عن الواقع المتكرر و الكتابة المتغيرة
د. بثينة شعبان
قرأت باهتمام، ردّ الدكتور أحمد بشارة في صفحة «الرأي» بصحيفة «الشرق الأوسط» على كتاباتي، واعتراضه على تمحورها حول الشأن العربي والغرب، من دون أن أوجّه بعضاً من مهاراتي لتحليل الشأن السوري الداخلي، أو أن أكتب عن الأرض السورية المحتلة والتي تضاهي الضفة الغربية مساحة! ولا أعلم ما إذا كان د. بشارة قد قرأ ما أكتبه على صفحات الجريدة، أم قرأ العناوين والبداية والختام، لأنه لو قرأ ما أكتبه لما قال «مواضيع متكررة»، إلا إذا كان يقصد أن الحديث دائماً في السياسة يعني التكرار، أو تناول الصراع العربي ـ الإسرائيلي من أوجه وزوايا وآفاق مختلفة يعني التكرار. ولكن حتى وإن كان قد قرأ كل ما كتبته، من الواضح أن هناك اختلافاً أساسياً بين رؤيتي ورؤيته لما يجري، وبين تحليلي وتحليله. ففي الوقت الذي يريدني أن أركز على تحليل الشأن السوري أو الكتابة عن الجولان، فإني مقتنعة أن الشأن السوري هو جزء لا يتجزأ من الشأن العربي، وأن ما يجري في فلسطين والعراق، وما يجري للسعودية والسودان واليمن، وما تتعرض له هذه الأمة من شرقها إلى غربها، هي تفاصيل ضمن عملية واسعة تستهدف تغيير هوية هذه الأمة، وتغيير لغتها وموقفها الحضاري بين الأمم. وهو محق بأنني لا أعتبر نفسي سورية بقدر ما أعتبر نفسي عربية، فأنا أنتمي إلى ذلك الجيل الذي يؤمن أن العروبة تتضمن الحلول للجميع، وأننا جميعاً في قارب واحد، ومن يحاول النجاة بنفسه كمن يتجاهل ثقباً في القارب ويطمئن نفسه بأن المياه لم تتدفق باتجاهه بعد، ولو كان عاقلاً لأدرك أن النجاة الفردية هي بنجاة القارب، وأنه في هذه الحال لا يوجد خلاص فردي على الإطلاق لأن الجميع مستهدفون، والخطط لا تفرّق بين سوري وسوداني ومغربي إلاّ في الزمن والسيناريو، ولذلك فإن الحلول تتمثل أول ما تتمثل بإدراك ماهية الخطط وأهدافها، ومن ثم إثارة الوعي لوضع آليات العمل الجديرة بمواجهة هذه الخطط وإحباطها، وما تلك الشعارات والتوجهات التي أطلقت لتسمية هذا البلد أولاً أو الاقتصار على الشأن القطري من أجل الخلاص من امتداد هذا المخطط إلى عقر الدار، سوى وهم كان جزءاً أساسياً من المخطط الذي يستهدفنا جميعاً، لأنّ هذا الوهم يشكل سلاحاً هاماً في تثبيط الهمم وذرّ الرماد في العيون لإخفاء معالم الطريق السليم الذي علينا جميعاً أن نسلكه، وللتدليل على ما أقوله، سوف أذكر أنني ومنذ بدء الانتفاضة الفلسطينية، وأنا أقول إن الفلسطينيين يقفون في خطّ الدفاع الأول، وأنهم مستهدفون كهوية وحضارة نمثل جميعاً جزءاً منها، وأن الإخراج المسرحي لمحاولة ابادتهم وإعادة توطينهم واغتصاب أرضهم ومياههم وتاريخهم، هو إحد السيناريوهات التي تمّ اختيارها لأسباب عملية، ولذلك لا تعنينا كثيراً تفاصيل الصورة التي يعملون على الترويج لها، بل يعنينا سبر أعماق المخطط ومحاولة إيجاد الصيغ الكفيلة بالرّد عليه إقليمياً ودولياً، سياسياً وإعلامياً. فبعد أحداث الحادي عشر من أيلول، تضمن المخطط نقطتين جوهريتين هما: تغييب حقيقة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وربط مقاومة الاحتلال بالإرهاب، واعتبار هذه المقاومة جزءاً من الإرهاب الدولي. وبعد أن انكشفت حقيقة ذريعة أسلحة الدمار الشامل التي استخدمت للحرب على العرب، لا أعتقد أن خبيراً عاقلاً لا يشكّ في أن احتلال العراق ونهب تراثه ومتاحفه وآثاره وثروته، والمحاولات الجارية لتفتيت هويته وكيانه، هو جزء من ذاك المخطط الأساسي الذي يستهدف تغيير الهوية العربية والقضاء على أي مظهر أو وجود للقومية العربية. أما اليوم فقد تحرك المخطط بعد السير قدماً في الحرب وفي بناء جدار الفصل العنصري، وبعد المجازر التي ارتكبها شارون ضد الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، ليلغي معادلة الصراع العربي - الإسرائيلي، وليركز على «الديمقراطية في الشرق الأوسط» وهو شعار كالشعارات الأميركية المتكررة، مثل «حقوق الإنسان» و «مكافحة الإرهاب» و«دول الشر» الخ، التي تستخدم كرمز عملياتي لانطلاق سيناريو سياسي إعلامي وربما عسكري لإنجاز هدف محدد ضمن أهداف السياسة الاستراتيجية الأميركية، والتي تعبأ لها الموارد المالية ويقوم الإعلام الأميركي بتعبئة شعبه وشعوب العالم لتنفيذها.
