الانهيار الأخطر
د. بثينة شعبان
لم يكن الصراع خلال الحرب الباردة حول حرب النجوم وغزو الفضاء وحسب، وإنما كان
صراعاً حول القيم والمفاهيم والحريات وأساليب التحكم بحياة البشر تحت مسميات
مختلفة. فقد كانت منظومة الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية قبل انهيارها في
أواخر القرن الماضي، تؤكد مبادئ المساواة بين البشر وتوزيع الثروات وضمان التعليم
والصحة للجميع، مقابل منظومة التفكير هذه التي تظهر صورة الدولة كراع لشؤون
المواطنين وضامن لتقديم الخدمات الأساسية لهم مهما كان مستوى الدخل لديهم أو درجة
تعليمهم. كانت صورة الرأسمالية تؤكد حرية الفرد وحرية العبادة وحرية التعبير وحرية
الانتخاب والديمقراطية الانتخابية، وأن هدف أي نظام يجب أن يكون صيانة هذه الحريات
وتعزيزها وعدم المساس بها لأي سبب كان. وهكذا فقد ترسخت في أذهان معظم البشر صورة
الغرب العلماني الذي يتمتع مواطنوه بحق حرية العبادة وكل الحريات الأخرى الشخصية
والسياسية والاجتماعية. وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي وتغيير أنظمة الحكم في دول
أوروبا الشرقية، بدأ التهليل لفجر العولمة، والذي قصد منه في ذلك الوقت عولمة قيم
ومفاهيم ونظم العلمانية واقتصاد السوق ومنظومة الحريات التي اعتبرت جوهر النظام
الرأسمالي، الذي أصبح النظام الوحيد على الساحة الدولية، والذي اعتبر انهزام
النظام الاشتراكي أمامه نصراً فريداً لأخلاقياته وقيمه ومفاهيمه ونظامه السياسي
الديمقراطي، والتي سوف يعمل على تعميمها على العالم بأسره.
ورغم تشابك القضايا واختلاط المفاهيم والقيم وتداخل الأفكار، فإن الصورة بدأت
تتوضح في الأعوام الأخيرة، وبدأ الوعي يتنامى بحقيقة ما يمثله الغرب العلماني
خصوصاً لشعوب العالم الأخرى، التي لم تحقق حضوراً اقتصادياً أو عسكرياً يؤهلها لأن
تكون جزءاً من المنظومة الغربية، أو أن يحسب لها حساب من قبل هذه المنظومة لأسباب مختلفة.
وإذا ما استثنينا للحظة ميزان القوة العسكرية والاقتصادية فإننا سنجد أن ما حصل
على مستوى المنظومة السياسية والأخلاقية والقيمية أمرٌ يستحق التوقف والتفكير
وإجلاء الغموض والتشويش.
فالغرب العلماني الذي طالما فاخر بضمان حرية الدين والمعتقد والعبادة لمواطنيه،
ظهر لدى أول حضور نسبي لدين آخر ألا وهو الإسلام، متشنجاً ومرتبكاً وبعيداً كل
البعد عن العلمانية، حيث بدأت الدولة وقواها السياسية تتدخل في الدين بهدف إلغاء
حق أساسي من حقوق المواطنة ألا وهو الحرية الدينية، تحت مسميّات وأعذار مختلفة.
وهكذا فإن ما أثبتته قضية الحجاب في فرنسا وحرمان الطالبات المسلمات من حق التعليم
بسبب ارتدائه، والاعتداء على طالبات مسلمات أخريات في بريطانيا وغيرها، الكثير من
الدلائل التي تؤكد أن حرية دين واحد هي المضمونة، أما حريات اعتناق الأديان الأخرى
وممارسة طقوسها فليست بديهية على الإطلاق، وهي مثار جدل ونقاش وتهديد بالإلغاء من
قبل الدولة، رغم أن هذه الحرية شكلت على المستوى الإعلامي ركناً أساسياً من أركان
الديمقراطية الغربية في العالم بأسره. والركن الآخر من أركان النظام الغربي هو
حرية التعبير، التي طالما اعتبرت جزءاً أساسياً من حقوق الإنسان، وها نحن نجد في
أخطر اللحظات وأشدّها حساسية مثل الحرب على العراق، ينضوي من يريد متابعة الحدث
إعلامياً تحت لواء القوات المحاربة، ويستأذنها فيما يكتب وينشر ويصف الأحداث
بالطريقة التي يوافق عليها القائد العسكري. لا بل أصبحت صناعة الرأي فنّاً قائماً
بحد ذاته ومعقداً، وتحتاج صناعة الرأي في كثير من الأحيان إلى «تصنيع للحقائق»
التي لا تمت بصلة إلى ما يجري على أرض الواقع، وبهذا تدفع الشعوب الغربية إلى حروب
من قبل حكوماتها من دون أن تتمكن من التدخل بقرار الحرب الذي يكلفها المليارات،
وتوضع شعوب أخرى تحت وطأة الاحتلال، وتتم صياغة أنظمتها من دون أن يكون لها رأي.
وما حدث للـ«بي بي سي»، يشير إلى قدرة الحكومات الغربية المتزايدة على لجم الإعلام
وإسكاته وإلحاقه بطرق متعددة ليكون جهازاً للدعاية لسياساتها ولإخفاء أخطائها
ولتلميع سمعة قادتها.
