لقد  سئم العرب جميعاً من المحيط إلى الخليج صور إذلال العرب فهل من حركة تعيد للعرب كرامتهم و تنقل أصواتهم لتتوحد مع الأصوات الباحثة عن الحقّ و العدالة في منطقتنا و العالم ؟■