إن المشكلة حسب ما يصورونها للعالم اليوم ليست الاحتلال والاستيطان، وليس ما
ترتكبه إسرائيل من جرائم، وليس الحرب ضد الشعب العراقي، بل غياب «الديمقراطية» عن
معظم أنظمة الحكم في البلدان العربية، وضرورة إحلال هذه «الديمقراطية» أولاً. إن
إحجام الولايات المتحدة عن استئناف عملية السلام في الشرق الأوسط، هو نتاج الترويج
لهذا المخطط الذي يريد تسليط الضوء على الأمور الداخلية في البلدان العربية، ليس
من أجل نشر «الديمقراطية» وتحقيق الازدهار، وها هو العراق مثال على التهرب
الأميركي من إحلال الديمقراطية الانتخابية، وإنما من أجل إخراج الاحتلال
الإسرائيلي للأراضي العربية واستحقاقات السلام والأمن في المنطقة من المعادلة
برمتها.
وهنا تتساوى من دون شك، الجولان مع الضفة الغربية والقدس ومزارع شبعا، وتصبح هذه
الأجزاء من الأمة أجزاء من جسد واحد، والحقيقة أنني لم أرَ هذه الأرض الطيبة إلا
أجزاء من جسد واحد، لا بل أعتقد أن الخلاص الوحيد لكل فرد ولكل أسرة ولكل قطر عربي يكمن في هذه الرؤية العربية الشاملة، والتي
تفرز بالنهاية حلولاً عربية وهي الحلول الوحيدة الحقيقية.
وكون الأمة في حال تشرذم وانقسام، لا يعني على الإطلاق أن الرؤية والتحليل يجب أن
يكونا كذلك، وكون البعض قد اعتبروا أن الخلاص القطري أو الفردي هو الأساس لا يعني
أنهم محقون، لا بل إن انتقال هذا المخطط من قطر إلى قطر وبصيغ وذرائع مختلفة، دليل
أكيد على أن المواجهة الحقيقية لهذا المخطط يجب أن تكون من منظور عربي ومن منظور
الهوية الواحدة والقدر الواحد والمستقبل الواحد. كما أن توجيه هذا المخطط من خلال
الإذاعات والقنوات الفضائية والبرامج المدرسية التي تروّج له بلغتنا العربية، بعد
أن يسلبوا هذه اللغة أي قدر من الانتماء والهوية، لدليلٌ آخر أن من يستهدفنا لا
يعترف بحدود بيننا، تلك الحدود التي رسمها المستعمر لنا ليفرّق جهودنا فقط
ويتجاهلها في أي مخطط استعماري يستهدفنا جميعاً، بينما، ويا للغرابة، نتشبث نحن
بها ونلقي باللوم على من يرفض أن يتأطّر ضمن إطارها المناقض لمصلحة كل واحد فينا،
والمناقض حتماً لمصلحة كل قطر وكل فرد في هذه الأمة. أما المشكلة الأساسية الأخرى
والعقبة الكأداء في وجه فعل شيء حقيقي، فهي تتمثل في المنظور الذي عبر عنه د.
بشارة أن لفلسطين عشرين جبهة معنية بتحريرها، لأن مثل هذا الطرح يريح من يؤمن به،
ويدفعه للنوم قرير العين بعد أن تنصّل من مسؤوليته بينما يذبح أبناء بلده، وفي هذه
الحالة ـ فلسطين ـ حيث تهدم منازلهم فوق رؤوسهم كل يوم ويذبح أطفالهم، ولو حدث هذا
لأي شعب في العالم لقامت الدنيا ولم تقعد، والسبب في قدرة إسرائيل على الاستمرار
في إجرامها، هو شعور البعض بأن الآخرين مسؤولون، بالإضافة طبعاً لتفتت الجهود على
عشرين «جبهة معنية»، وأنا أحاول جاهدة أن أقول لكل مواطن عربي، إنه شخصياً مسؤول،
وأننا جميعاً مسؤولون عن فلسطين ولبنان وسورية والمغرب والسودان والعراق والسعودية
وكل بلد عربي.. وما لم نشعر أننا مسؤولون ونتصرف بأننا مسؤولون، وما لم نقتنع أن
كلّ ذرة تراب عربية غالية على قلوبنا تماماً كالأرض التي نقف عليها لن نتمكن من مقاومة
هذا المخطط الخطير وإحباطه■
16 Feb. 2004