وبذلك أصبحت «الديمقراطية» نظاماً لفرض طريقة تفكير وأسلوب حياة من يمتلك مقاليد
الحكم، وبالتالي القدرة العسكرية والاقتصادية للدولة على هؤلاء الذين لا قدرة لهم
للمنافسة في هذا المجال. وعادت الحكومات الغربية إلى أسلوب التفكير عوضاً عن
الشعوب المنتشرة في أصقاع الأرض، والتي عاشت تاريخاً مختلفاً وتتمتع بثقافة مختلفة
وأساليب عمل وأهداف مختلفة.
فبدأ البث الإذاعي وبث الفضائيات بلغات هذه الشعوب، وبدأ تغيير المناهج الدراسية
بحيث تتم تربية الأجيال على قيم الفئة السياسية المتحكمة بالسلطات في الغرب، «رغم
تداولها بين أفراد هذه الفئة»، وهي قيم رجعية لأنها تؤكد العودة إلى أيديولوجية
التفوق الغربي في شتى المجالات، بما في ذلك الدين والأخلاق والثقافة والتراث، مع
ما يحمله هذا من إلغاء لخصوصية شعوب بأسرها وثقافاتها وطموحاتها الوطنية
ومساهماتها الإنسانية المختلفة، وهي أيديولوجية سادت الغرب بأشكال مختلفة طوال
القرون الماضية، وأدت إلى الاستعمار والاستيطان والحروب، ويندفع مع تراجع
العلمانية ومنظومة الحريات التقليدية تمييز كان غير معلن عن نفسه بشكل متزايد
سياسياً وإعلامياً وقانونياً ضد الإسلام ومعتنقيه في الغرب وخارجه، إلى درجة تطال
حتى المواطنين الغربيين الذين يحملون أسماء إسلامية، أو حتى من تدل سحنته على أنه
مسلم، ويتم اليوم انقضاض مخجل على حريات هؤلاء المسلمين باسم «مكافحة الإرهاب».
والصورة الحقيقية اليوم بعيداً عن التجميل، هي انهيار صورة الغرب «العلماني» و«جنة
الحريات» و«موئل الديمقراطية» في أذهان البشر، وانكشاف اللعبة السياسية الغربية
تحت وطأة الايديولوجية العنصرية الجديدة، بشكل لا يظهر من الحريات الغربية غير
حرية فئة سياسية معينة، تريد العالم كله أن يدين بدين معيّن، ويعيش وفق نمط واحد،
ويتلون بثقافة واحدة، وذلك بذريعة «مكافحة الإرهاب» و«نشر الديمقراطية». ولم يعد
أيديولوجو التفوق الغربي الجدد يبالون بمعايير الشرعية الدولية أو بهيئاتها،
وأصبحت أقوالهم وأفعالهم ذات طابع سياسي وليس أخلاقيا ولا قانونيا، وما الضغوط
السياسية التي يضعها الغرب عموماً، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا على محكمة
العدل الدولية لمنعها من النظر بجدار الفصل العنصري، إلا مؤشر واحد من مؤشرات
عديدة تؤكد اليوم في أذهان الكثيرين، عودة النظام الغربي إلى ايديولوجية السيطرة
على العالم، وتأكيد تفوقه على البلدان والثقافات والشعوب الأخرى، وخاصة فرض
الهيمنة المطلقة على المسلمين وإنكار حقهم في الاختلاف، سواءً أكانوا جزءاً من
المجتمعات الغربية أم في ديارهم، وأصبح «النصر» يعني «سحق» كل ما هو مختلف عن
المركزية الغربية أو معها، وكل من يحاول الحفاظ على الهوية القومية. وما الدعم
المطلق الذي تقدمه الحكومات الغربية كلها من دون استثناء لإسرائيل، وتغطيتها
للجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي من قتل الأطفال والاغتيال المعلن
وتدمير البيوت وحرمان الشعب الفلسطيني من كل حقوقه الإنسانية وغيرها من جرائم
الحرب والاحتلال، والقوانين العنصرية التي يسنها الاحتلال، والممارسات الإرهابية
التي تدنس بها إسرائيل كل القيم والمفاهيم الغربية نفسها، ما هذا الدعم إلا مؤشر
آخر على التمييز الغربي المتزايد ضد العرب باعتبارهم مسلمين. فالغرب بمنظومته
السياسية والفكرية الحاكمة ينظر لإسرائيل باعتبارها موقفاً غربياً متقدماً في قلب
الوطن العربي، وبذلك يقوم النظام السياسي الغربي وبناه التحتية من إعلام سائد
وحكومات متعاقبة، بتغطية جرائم إسرائيل سياسياً، بغضّ النظر عن قيم ومفاهيم
«العلمانية» و«الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» و«الشرعية الدولية».
ورغم أن الحديث يلبس لبوس «الديمقراطية» فإن الأدوات المستخدمة في فرض الهيمنة
تتمثل أولاً وقبل كل شيء، بالتفوق العسكري والتهديد المبطن والمعلن، بأن من لا
يمتثل لطريقة الحياة الغربية هذه طواعية، سوف يضطر إلى تبنيها مكرهاً بعد أن يتم
غزو بلاده واحتلالها وقمع شعبه، كي يتم «تعليمه» وفق مناهج دراسية معدة مسبقاً،
وبرامج عليه أن يشاهدها، ولغة عليه أن يستخدمها، وهوية عليه أن يتمثلها، فهل هذه
هي العودة الرجعية إلى عالم عرفته البشرية في القرن التاسع عشر وبداية القرن
العشرين ولكن بشكل آخر؟
09 Feb. 2004